الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

السودان… من دولة أزمة إلى دولة مصلحة ( إعادة تعريف القيمة الاستراتيجية للسودان في معادلة المصالح الدولية )

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

تتغير موازين القوة الدولية كلما تغيرت المعايير التي تُقاس بها قيمة الدول. ومع كل مرحلة تاريخية جديدة، تعاد صياغة مفهوم القوة ذاته، فتغدو قيمة الدولة مرتبطة بقدرتها على تحويل موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية وإمكاناتها الاقتصادية إلى مصالح مشتركة تجعل حضورها ضرورة في حسابات القوى الفاعلة. فالدول التي تنجح في ربط أمن الآخرين وازدهارهم واستقرارهم بمصالحها الوطنية تصبح أكثر قدرة على حماية سيادتها وتعزيز مكانتها، بينما تتحول الدول التي تُعرِّف نفسها بوصفها بؤرة أزمات دائمة إلى ملفات مفتوحة تتنافس القوى المختلفة على إدارتها بدلاً من الاستثمار في استقرارها.

ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن تفعله أي دولة هو أن تسمح للعالم بأن ينظر إليها باعتبارها عبئاً أمنياً أو إنسانياً أو سياسياً فقط؛ لأن هذا التصور لا يصنع شراكات، وإنما يصنع وصايات، ولا يجذب الاستثمارات، وإنما يستدعي التدخلات، ولا يبني النفوذ، وإنما يكرس التبعية.

لقد ظل السودان، خلال سنوات طويلة، يُقدَّم في كثير من المحافل الدولية باعتباره دولة حرب، أو دولة نزاعات، أو دولة مجاعة ونزوح، أو ملفاً إنسانياً معقداً يحتاج إلى الإغاثة والدعم. ورغم أن هذه الأوصاف تعكس جانباً من الواقع الذي فرضته الحرب، فإنها لا تمثل الحقيقة الكاملة، كما أنها لا ينبغي أن تصبح الهوية السياسية والاقتصادية التي يُعرَّف بها السودان أمام العالم.

إن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي حديث عن العلاقات الخارجية ليس: ماذا نريد من العالم؟ وإنما: لماذا قد يحتاج العالم إلى السودان؟

فالدول الكبرى لا تبني سياساتها الخارجية على التعاطف، ولا تدير تحالفاتها وفق اعتبارات أخلاقية مجردة، وإنما تتحرك وفق حسابات دقيقة للمصلحة الوطنية. ومن ثم فإن نجاح السودان في إعادة بناء علاقاته الدولية لن يبدأ بالمطالبة بالمساعدات، بل بإعادة تعريف نفسه بوصفه شريكاً قادراً على إنتاج قيمة استراتيجية لا يمكن تجاهلها.

ولعل أول عناصر هذه القيمة يتمثل في الموقع الجغرافي الفريد الذي يحتله السودان. فهو يشرف على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويقع عند نقطة اتصال بين شمال أفريقيا وشرقها وعمقها الأوسط، كما يمثل بوابة طبيعية تربط الخليج العربي بالقرن الأفريقي ووسط أفريقيا. وهذه الجغرافيا ليست مجرد حدود على الخريطة، وإنما أصل استراتيجي يمكن تحويله إلى مصدر دائم للقوة الاقتصادية والسياسية إذا أُحسن استثماره.

ولا يقل عن ذلك أهمية ما يمتلكه السودان من ثروات معدنية هائلة، تتجاوز الذهب إلى معادن أخرى تزداد أهميتها مع التحول العالمي نحو الصناعات التكنولوجية والطاقة النظيفة. فالمعادن الحرجة أصبحت اليوم جزءاً من الأمن الصناعي للدول الكبرى، والتنافس عليها يتصاعد بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي يمنح السودان فرصة تاريخية للدخول في شراكات استراتيجية تقوم على الاستثمار والتصنيع ونقل المعرفة، بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام.

