الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

آفاق التسوية الأميركية – الإيرانية : بين التطورات وإكراهات السياسة!؟

السفير د. معاوية التوم


تشهد منطقة الخليج والشرق الأوسط لحظة توتر عالية، تتقاطع فيها التحركات العسكرية مع الحسابات السياسية، في مشهد يعكس صراعًا مركبًا بين منطق القوة وإكراهات التسوية. فالتصعيد الأميركي في محيط الموانئ الإيرانية، والتحشيد البحري والجوي، لا يمكن قراءته بمعزل عن محاولة إعادة ضبط ميزان التفاوض، أكثر من كونه تمهيدًا لحرب شاملة.

الضغط البحري وإعادة تشكيل ميزان التفاوض
تتبنى واشنطن سياسة “الضغط المحسوب”، حيث تسعى إلى تضييق الخناق الاقتصادي والبحري على طهران، لدفعها نحو تنازلات تتعلق ببرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي. غير أن هذه الاستراتيجية تصطدم بحدود واضحة، إذ تدرك الإدارة الأميركية أن أي انزلاق غير محسوب في مضيق هرمز قد يؤدي إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما لا تحتمله البيئة الدولية الراهنة. وقد سارعت إيران الي اعلان فتح المضيق، لكن الحصار البحري عليها ربما رتب توتراً بطاولة المفاوضات التي تسعى باكستان لاستعادتها.

مضيق هرمز: ورقة الردع وحدود استخدامها
في المقابل، تتحرك إيران ضمن استراتيجية “الصبر الاستراتيجي المشروط”، فهي تلوّح بأوراق الضغط، وعلى رأسها موقعها الجغرافي في المضيق، دون أن تقدم على خطوات قصوى كإغلاقه فعليًا. فطهران تدرك أن تحويل التهديد إلى فعل قد يشرعن تدخلًا دوليًا واسعًا، ويقوض ما تبقى لها من هامش مناورة سياسي. في سياق المساعي التي تقودها فرنسا مع مجموعة مقدرة من الدول.

المشهد بعيون إيرانية
من زاوية النظر الإيرانية، لا يُفهم التصعيد الأميركي الراهن باعتباره مجرد ضغط تفاوضي، بل كجزء من استراتيجية مركّبة تهدف إلى إعادة هندسة التوازنات الإقليمية على نحو يُقوّض موقع إيران ويُدرجها قسرًا ضمن منظومة أمنية تقودها واشنطن. فطهران ترى في التحشيد البحري، ومحاولات تطويق صادراتها النفطية، وتكثيف الحضور العسكري في محيطها الحيوي، ملامح “حرب ناعمة خشنة” تستهدف إنهاكها اقتصاديًا وتقليص هامش سيادتها دون كلفة الحرب الشاملة.
وفي هذا السياق، تكتسب الضغوط الأميركية على إسرائيل للقبول بإعلان وقف إطلاق النار في لبنان دلالة تتجاوز بعدها التكتيكي، لتُقرأ إيرانيًا كجزء من مقايضة غير معلنة ضمن هندسة أوسع للتصعيد والتهدئة. إذ يُنظر إلى هذا الضغط باعتباره محاولة أميركية لضبط إيقاع الجبهة اللبنانية ومنع انفلاتها في لحظة حساسة تتقاطع فيها رهانات المضيق مع مسارات التفاوض، وكأن واشنطن تسعى إلى “تجميد” أحد مسارح الاشتباك مقابل احتواء أوراق القوة الإيرانية في مضيق هرمز.
من هذا المنظور، لا تفصل طهران بين مساري لبنان والمضيق، بل ترى فيهما مسارين متداخلين ضمن معادلة ضغط متبادل: تهدئة نسبية في الشمال الإسرائيلي تُقابلها توقعات بضبط السلوك الإيراني في الممرات البحرية. غير أن هذا الربط، في الحسابات الإيرانية، لا يُنتج بالضرورة تنازلات، بل يعزز منطق “إدارة الحافة”؛ أي استخدام أوراق الضغط دون استهلاكها، والإبقاء على التهديد قائمًا دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وعليه، تتبنى إيران مقاربة دقيقة قوامها تثبيت معادلة الردع متعددة المستويات: التلويح بأهمية مضيق هرمز كورقة جيوسياسية حاسمة، الحفاظ على حضورها غير المباشر في ساحات الإقليم، واستيعاب الضغوط عبر تكتيكات مرنة تُبقي باب التفاوض مواربًا دون المساس بجوهر بنيتها الاستراتيجية. وفي ظل هذه المعادلة، يصبح أي خفض للتصعيد، سواء في لبنان أو في غيره، جزءًا من لعبة توازنات دقيقة، لا تعكس بالضرورة تحوّلًا في المواقف بقدر ما تعبّر عن إعادة تموضع مرحلية ضمن صراع طويل على شكل النظام الإقليمي القادم.

