
digital.start23@gmail.com
معروف أن عملية تحديث بيانات عملاء المصارف إجراء رقابي مطلوب، يحمى العميل قبل البنك ، إلا أن ما حدث خلال الاسابيع الماضية حولت العملية، إلى قضية أثارت القلق.
ومع تمديد المهلة وظهور حلول رقمية، لاح في الافق فرصة لتحويل هذه التجربة إلى خطوة حقيقية نحو التحول الرقمي.
وأعلن بنك السودان المركزي تمديد فترة تحديث بيانات العملاء حتى نهاية عام 2026، موضحا أن التحديث متطلب رقابي وتنظيمي، وأشار إلى استخدام الهوية الرقمية SudaPass ضمن وسائل تحديث البيانات.
وفي الوقت نفسه، أوضحت وزارة التحول الرقمي والاتصالات أن SudaPass تستخدم للتحقق من الهوية، وان التطبيق جاهز للربط، بينما أعلن بنك الخرطوم عن حل إلكتروني جديد لتحديث بيانات عملائه سيعلن عن تفاصيله قريبا.
في تقديري، الاتجاه العام سليم ويستحق التشجيع، فالتقنية يمكن أن تخفف الضغط عن الفروع، وتيسر التحديث، وتحسن جودة البيانات، وترفع مستوى الأمان، وتمهد لخدمات مصرفية رقمية أوسع، غير أن نجاح التجربة يحتاج إلى تنسيق بين الجهات المعنية، حتى لا يرى المواطن حلولا منفصلة، وإنما خدمة واحدة متكاملة.
وتقدم التجارب الإقليمية درسا مهما في هذا الجانب، ففي السعودية بدأت مؤسسة النقد العربي السعودي في ٢٠١٩م تجربة فتح الحسابات عن بعد وتحديث بيانات “اعرف عميلك” بمشاركة ١٢ بنك، وشهدت التجربة أكثر من ٦٦٦ ألف عملية ناجحة قبل إتاحة الخدمة رسميا. وفي مصر اعتمد البنك المركزي في ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦ القواعد المنظمة لمنظومة الهوية المالية الرقمية، وتشمل التحقق الإلكتروني من العملاء، وتحديث البيانات، والمصادقة الإلكترونية، إلى جانب الحوكمة وحماية البيانات والأمن السيبراني.
المغزى هنا أن التقنية لا تبدأ بالتطبيق، وإنما تبدأ بالبنية التي تقف خلف التطبيق: التشريعات، والحوكمة، وتحديد المسؤوليات، والربط بين الأنظمة، والاختبارات، والأمن السيبراني. ومن المفيد أن يستفيد السودان من هذه التجارب، مع مراعاة ظروفه الخاصة، والتدرج في التنفيذ دون استعجال.
فالسودان خارج من حرب أرهقت المؤسسات والبنية التحتية والأنظمة والكوادر، ومن الطبيعي أن تواجه عملية التحول تحديات تتعلق بجودة البيانات القديمة، وتفاوت جاهزية المصارف، وضعف الاتصال في بعض المناطق، ومخاطر الاحتيال والهجمات السيبرانية، وحاجة المواطنين إلى التدريب والثقة في الأدوات الرقمية.
وتبرز هنا أهمية شركات الاتصالات، فهي الوعاء الذي تتحرك عبره البيانات والشريان الذي تعتمد عليه معظم الخدمات الرقمية. لا يمكن بناء هوية رقمية أو مصرف رقمي مستقر دون شبكات اتصالات موثوقة وتغطية واسعة واستمرارية في الخدمة، ولذلك ينبغي أن تكون شركات الاتصالات شريكا أساسيا في هذا التحول.
كما أن الترويج الزائد للحلول التقنية قبل اكتمال التجربة قد يضر بها، فالمواطن يحتاج إلى خدمة ناجحة أكثر من حاجته إلى حملات واسعة. المطلوب أن يعرف ببساطة: ما التطبيق؟ كيف يتم الربط مع SudaPass؟ ما هي خطوات التحديث؟ وكيف تحمى بياناته؟
إن تمديد المهلة حتى نهاية العام يوفر فرصة مناسبة لتجربة الربط بين SudaPass والمصارف بصورة مرحلية، واختبار الحلول، ومعالجة الثغرات، ثم التوسع بناء على النتائج.
وإذا أحسن تنفيذ هذه الخطوات خلال العامين القادمين، يمكن أن نشهد انخفاضا كبيرا في الاعتماد على الحضور الشخصي والوثائق الورقية، وتحسنا في جودة البيانات المصرفية، وتوسعا في الخدمات عن بعد، وارتفاعا في مستوى التحقق والأمان، وبداية بناء منظومة مصرفية رقمية متكاملة تساعد في قاعدة عملاء المصارف والشمول المالي.
وقد تتحول عملية تحديث البيانات، التي بدأت كإجراء رقابي وأثارت كثيرا من القلق، إلى إحدى أهم خطوات بناء الثقة الرقمية في السودان.
فالتحول الرقمي لا يحتاج إلى العجلة، وإنما يحتاج إلى رؤية واضحة، وتنسيق محكم، وتجربة ناجحة تبني ثقة المواطن خطوة بعد خطوة.