أما في مجال الأمن الغذائي، فإن العالم يتجه نحو مرحلة يصبح فيها الغذاء أحد أهم عناصر القوة والنفوذ. ومع تزايد آثار التغير المناخي، وتراجع الرقعة الزراعية في مناطق عديدة، تتعاظم أهمية الدول القادرة على إنتاج الغذاء بكميات كبيرة. ويظل السودان، بما يملكه من أراضٍ زراعية واسعة وموارد مائية وتنوع مناخي، مؤهلاً ليكون أحد أهم المراكز الإقليمية للإنتاج الزراعي، إذا توفرت البنية التحتية والاستثمارات والسياسات المستقرة.

وفي قطاع الطاقة، لا يقتصر الأمر على النفط والغاز، وإنما يمتد إلى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والربط الكهربائي الإقليمي، وهي مجالات تزداد أهميتها مع التحولات العالمية في أسواق الطاقة. كما أن تطوير الموانئ السودانية وربطها بشبكات النقل البري والسككي يمكن أن يحول السودان إلى منصة لوجستية تربط بين أفريقيا والبحر الأحمر والخليج، بما يعزز مكانته في سلاسل الإمداد العالمية.

ومن هنا فإن المطلوب من السياسة الخارجية السودانية لم يعد يقتصر على تحسين الصورة أو كسب التعاطف، وإنما الانتقال إلى مرحلة بناء حزمة متكاملة من المصالح المشتركة مع القوى الإقليمية والدولية، كلٌّ بحسب زاوية احتياجه إلى السودان وموقعه داخل حساباته الاستراتيجية.

ورغم اختلاف أولويات القوى الدولية، فإنها تكاد تتفق جميعًا على حقيقة واحدة؛ أن قيمة السودان لا تنبع من عنصر واحد، وإنما من قدرته على الجمع بين عدد من المزايا الاستراتيجية التي يصعب اجتماعها في دولة واحدة. فلكل قوة كبرى زاوية مختلفة تنظر منها إلى السودان، لكن هذه الزوايا جميعها تلتقي عند نقطة واحدة: الموقع والموارد والربط الجغرافي.

فالولايات المتحدة يمكن أن تجد في السودان شريكاً مهماً في أمن البحر الأحمر، وتأمين سلاسل الإمداد، والاستثمار في المعادن الاستراتيجية، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، والحد من تمدد النفوذ الصيني والروسي في منطقة شديدة الحساسية. ولذلك فإن العلاقة مع واشنطن ينبغي ألا تُبنى فقط على طلب الدعم السياسي أو الإنساني، وإنما على تقديم السودان بوصفه جزءاً من معادلة المصالح الأمريكية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وأفريقيا الوسطى.

أما الصين، فإنها تنظر إلى السودان من زاوية مختلفة، إذ يمثل السودان بالنسبة لبكين مساحة مهمة للموارد الطبيعية، والبنية التحتية، والطاقة، والزراعة، والموانئ، والربط التجاري بين أفريقيا والعالم العربي. ومن هذه الزاوية يمكن للسودان أن يكون جزءاً من شبكة الممرات الاقتصادية التي تهتم بها الصين في إطار توسعها العالمي، لا بوصفه تابعاً لأي محور، وإنما بوصفه دولة تعرف كيف توظف موقعها ومواردها في بناء شراكات إنتاج واستثمار ونقل معرفة.

وتنظر روسيا بدورها إلى السودان من زاوية البحر الأحمر والذهب والمعادن والتعاون الأمني والعسكري والنفوذ الأفريقي. فالسودان، بالنسبة لموسكو، ليس مجرد دولة أفريقية بعيدة، وإنما موقع يمكن أن يمنحها حضوراً في واحدة من أهم مناطق العبور البحري في العالم. ومن ثم فإن إدارة العلاقة مع روسيا تحتاج إلى وعي دقيق يوازن بين الاستفادة من مصالحها في السودان، وبين حماية القرار الوطني من أي ارتهان لمحاور دولية متصارعة.

