الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

حظر السلاح على السودان… هل تحاصر العقوبات الحرب أم الدولة؟

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

قد يبدو توسيع حظر السلاح على السودان إجراءً يتعلق بأدوات الحرب ومسارات إمدادها، غير أن ما طُرح أمام مجلس الأمن يفتح سؤالاً أعمق يتصل بالفلسفة السياسية التي تقف خلف العقوبات، وبالطريقة التي تعيد بها تعريف أطراف الصراع وحدود الشرعية وموقع الدولة داخل المعادلة. ولهذا فإن جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن السودان، التي انعقدت في الرابع والعشرين من أغسطس، تستحق قراءة تتجاوز تفاصيل المواقف والكلمات إلى السؤال الأكثر أهمية: كيف ينظر المجتمع الدولي إلى الدولة السودانية في هذه المرحلة، وكيف يريد التعامل معها؟

خلال الجلسة، طرح كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس مقترحاً أمريكياً لتوسيع حظر السلاح القائم على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، مع التأكيد على شمول الطائرات المسيّرة وأنظمتها وتقنياتها ضمن الحظر، وزيادة عدد أعضاء فريق الخبراء التابع للجنة العقوبات المنشأة بموجب القرار 1591، وتعزيز تعاونه مع فرق الخبراء الأخرى لمراقبة انتهاكات حظر السلاح وتجميد الأصول وحظر السفر.

ومن المهم هنا تصحيح نقطة صاحبت كثيراً من التداول الإعلامي قبل الجلسة؛ فالمقترح الذي أعلنه بولس أمام المجلس تحدث عن توسيع حظر السلاح، وعن إدراج المسيّرات صراحة ضمن نطاقه، ولم يتضمن في عرضه فرض منطقة حظر طيران شاملة فوق السودان. والفارق القانوني والسياسي والعسكري بين حظر توريد السلاح وفرض حظر للطيران كبير، وخلط المصطلحين يقود بالضرورة إلى قراءة مختلفة لطبيعة ما هو مطروح أمام المجلس.

المبرر الأمريكي المعلن يقوم على أن استمرار التدفقات العسكرية والمالية والسياسية الخارجية يغذي الحرب ويزيد مخاطر تمددها إلى الإقليم، وأن تطور استخدام المسيّرات والأسلحة الأكثر تقدماً ضاعف المخاطر الواقعة على المدنيين والمنشآت والبنية الأساسية. وهي مخاوف لا يمكن تجاهلها في حرب أصبحت فيها التكنولوجيا العسكرية وشبكات الإمداد الخارجية جزءاً مؤثراً في استمرار العمليات واتساع نطاقها.

غير أن المسألة من منظور الدولة السودانية أكثر تعقيداً من ذلك.

فتوسيع حظر السلاح من إقليم دارفور إلى كامل السودان ينقل نظام العقوبات من نطاق جغرافي ارتبط تاريخياً بأزمة محددة إلى نطاق يمس الدولة السودانية بكامل جغرافيتها. وهنا يظهر السؤال الجوهري: كيف يمكن تصميم حظر للسلاح من دون أن ينتهي تطبيقه عملياً إلى المساواة بين مؤسسة عسكرية وطنية لدولة عضو في الأمم المتحدة، وتشكيل مسلح موازٍ ينازع الدولة سلطتها وسيادتها واحتكارها المشروع لاستخدام القوة؟

هذه هي النقطة التي التقطتها مصر بوضوح عندما رفضت أي مقاربات تساوي بين مؤسسات الدولة الوطنية والمليشيات. والموقف هنا يتجاوز مساندة الخرطوم إلى مبدأ أساسي في بنية النظام الدولي؛ فالدولة تمتلك مؤسسات رسمية ومسؤوليات قانونية في حماية أراضيها وحدودها وسكانها، بينما يحمل التشكيل المسلح الخارج عن مؤسساتها وضعاً قانونياً وسياسياً مختلفاً. وعندما تفقد أدوات الضغط الدولي القدرة على التمييز بين هذين المركزين، فإنها تخاطر بإنتاج أثر يناقض الغاية التي أنشئت من أجلها.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في المقترح الأمريكي.

