الرواية الأولى

نروي لتعرف

من اعماقي / د. امجد عمر

هكذا يُصنع الإنسان

د. امجد عمر



كثيرًا ما نحكم على الناس من خلال ما نراه من تصرفاتهم، فنصف هذا بالحكيم، وذاك بالعصبي، وثالثًا بالطموح أو اللامبالاة، وكأن السلوك هو الحقيقة الكاملة التي تختزل الإنسان. وقد نحكم على شخص بأنه غاضب، بينما كان يحمل في داخله خوفًا لم نره، أو نصف آخر بالبرود، في حين أنه يخوض صراعًا لا يعلمه إلا هو. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير؛ فما نراه من أفعال ليس إلا الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من التفاعلات النفسية والاجتماعية التي تبدأ في الخفاء، ثم تنتهي في العلن. فالسلوك لا يولد فجأة، وإنما يُبنى خطوة بعد أخرى حتى يصبح جزءًا من شخصية الإنسان.
تبدأ هذه الرحلة بالإحساس؛ فهو البوابة الأولى التي يتلقى الإنسان من خلالها العالم من حوله. فما تراه العين، وما تسمعه الأذن، وما تلتقطه بقية الحواس، يصل إلى العقل في صورة مؤثرات تنتظر التفسير. وما إن يفسرها الإنسان حتى تتحول إلى مشاعر؛ فقد يستقبل شخصان الموقف نفسه، لكن أحدهما يشعر بالطمأنينة، بينما يشعر الآخر بالخوف، أو يرى أحدهما في التحدي فرصة، بينما يراه الآخر تهديدًا.
بعد ذلك يتولى العقل تنظيم هذه المشاعر وتحويلها إلى أفكار وقناعات، ومن تلك القناعات تتشكل القرارات، ثم يظهر السلوك الذي يراه الناس. لذلك فإن السلوك ليس بداية القصة، بل نهايتها؛ أما بدايتها الحقيقية فتسكن داخل الإنسان، حيث تتفاعل الأحاسيس والمشاعر والأفكار قبل أن تتحول إلى فعل أو كلمة أو موقف.
لهذا فإن من أراد أن يفهم سلوك إنسان، فلا يكفي أن يراقب أفعاله، بل عليه أن يبحث عما سبقها؛ فما الذي شعر به؟ وكيف فسر ما حدث له؟ وما القناعات التي تكونت داخله؟ فالسلوك ليس سوى مرآة لما يدور في الأعماق.
لكن الإنسان لا يعيش داخل عالمه الداخلي وحده، بل يعيش كذلك داخل عالم آخر لا يقل تأثيرًا، هو عالم الأشخاص الذين يحيطون به، والبيئة التي ينتمي إليها، والأفكار التي يتعرض لها كل يوم. فالأسرة، والأصدقاء، وزملاء العمل، والكتب، ووسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، جميعها تسهم في تشكيل أفكاره ومشاعره وسلوكه. ولا يحدث ذلك بصورة مفاجئة، بل يتسلل مع التكرار؛ فما يعتاده الإنسان يصبح مألوفًا، وما يألفه يتحول تدريجيًا إلى جزء من قناعاته.
ولعل أوضح الأمثلة على ذلك أن شخصين قد يبدآن حياتهما بقدرات متقاربة، ثم يفترقان بمرور الزمن؛ لأن أحدهما يعيش في بيئة تشجع على التعلم، وتبادل الخبرات، واكتساب المهارات، بينما يكتفي الآخر ببيئة تكرر المألوف ولا تحفز على التطور. كذلك لا تقتصر آثار البيئة على المعرفة وحدها، بل تمتد إلى المشاعر أيضًا؛ فالتفاؤل يعدي كما يعدي التشاؤم، والطموح يجد من يغذيه كما يجد اليأس من يرسخه، حتى يصبح الإنسان، من حيث لا يشعر، انعكاسًا لما يحيط به أكثر مما يظن.
لكن تأثير البيئة، على قوته، لا يلغي إرادة الإنسان، وإلا لما رأينا من خرجوا من بيئات قاسية ليحققوا نجاحات استثنائية، ولا من عاشوا في أفضل البيئات ثم عجزوا عن استثمار ما توفر لهم من فرص. فالبيئة تؤثر، لكنها لا تجبر، والإنسان ليس أسير ماضيه ولا رهين ظروفه، بل يظل قادرًا على مراجعة نفسه، وإعادة تشكيل عالمه، واختيار المؤثرات التي تمنحه القدرة على النمو بدلًا من التراجع. فكلما ازداد وعي الإنسان بما يؤثر فيه، ازدادت قدرته على إعادة كتابة مستقبله وصناعة شخصيته بإرادته.
من هنا تصبح مسؤولية الإنسان أكبر مما يتصور. فهو لا يختار أصدقاءه فحسب، بل يختار الأفكار التي ستسكن عقله، والمشاعر التي سترافقه، والعادات التي ستصنع مستقبله. وكل اختيار، مهما بدا بسيطًا، يترك أثرًا يتراكم مع الأيام حتى يصبح جزءًا من شخصيته.
إن بناء الإنسان لا يحدث في لحظة، بل هو حصيلة آلاف المؤثرات والاختيارات الصغيرة التي تتراكم يومًا بعد يوم. وربما لهذا، فإن أخطر ما يواجه الإنسان ليس أن يتأثر، فالتأثر سنة من سنن الحياة، وإنما أن يتأثر دون أن يدري، فيعيش عمره وهو يظن أنه يختار طريقه، بينما كانت اختياراته تُصاغ بصمت بفعل المؤثرات التي أحاط نفسه بها.
لذلك، قبل أن نسأل: لماذا أصبحنا على ما نحن عليه؟ يجدر بنا أن نسأل: ما المؤثرات التي نسمح لها كل يوم بأن تشارك في صناعة الإنسان الذي سنكونه غدًا؟

اترك رد

error: Content is protected !!