
(1)
ما حدث في العاصمة الالمانية برلين يوم 15 ابريل الجاري أبعد من مجرد حدث عابر ، بل هو محاولة تشكيل تصورات أكبر ، ليس في السودان فحسب ، بل في الاقليم ، أو يمكن القول هو إعادة الدوات السيطرة الاستعمارية من خلال تجاوز مفهوم الدولة الوطنية و السيادة ، وهذا ما يفسر المضي قدماً في طرح حلول ومقترحات مع حرص على إبعاد الحكومة السودانية ؟..
وهذا أمر لم يستوعبه بعض قصار نظر السياسة السودانية ، والظواهر الناشئة عن هشاشة الكيانات الحزبية والقوى الوطنية ، وقد سارعوا للمشاركة و(البصم) على اوراق وتوصيات فضفاضة دون وعي بمجمل المشهد وتفاصيله ، واكبر دلالته تغييب الدولة والسيادة الوطنية..
(2)
وما هو أكثر بؤساً من هذه الحقيقة ، يتمثل في ثلاث إشارات :
أولاً: ادعاءات شخصيات (شحيحة) الأثر وتسويقها على أساس أنها تمثل الشعب السوداني ، وهذا ما فات على بعض المشاركين من السياسيين ، فقد ظل سؤال المشروعية قائماً في كل منبر وساحة ، وقد اسهمت الجاليات السودانية من خلال تظاهراتها واعتصامها أمام الخارجية الالمانية في اسقاط هذا الادعاء ، بينما أهال الرأي العام عليها التراب ، ودخل المشاركين في دائرة التبرير والبحث عن مخرج من مستودع الخزف..
أما ثاني الإشارات فهو محاولة تسويق مليشيا آل دقلو الارهابية كطرف في الحلول وبالتالي طرف في الحياة السياسية السودانية ، ومع إنها رغبة من دولة الامارات العربية المتحدة ، فانها كذلك مرتكز أساسي في تحركات وخطط قوى سياسية سودانية على راسها (صمود) ، فهى باحثة عن ضامنة لحمايتها سلطوياً ، وكان هذا توجه فولكر بيترس ، بل هو منطلق د.عبدالله حمدوك منذ يناير 2020م وطلب الحماية الدولية ، وهو كذلك سعي محموم من اطراف محلية واقليمية مناهض للمؤسسة العسكرية ، والحرب الجارية الآن جزء من هذا التحرك..
فمنذ فترة طويلة ظلت القوى اليسارية ساعية إلى تفكيك الجيش السوداني ، بإعتباره عقبة أمام طموحاتها في تفتيت البلاد واعادة تشكيلها ، وكما قال أحد قيادة صمود في وقت سابق أن (الدعم السريع يمثل نواة الجيش الجديد مع تحالف الحلو وحركات الكفاح المسلح) ، ومع بشاعة افعال مليشيا آل دقلو الارهابية ، فإن عقلية (القطيع) السياسية تركز جهودها على الجيش السوداني في المنابر والمحافل الدولية ومناهضته والاساءة إليه ، دون الإشارة إلى جرائم مليشيا آل دقلو الارهابية ومرتزقتها وداعميها وهى انتهاكات غير مسبوقة في تاريخ الانسانية..
أما الإشارة الثالثة فهى ابدال الحياة السياسية الحزبية بمكونات وجمعيات (هلامية) ، ومن خلال هذه الكيانات والمسميات الوهمية يتم تقديم الكثير من التقارير والرسائل تحت ذريعة المكونات المدنية..
وخلاصة الأمر ، فإن الحدث عبارة عن عملية (نهب) للقرار السيادي وللارادة الوطنية وفي وضح النهار ، وما زال البعض يبتسم ، وقد وقع في حفرة..
(3)
ما لم يتفطن له بعض المتآمرين هو الوعى المجتمعي وفاعليته ، فمنذ 15 ابريل 2023م تعاظم الإدراك الوطنى لما يحيط بالبلاد من مخططات واجندة معلومة ، وشكل ذلك أكبر نقطة اسناد وطني جامع ، وهو ما اتضح خلال ردة الفعل الوطنية ضد هذا المؤتمر ونتائجه ، ويمكن القول أن الراي العام تقدم على الحكومة وعلى القوى السياسية في تعامله مع الحدث ، بأبعاده الكلية الخطيرة..
وللأسف ، فإن القوى السياسية الوطنية والمجتمعية بحاجة لإطار جامع حول القضايا الكبيرة ، للتعبير ومناهضة محاولات اختطاف الوطن وتاريخه وارثه ، وهذا ما يحدث أمام نظرنا وواقع نشاهد تفاصيله وحقائقه دون ردة فعل مناسبة ، و هو أمر يستعصي على الفهم والاستيعاب..
هذه مرحلة دقيقة تتطلب حساسية عالية في مواجهة تطورات الأحداث ومجرياتها وقراءة لما وراء السطور..
حفظ الله البلاد والعباد
18 ابريل 2026م


