الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

إسرائيل الكبرى بحرياً : وكيل أثيوبي وموانئ مستعارة

السفير د. محمد يوسف حسن

٢٤ مايو ٢٠٢٦م

لم تكن حاجة إثيوبيا إلى منفذ بحري يوماً مسألة اقتصادية فقط. هياليوم رأس حربة في هندسة أمريكية إسرائيلية جديدة للقرن الأفريقي،جوهرها: بناء “إسرائيل الكبرى بحرياً” عبر وكيل محلي يملك الأرضوالبشر، ولا يملك البحر إلا بالوكالة.

الجين: كسر احتكار العرب للبحر الأحمر  

منذ كامب ديفيد وإسرائيل تبحث عن شرعية في البحر الأحمر تتجاوزإيلات المحاصرة جغرافياً. واشنطن تريد تأمين 12% من التجارةالعالمية التي تمر بباب المندب، لكن دون أن تدفع ثمن الوجود المباشر. الحل الهندسي: تمكين دولة حبيسة كبرى مثل إثيوبيا، ومنحها حلمالبحر. فتتحول أديس أبابا من عبء على الاستقرار إلى مخلب وظيفي. مذكرة التفاهم مع صوماليلاند لاستئجار ميناء بربرة لمدة 50 عاماًمقابل اعتراف مشروط، ليست صفقة موانئ. هي عقد إيجار لشرعنةإسرائيل على الساحل المقابل لليمن والسعودية.

*الهندسة: من بربرة إلى إيلات.. قوس واحد*  

1. *القاعدة أولاً*: بربرة لن تكون ميناءً تجارياً إثيوبياً خالصاً. التركيبة الأمنية ستفرض وجوداً استخباراتياً إسرائيلياً وتقنياً أمريكياًتحت لافتة “حماية الملاحة”. هذا هو الامتداد الجنوبي لإيلات.

2. *الشرعية ثانياً*: إثيوبيا المسيحية، حليفة الغرب التاريخية، ستقدمالوجه المقبول للوجود الإسرائيلي في خاصرة العرب. ما تعجز عنه تلأبيب مباشرة، تنجزه أديس بالوكالة. هذه هي “شرعنة إسرائيلالكبرى” عبر دماء وخرائط غيرها.

3. *الخنق ثالثاً*: الهدف ليس خدمة 120 مليون إثيوبي. الهدفتطويق من يرفض التطبيع. قاعدة في بربرة تعني عيناً على حركةالحوثيين، وخنجراً في ظهر الممر المصري السعودي، وورقة ضغط علىالسودان.

النتيجة: الضرر الممنهج على الإقليم

١. السودان: إعدام بورتسودان  

ميناء بورتسودان هو الرئة البحرية الوحيدة للسودان وقلب سيادته. تمكين بربرة كمنفذ إثيوبي مدعوم إسرائيلياً يعني إنشاء طريق تجاريبديل يخنق بورتسودان ويحوله إلى هامش. الأخطر: الضغطسيتصاعد لتسليم الميناء لشركات “صديقة” تابعة لمحور أبوظبي-تلأبيب بحجة المنافسة. السودان أمام خيارين: إما فقدان السيادة علىساحله، أو قبوله قاعدة أجنبية لحمايته. وفي الحالتين، لا يملك منيملك ميناءه، لا يملك قراره. وهذا تكريس لصراع “السيادي ضدالوكيل” على الأرض السودانية.

2. مصر: حصار مائي بري بحري  

تمكين إثيوبيا بحرياً يمنحها صلابة تفاوضية جديدة في ملف سدالنهضة. تتحول من دولة منبع تطلب التنمية إلى قوة إقليمية مدعومةبمحور واشنطن-تل أبيب. الرسالة للقاهرة: قدموا تنازلات في النيل،نضمن لكم المرور الآمن في باب المندب. أي أن مصر تُنقل من دور”حارس البوابة الجنوبية” إلى “مستخدم للطريق” يدفع رسوم الحماية. قناة السويس تفقد جزءاً من قيمتها الاستراتيجية إذا كان أمن المدخلالجنوبي بيد تحالف إثيوبي إسرائيلي.

3. الخليج العربي: بحر أحمر بلا سيادة عربية  

السعودية تريد البحر الأحمر “بحيرة سلام” تؤمن نيوم ورؤية 2030. قاعدة في بربرة تعني منظومة رصد إسرائيلية على الساحل الغربيللمملكة. الإمارات قد تربح تكتيكياً كونها مهندس صفقة بربرة، لكنهاتخسر استراتيجياً: أمن موانئها ومضيق هرمز يصبح مرهوناًباستقرار مضيق آخر تتحكم به إسرائيل وأديس. أما بقية الدولالمشاطئة، من اليمن إلى جيبوتي، فتتحول إلى دول حزام أمنيللمشروع الجديد، لا دول ذات سيادة.

الخلاصة:  

ما يجري ليس تمكيناً لإثيوبيا، بل تأجير لوظيفتها الجيوسياسية. إسرائيل الكبرى لم تعد حلماً برياً من النيل إلى الفرات. هي اليوممشروع بحري من إيلات إلى بربرة، والوكيل الإثيوبي هو جسر العبور. الثمن ستدفعه عواصم العرب المشاطئة: سيادة منقوصة، وموانئمرهونة، وممر مائي دولي لم يعد عربياً إلا على الخرائط القديمة.

اترك رد

error: Content is protected !!