هانوفر… المستقبل المبكر

(٣)
الرحلة إلى هانوفر في أوائل الألفية فتحت أمامي نافذة واسعة لرؤية عالم يتشكل قبل أن يصل إلى حياتنا بسنوات. الوجهة ارتبطت بأحد أكبر التجمعات التقنية على مستوى العالم آنذاك، معرض CeBIT في مدينة هانوفر الألمانية، الذي تحول في تلك السنوات إلى منصة عالمية تجمع التقنية والصناعة والأفكار المستقبلية في مكان واحد.
منذ اللحظات الأولى داخل المعرض ظهرت صورة يصعب نسيانها، عشرات الآلاف من الزوار من مختلف دول العالم، وأكثر من أربعين صالة عرض ضخمة، وكل صالة بدت مدينة صغيرة داخل مدينة أكبر. الشركات العالمية جاءت بأحدث ما لديها، ووفود من أنحاء العالم تحركت بين الأجنحة بحثا عن الأفكار والشراكات والتقنيات الجديدة.
ما جذب انتباهي بصورة خاصة أن المعرض لم يقتصر على عرض المنتجات التجارية فقط، إنما أفكار المستقبل من خلال مراكز البحوث والدراسات المستقبلية، تقنيات ما زالت في مراحلها الأولى، ظهرت أمام الزائر صورة لدول تستثمر في استكشاف المستقبل وصناعته قبل سنوات من وصوله إلى الأسواق.
في تلك المرحلة ظهر المشهد العالمي بصورة مختلفة عن صورته الحالية، الحضور الصيني لم يصل إلى التأثير الواسع الذي نراه اليوم، وأسماء مثل هواوي وغيرها لم تكن تملأ مساحات المعارض والمؤتمرات الدولية بالصورة التي نشاهدها اليوم. الخريطة التقنية العالمية كانت تمر بتحولات كبيرة أخذت ملامحها الأولى تتشكل داخل تلك القاعات.
التجول بين أجنحة المعرض منحني شعورا يشبه الانتقال بين سنوات مختلفة في يوم واحد. بعض التقنيات ظهرت وقتها وكأنها أفكار بعيدة، ثم تحولت بعد سنوات قليلة إلى جزء من الحياة اليومية. أنظمة الاتصالات والخدمات الإلكترونية والحلول المؤسسية وتقنيات إدارة البيانات وأدوات العمل الرقمي تحركت أمامنا كأنها مشاهد قادمة من زمن آخر.
ومن أهم ما خرجت به من تلك الرحلة إدراك أن قيمة مثل هذه المعارض لا تتوقف عند مشاهدة الأجهزة أو جمع الكتيبات التعريفية. الفائدة الحقيقية ترتبط بقراءة الاتجاه الذي يتحرك نحوه العالم، خاصة أن بعض الأفكار التي تبدأ داخل زاوية صغيرة في معرض قد تتحول بعد سنوات إلى صناعة عالمية أو إلى أسلوب حياة جديد.
كما لفت انتباهي الحضور العربي الذي حمل صورة مشرفة في تلك المرحلة، خاصة من الأردن ومصر، مشاركة شركات ومؤسسات قدمت حلولا وبرمجيات وتجارب تعكس وجود حركة تقنية نشطة في المنطقة.
بعيدا عن أجواء المعرض حملت هانوفر صورة مدينة ألمانية جميلة وهادئة ومنظمة بصورة لافتة. المساحات الخضراء والطرق المرتبة والدقة في التفاصيل منحت المدينة طابعا خاصا. التنظيم ظهر جزءا من ثقافة يومية تنعكس في الشارع وفي المؤسسات وفي طريقة إدارة الحياة نفسها.
مع مرور السنوات اتضحت أمامي فكرة بقيت عالقة في الذاكرة، المستقبل لا يصل بصورة مفاجئة، بل يبدأ صغيرا داخل فكرة أو تجربة أو جناح في معرض، ثم يواصل طريقه حتى يصبح جزءا من حياتنا اليومية.
في الحلقة القادمة ننتقل إلى مدينة أخرى حملت تجربة مختلفة، وأضافت درسا جديدا من دروس التحول الرقمي.
٢٤ مايو ٢٠٢٦م