أما المملكة العربية السعودية، فإن استقرار السودان يرتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر، وبسلامة خطوط الملاحة، وبالأمن الغذائي، وبالاستثمارات الزراعية واللوجستية التي تخدم رؤيتها المستقبلية. فالسودان المستقر لا يمثل فقط جاراً مهماً على الضفة الأخرى من البحر الأحمر، وإنما عمقاً استراتيجياً واقتصادياً يمكن أن يعزز أمن المملكة ومصالحها طويلة المدى.

وتستطيع قطر أن تجد في السودان مساحة رحبة للاستثمار في الزراعة والطاقة والموانئ، إلى جانب دورها في دعم الاستقرار والتنمية، بما يحقق مصالح متبادلة تعود بالنفع على الطرفين. كما أن خبرة قطر في إدارة الملفات الإقليمية المعقدة يمكن أن تجعلها شريكاً مهماً في دعم مسارات التنمية والاستقرار، لا من باب الوساطة السياسية وحدها، وإنما من باب بناء المصالح الاقتصادية المستدامة.

وتأتي مصر في موقع خاص داخل هذه المعادلة، لأن علاقة السودان بها لا يمكن اختزالها في الجوار الجغرافي أو الروابط التاريخية فقط، بل تمتد إلى مياه النيل، وأمن الحدود، والبحر الأحمر، والهجرة، والتجارة، والعمق الاستراتيجي المشترك. فالسودان المستقر يمثل ضرورة للأمن القومي المصري، كما أن مصر المستقرة والمتفهمة لمصالح السودان تمثل سنداً مهماً لأمنه واستقراره. ومن هنا فإن العلاقة بين الخرطوم والقاهرة ينبغي أن تُبنى على قاعدة المصالح المتبادلة لا الحساسية المتبادلة، وعلى إدراك أن أمن البلدين لا ينفصل في كثير من جوانبه.

أما أوروبا، فإنها تنظر إلى السودان من زوايا متعددة، في مقدمتها الهجرة غير النظامية، والاستقرار الإقليمي، وأمن البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، والطاقة، والمعادن، وسلاسل الإمداد. ولذلك فإن السودان يستطيع أن ينتقل في علاقته مع أوروبا من موقع الدولة التي تطلب الإغاثة إلى موقع الشريك في إدارة ملفات استراتيجية تمس الأمن الأوروبي نفسه. فكلما استقر السودان، تراجعت موجات النزوح والهجرة، وتحسنت فرص التنمية، وانخفضت كلفة الأزمات العابرة للحدود.

واللافت أن اختلاف مصالح هذه القوى لا يلغي حقيقة واحدة، وهي أن معظمها يلتقي عند السودان من زوايا مختلفة، بينما يظل السودان نفسه عاجزًا عن جمع هذه الزوايا في رؤية وطنية واحدة.

ولا ينبغي أن يغيب عن هذه القراءة المحيط الأفريقي المباشر، فالسودان ليس دولة عربية فقط، وإنما دولة أفريقية محورية تقع في تماس مباشر مع شرق أفريقيا والقرن الأفريقي ووسط أفريقيا والساحل. وهو عضو في الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد، ويمتلك حدوداً ومصالح متداخلة مع دول الجوار الأفريقي. ومن ثم فإن استقراره ينعكس على تشاد، وجنوب السودان، وإثيوبيا، وإريتريا، وأفريقيا الوسطى، وليبيا، كما أن اضطرابه يفتح الباب أمام التهريب، وتجارة السلاح، والهجرة، والجريمة المنظمة، وتمدد الجماعات غير النظامية.