الوساطة الباكستانية: إدارة الأزمة لا حلّها.
ازاء هذا الوضع، تمثل الوساطة الباكستانية قناة خلفية لاحتواء التصعيد، لكنها، مع اقتراب جولة تفاوضية جديدة، بدأت تتجاوز دورها التقليدي في منع الانفجار نحو تهيئة بيئة الحوار. ومع ذلك، يظل أثرها محدودًا أمام فجوة عميقة في ملفات حاسمة مثل تخصيب اليورانيوم، والعقوبات، والدور الإقليمي لإيران، ما يجعل أي جولة مرتقبة أقرب لاختبار النوايا وبناء الثقة، لا لحسم الخلافات، ومستقبل التسوية التي يتوقع ان تستغرق ٦ أشهر.”

الكونغرس الامريكي وإكراهات القرار في واشنطن
داخليًا، لا تبدو واشنطن موحدة تمامًا في مقاربتها، إذ تشهد أروقة الكونغرس تباينات بين الحزبين حول حدود تفويض الرئيس في إدارة هذا الملف، ما يفرض قيودًا إضافية على هامش الحركة الأميركية، ويجعل أي قرار بالتصعيد أو التهدئة خاضعًا لحسابات سياسية داخلية دقيقة.

بين حافة التصعيد وفرص الصفقة
بناءً على ذلك، يمكن القول إن آفاق التسوية تظل قائمة، لكنها مشروطة بجملة من العوامل المتداخلة: قدرة الطرفين على إدارة التصعيد دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، ونجاح الوسطاء في الحفاظ على قنوات الاتصال، واحتواء المسارات الموازية للتصعيد، خاصة في لبنان والخليج. وما تشكله الجهود الاوربية والخليجية.

خاتمة: الأسواق كميزان خفي للتصعيد
في ضوء سيل التصريحات الأخيرة للرئيس دونالد ترامب، وتزايد حساسية الأسواق، تبدو معادلة القرار في واشنطن أكثر تعقيدًا وتقييدًا. فالإدارة الأميركية، رغم تصعيدها الخطابي والعسكري، تتحرك ضمن هامش تضبطه ارتدادات أسواق الأسهم والطاقة، حيث لم يعد ممكناً فصل حسابات الردع عن كلفة الداخل الاقتصادي.

هذا التداخل العميق بين الجيوسياسي والاقتصادي يعيد رسم سقف التصعيد، ويدفع نحو نمط من “الإدارة الحذرة للأزمة” بدل الانفجار المفتوح. فواشنطن تدرك أن أي اضطراب كبير في الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، سينعكس مباشرة على الأسعار والتضخم وثقة السوق، وهي عوامل حاسمة في لحظة سياسية حساسة تتكثف فيها الضغوط الداخلية.
وعليه، لم تعد مسارات التسوية تُصاغ فقط في قاعات التفاوض أو عبر استعراض القوة، بل باتت تُكتب أيضًا على إيقاع الشاشات المالية وتقلبات الطاقة. وبين اندفاع التصريحات وحدود القدرة على الفعل، تتشكل ملامح المرحلة القادمة: إما تصعيد محسوب بسقف اقتصادي صارم، أو مسار تفاوضي بطيء تفرضه ضرورات السوق قبل اعتبارات السياسة.والمحصلة الكلية ترجح تمديد وقف إطلاق النار، وعودة التفاوض لفرض التسوية المرتقبة، باعتبارات الاسواق لا المصالح !؟
.——————-
١٨ أبريل ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!