قبل أن يكتب التاريخ حكمه… رسائل مفتوحة إلى السيد الرئيس (3-7)خواطر من أجل رؤية وطنية لمسؤولية القيادة في إصلاح وبناء الدولة السودانية بعد الحرب)

الاقتصاد ومعاش الناس… الاختبار الحقيقي للحكم
السيد الرئيس….
قد تحقق الدول انتصارها في ميادين القتال، غير أن ثقة الشعوب تُكتسب حين ينعكس ذلك الانتصار على حياة الناس ومعاشهم. فالمواطن الذي صبر على الحرب، وتحمل النزوح، وفقد الأحبة والممتلكات، ينتظر اليوم أن يلمس تحولاً حقيقياً في واقعه اليومي يبدد آثار تلك المعاناة.
لقد فاقمت الحرب ما كان يعانيه الاقتصاد السوداني من إنهاك، واستنزفت موارده، وعطلت الإنتاج، وأضعفت العملة الوطنية، ورفعت معدلات التضخم والبطالة، وأثقلت كاهل الأسر بأعباء لم يعرفها السودان من قبل. ومع ذلك، فإن هذه الأزمة، على قسوتها، تحمل فرصة للانطلاق إذا أحسنَّا قراءة دروسها، واتجهنا إلى بناء اقتصاد منتج يقوم على أسس مستدامة.
ومع وفرة موارده الطبيعية، تكمن الثروة الحقيقية للسودان في كفاءة إدارة هذه الموارد واستثمارها. وتجارب الأمم تؤكد أن حسن الإدارة قادر على صناعة الازدهار حتى في البيئات محدودة الموارد، كما أن سوء الإدارة والفساد وضعف التخطيط قد يحولان الثروات الكبيرة إلى فرص ضائعة.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية اقتصادية واضحة، تُعيد ترتيب الأولويات، وتجعل الإنتاج محور التنمية، والاستثمار محرك النمو، وتعظيم القيمة المضافة هدفاً أساسياً للسياسات الاقتصادية.
فالزراعة ينبغي أن تعود قاطرة الاقتصاد الوطني، بوصفها منظومة إنتاج متكاملة تمتد من الأرض إلى التصنيع الزراعي، وسلاسل الإمداد، والتصدير، والأسواق العالمية. وكذلك الصناعة، التي يعتمد تطورها على توفير الطاقة، وتحديث البنية التحتية، وتشجيع القطاع الخاص الوطني، وتهيئة بيئة تنافسية تدعم المنتج المحلي وتمنحه القدرة على المنافسة.
أما التجارة، فهي شريان الاقتصاد، وازدهارها يرتبط بقوة النظام المصرفي، وتيسير الإجراءات الجمركية، وتطوير الموانئ، والطرق، والسكك الحديدية، والمطارات، بما يعزز ارتباط السودان بمحيطه الإقليمي والعالمي.
وفي هذا السياق، فإن البحر الأحمر يمثل فرصة اقتصادية كبرى لم تستثمر بعد بالصورة التي تليق بإمكاناته. فالموانئ، والخدمات اللوجستية، والنقل البحري، والصناعات المرتبطة به، تملك القدرة على تحويل السودان إلى مركز إقليمي للتجارة متى ما توافرت الرؤية، والإدارة، والاستقرار.
ولا يقل قطاع التعدين أهمية عن بقية القطاعات، لكنه يحتاج إلى تنظيم صارم يضمن تعظيم العائد الوطني، ومحاربة التهريب، وتشجيع التصنيع، وحماية البيئة، حتى تصبح الثروات المعدنية، وفي مقدمتها الذهب، ركيزة للتنمية المستدامة وداعماً للاقتصاد الوطني.
السيد الرئيس…
لن يكتسب أي برنامج للإصلاح الاقتصادي ثقة المواطنين ما لم تظهر آثاره في حياتهم اليومية. فاستقرار العملة، وتوفير السلع الأساسية، وخفض تكاليف الإنتاج، وتحسين الأجور، وخلق فرص العمل، تمثل ركائز للاستقرار الاقتصادي، وتمتد آثارها إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي.
كما أن إعادة الإعمار ينبغي أن تشمل الاقتصاد بكل مكوناته، إلى جانب إعادة تشييد ما دمرته الحرب. فإعادة المدرسة، وتأهيل المستشفى، وإنشاء الطريق، وإحياء المشروعات الإنتاجية، تمثل استثماراً في مستقبل السودان، وتسهم في بناء قاعدة تنموية قادرة على الاستمرار.
ومن المهم أن تقود الدولة عملية الإعمار برؤية وطنية، مع فتح المجال أمام القطاع الخاص، وتشجيع الشراكات، وجذب الاستثمارات العربية والأفريقية والدولية، على أساس المصالح المشتركة، والشفافية، وحماية الحقوق، واستقرار التشريعات.
ويظل الشباب أكبر ثروة يمتلكها السودان. فلا ينبغي أن تبقى هذه الطاقات خارج دائرة الإنتاج، بينما تحتاج البلاد إلى كل يد تبني، وكل عقل يبتكر. والاستثمار في التدريب، والتعليم الفني، وريادة الأعمال، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، يمثل استثماراً مباشراً في أمن السودان الاقتصادي والاجتماعي.
السيد الرئيس…
يؤمن السودانيون أن إعادة بناء الاقتصاد تحتاج إلى الوقت والعمل المتواصل، وهم يدركون أن المعجزات لا تصنع الاقتصادات، ويتطلعون إلى الصدق، والوضوح، وعدالة توزيع الأعباء، ويأملون أن يلمسوا مشاركة الدولة لهم في تحمل التضحيات.
فالاقتصاد هو حياة الناس، وكرامتهم، وقدرتهم على أن يعيشوا في وطنهم بأمل، وأن يستقبلوا الغد بثقة واطمئنان، قبل أن يكون أرقاماً في الموازنات أو مؤشرات في التقارير.
وإذا نجحت الدولة في أن تجعل المواطن يشعر بأن ثمرة السلام قد وصلت إلى بيته، وأن عائد التنمية قد انعكس على معيشته، وأن جهده أصبح طريقاً لتحسين حياته، فإنها تكون قد ربحت أعظم معركة بعد الحرب.
فالتاريخ يعلمنا أن قيمة الأوطان تُقاس بقدرتها على تحويل ما تملكه من ثروات إلى حياة كريمة لمواطنيها. وذلك، السيد الرئيس، هو الامتحان الذي تحسمه الإنجازات، وتفرضه مسؤولية الحكم، وينجح فيه من يجعل الإنسان غاية التنمية، والوطن غاية السياسة.