وهنا تبرز أهمية أن يعيد السودان تعريف نفسه داخل أفريقيا أيضاً، لا باعتباره دولة مأزومة تنتظر قرارات المنظمات الإقليمية، وإنما باعتباره دولة قادرة على الربط بين البحر الأحمر والعمق الأفريقي، وبين الخليج ووسط أفريقيا، وبين الموانئ والأسواق الداخلية للقارة. فالقيمة الأفريقية للسودان لا تقل أهمية عن قيمته العربية أو الدولية، بل ربما تكون المدخل الأوسع لإعادة بناء دوره الإقليمي.

ولا يتعارض هذا المنهج مع السيادة الوطنية، بل يمثل أحد أهم أدوات حمايتها. فالدول لا تصون استقلالها بالانعزال عن العالم، وإنما ببناء شبكة واسعة من المصالح المتبادلة تجعل استقرارها جزءاً من استقرار الآخرين، وتجعل أمنها الاقتصادي والسياسي مرتبطاً بمصالح شركائها، لا بمساعداتهم. فالسيادة لا تعني الابتعاد عن شبكة المصالح الدولية، وإنما تعني الدخول إليها من موقع الوعي والاختيار، لا من موقع الاضطرار والتبعية.

إن إعادة تعريف السودان بوصفه دولة مصلحة لا تعني تجاهل أزماته، وإنما تعني رفض اختزال هويته فيها. فالأزمات عابرة مهما طالت، أما عناصر القوة الجغرافية والاقتصادية والاستراتيجية فهي أصول دائمة ينبغي أن تكون نقطة الانطلاق في بناء السياسة الخارجية.

لقد أثبتت التحولات الدولية المعاصرة أن الدول التي تعرف كيف تقدم نفسها للعالم باعتبارها شريكاً منتجاً للمصالح هي الأكثر قدرة على جذب الاستثمارات، وبناء التحالفات، وحماية استقلال قرارها الوطني. أما الدول التي تكتفي بعرض أزماتها وانتظار حلول الآخرين، فإنها تظل أسيرة موقع المتلقي، مهما تبدلت الحكومات أو تغيرت موازين القوى.

ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام السودان في المرحلة المقبلة لا يكمن فقط في إنهاء الحرب وإعادة الإعمار، وإنما في إعادة تعريف قيمته الاستراتيجية داخل النظام الدولي. فحين يصبح السودان جزءاً من معادلات الأمن الغذائي، والطاقة، والمعادن الاستراتيجية، والبحر الأحمر، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الإقليمي، فإنه لن يكون مجرد دولة تطلب الدعم، بل دولة يصعب تجاوزها في حسابات القوى الكبرى.

وهنا يكمن الفارق الجوهري بين دولة تُدار أزماتها من الخارج، ودولة تُدار علاقاتها من داخل مصالحها الوطنية. فالسياسة الدولية لا تكافئ الدول التي تمتلك الموارد فحسب، وإنما تكافئ الدول التي تعرف كيف تحول تلك الموارد إلى مصالح مشتركة، وتجعل من استقرارها حاجة للآخرين قبل أن يكون حاجة لها وحدها.

إن الدول لا تدخل التاريخ لأنها امتلكت الثروات أو شغلت مواقع جغرافية متميزة، وإنما لأنها عرفت كيف تحوّل تلك المقومات إلى مصالح تجعل العالم يحتاج إليها. والسودان لا تنقصه عناصر هذه المعادلة، بقدر ما تنقصه القدرة على صياغتها في مشروع وطني واضح، وخطاب خارجي موحد، ورؤية استراتيجية تعرف ماذا تريد من العالم، وتدرك قبل ذلك ماذا يستطيع العالم أن يجد في السودان. فحين تتحول الجغرافيا إلى نفوذ، والموارد إلى مصالح، والشراكات إلى رصيد استراتيجي متبادل، ينتقل السودان من كونه دولة أزمة في عيون الآخرين إلى دولة مصلحة لا يملك العالم ترف تجاوزها.

اترك رد

error: Content is protected !!