فإذا كان الهدف من توسيع الحظر هو وقف تدفق السلاح الذي يغذي الحرب، فإن السؤال الأول الذي ينبغي طرحه ليس فقط: إلى أين يمتد الحظر؟ وإنما أيضاً: لماذا لم يمنع الحظر القائم على دارفور طوال السنوات الماضية استمرار وصول السلاح إلى الإقليم؟

هذا السؤال ينقل النقاش من جغرافية العقوبات إلى فاعليتها.

فالسودان تحيط به حدود برية شاسعة، وتتداخل حوله بيئات أمنية مضطربة وشبكات تهريب ومسارات نقل وتمويل عابرة للحدود. وإذا كان نظام العقوبات القائم لم يستطع إغلاق هذه المسارات بصورة كافية، فإن توسيع نطاقه الجغرافي من دون معالجة مواطن الضعف في الرقابة والتنفيذ وتتبع مصادر التمويل والإمداد قد يجعل القرار أكثر اتساعاً على الورق، من دون أن يجعله أكثر قدرة على تغيير الواقع.

بل قد تظهر نتيجة أكثر خطورة؛ فالدولة، بحكم تعاملاتها الرسمية ومؤسساتها المعروفة ومنافذها الخاضعة للرقابة والتتبع الدولي، ستكون أكثر قابلية للتقييد، بينما تمتلك الشبكات غير الرسمية قدرة أكبر على الالتفاف على الحظر عبر الحدود والأسواق السوداء والوسطاء ومسارات التهريب. وعندها يمكن أن تتحول العقوبات من أداة لضبط تدفقات السلاح إلى عامل يخل بتوازن القدرة بين الدولة والفاعلين المسلحين خارجها.

وتكشف خريطة المواقف داخل مجلس الأمن أن المسألة لم تصل بعد إلى توافق دولي. فهناك اتجاه غربي ظهر من خلال تأييد بريطانيا وفرنسا والدنمارك ولاتفيا للمقترح الأمريكي، في مقابل موقف روسي ينتقد العقوبات الغربية ويتحفظ على توسيع الإجراءات بما يؤثر في القوات المسلحة السودانية، بينما قدمت الصين مقاربة أكثر ارتباطاً بمفهوم السيادة، مؤكدة أن العقوبات وسيلة وليست غاية، ومحذرة من التوسع التعسفي في التدابير القسرية التي قد تضر باستقرار السودان وتنميته.

وبين هذين الاتجاهين تقف مساحة مهمة داخل المجلس؛ إذ لم تعلن مجموعة الدول الأفريقية الثلاث، الصومال والكونغو الديمقراطية وليبيريا، إلى جانب البحرين وباكستان وبنما واليونان وكولومبيا، تأييداً صريحاً للمقترح خلال الجلسة. وهذا لا يعني بالضرورة معارضتها له، لكنه يكشف أن المعركة الدبلوماسية حول المشروع لم تُحسم، وأن الطريق من طرح الفكرة الأمريكية إلى تحويلها إلى قرار ملزم ما زال يمر بحسابات سياسية وقانونية دقيقة.

أما الموقف السعودي، الذي أدان استمرار الانتهاكات التي ترتكبها قوات الدعم السريع وثمّن موقف الحكومة السودانية في فتح المعابر وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، فيضيف بعداً مهماً إلى النقاش؛ إذ يضع حماية المدنيين والاستجابة الإنسانية إلى جانب ضرورة تحديد المسؤوليات وعدم إغفال طبيعة الأطراف الموجودة في الميدان.

ومن هنا فإن الخرطوم أمام استحقاق دبلوماسي ينبغي التعامل معه بجدية تتجاوز مجرد رفض المقترح أو التعويل على ما ستفعله موسكو وبكين داخل مجلس الأمن. فوجود مواقف معارضة داخل المجلس، بما فيها مواقف لدول دائمة العضوية، قد يعقّد تمرير المقترح أو يحول دون اعتماده بصيغته المطروحة، لكنه لا يلغي الاتجاه السياسي الذي أنتجه، ولا يمنع عودته في صيغ أخرى أو انتقال بعض عناصره إلى أدوات ضغط مختلفة.

المطلوب، لذلك، تحرك دبلوماسي واسع ومبكر يستهدف بصورة خاصة الدول التي لم تحسم مواقفها، ويشرح الفارق بين منع تدفق السلاح إلى المليشيات والجماعات المسلحة وبين تقييد قدرة دولة ذات سيادة على الدفاع عن أراضيها وسكانها ومؤسساتها. كما يحتاج السودان إلى تقديم رؤية بديلة لا تكتفي بالاعتراض، تقوم على تشديد الرقابة على خطوط الإمداد العابرة للحدود، وملاحقة شبكات التمويل والشراء والنقل والوسطاء، وتفعيل العقوبات الفردية ضد الأشخاص والكيانات التي يثبت تورطها في تغذية الحرب، وتعزيز آليات التحقق من مصادر السلاح ووجهاته.

والأهم أن تتحول الدبلوماسية السودانية من الدفاع عن نفسها أمام كل مقترح جديد إلى بناء سردية متماسكة أمام المجتمع الدولي: السودان لا يعترض على وقف تدفقات السلاح غير المشروعة، ولا على حماية المدنيين أو محاسبة مرتكبي الانتهاكات، لكنه يرفض أن تؤدي هذه الأهداف إلى إضعاف مؤسسات الدولة أو طمس الفارق القانوني والسياسي بين الدولة ومن يحمل السلاح خارج سلطتها.

فالمسألة في جوهرها تتجاوز السودان إلى سؤال أوسع عن وظيفة العقوبات الدولية نفسها: هل تستخدم لتعديل سلوك الأطراف وحماية السلم، أم يمكن أن تنتهي، حين يغيب التمييز والدقة في تصميمها، إلى إضعاف المؤسسة التي يفترض أن يقوم عليها استقرار الدولة بعد انتهاء الحرب؟

جلسة الرابع والعشرين من أغسطس، بهذا المعنى، تجاوزت مسألة تجديد نظام عقوبات قائم منذ سنوات. لقد كشفت عن معركة سياسية أوسع حول تعريف الأزمة السودانية نفسها: هل يجري التعامل معها باعتبارها حرباً بين طرفين متساويين ينبغي تقييدهما بالدرجة ذاتها، أم باعتبارها أزمة دولة تواجه تحدياً مسلحاً لسلطتها واحتكارها المشروع لاستخدام القوة، في ظل تدخلات وشبكات إمداد وتمويل إقليمية معقدة؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد كثيراً مما سيأتي بعده، لأن تعريف الأزمة هو الذي يصنع في نهاية المطاف طبيعة الأدوات المستخدمة لمعالجتها.

السودان يحتاج إلى السلام، والمدنيون يحتاجون إلى الحماية، وتدفقات السلاح التي تطيل أمد الحرب ينبغي وقفها، لكن الطريق إلى ذلك يجب أن يعزز قدرة الدولة على استعادة الأمن والاستقرار، ويحاصر مصادر الفوضى، ويغلق مسارات الإمداد غير المشروع، ويحمّل من يغذي الحرب مسؤولية أفعاله.

فالعقوبات التي تستهدف وقف الحرب ينبغي أن تضيق مساحة السلاح الخارج على الدولة، لا أن تضيق قدرة الدولة على حماية سيادتها؛ والسلام المستدام يبدأ باستعادة سلطة الدولة، لا بإعادة تعريفها باعتبارها طرفاً مساوياً لمن ينازعها وجودها.

اترك رد

error: Content is protected !!