
قبل أربعة أعوام دَقَّت طبول الفرح وعزفت القِيَان شهراً كاملاً على شاطئ الخليج العربى إبتهاجاً بالعُرس الكروى العالمى ، فقد أخَذَتْ دوحةَ العَرَب حِينها زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وأعدَّتْ له مفتخر الملاعب ونصبت سرادقات الفرح باذِلَةً وسعها لعكس الثقافة العربية وقِيَمنا الإسلامية بكل مايحملانه من ثراءٍ إنسانى وثقافى ومعرفى لجميع شعوب العالم الذين تداعوا من جميع أقطار الأرض ليشهدوا هذا الإبداع والإبهار المُنْسَال الذى لم تشهد المنافسة فى تأريخها الطويل مثله ، وأزعم أنها لن تشهد ذلك بعده ، وهى إذ كانت تفعل ذلك كانت تُرِى العالم مكارم أخلاقنا الإسلامية وريادتنا وسبقنا والحُسن المأمول مِنَّا وأنَّ فى دينِنا فُسحة.. ثُمّّ إنفضَّ سوق التنافس الذى رَبِحَ فيه الرابحون وخَسِرَ فيه الخاسِرون ومضى كُلٍّ إلى غايته مرتحلاً إلى موطنه حاملاً معه أجمل الزكريات التى لا تُنسى ومودعاً دوحة العرب وخيمة الكرم ولسان حاله يقول حاولت أنساك قلبى زاد فى جروحه ورينى كيف الحى يودع روحه ..!!.. ثم جاءت النُسخة الأخيرة باردة وباهتة تشبه إنتهازية الولايات المتحدة التى يُطربها رنين الذهب ولا يهمها سوى جمع البيض والحِميض معاً فرأينا كيف تحول التشجيع إلى كراهية أظهرتها لقطات الكاميرا التي لم تستهدف اللاعبين أو الجمهور على أساس اللون أو الأصل أو الهوية فحسب بل وحتى قضية الأمة الإسلامية والعربية المصيرية كانت حاضرة بالإساءة إليها من بعض المشجعين علانيةً فرأينا علم الكيان الصهيونى يرفرف فى المدرجات لإغاظتنا وإستفزازنا كما حدث فى مبارة مصر الأخيرة والمثيرة .. فتحول هذا الحدث الرياضى العالمي إلى محفز لإنقسامات حادة بين الشعوب وتعميقها بدلاً أن يكون أيقونةً للوحدة الإنسانية كما رأينا فى النسخة الإستثنائية الفريدة التى نظمتها دولة قطر .. فما يحدث في هذه البطولة قد تجاوز حدود التنافس الكروي الشريف لتصبح الرياضة أداةً سياسية لتعميق الكراهية بين الشعوب ولتنحرف عن أهدافها السامية .. فكم هي جميلة كرة القدم حينما تكون أمماً متحدة أو إتحاداً أوروبياً أو إفريقياً أو أسيوياً ، وما أقبحها حينما تُغذي الكراهية والإنتقام بين الشعوب .. فالرياضة التى لا تبنى الإنسان ولا تَرقي بالأخلاق هي مجرد ضياع للوقت والجهد ولن تكون يوماً معياراً حقيقياً للإنسانية .. فلننتبه في عالمنا العربي حتى لا نقع في فخ المستديرة الساحرة وأفيونها وجنونها كى لا تستدرجنا للوقوع فى شِباك الكراهية والشماتة والإساءات المتبادلة في مواقع التواصل الإجتماعي ومنصات الإعلام الرسمي ..!! وفى الذاكرة مباراة مصر والجزائر التى أُقيمت في الخرطوم حيث إصطَّف الخِصمان للنزال والقتال لا للعب والتبارى .. وأضحى أستاد المريخ وكأنه سَهلٌ من سهول الشام وأن المعركة باتت وشيكة بين الناصر صلاح الدين والقائد الصليبي لوزينان وجنودهما ، أو بين السلطان المظفر قطز وبين القائد التتري كتُبغا وجنودهما وليس لخوض مباراة عادية للدرجة التى حشدت فيها رئاسة الشرطة خمسة عشر ألف شرطى من مختلف الإدارات للسيطرة على أية إنفلاتات أمنية محتمل بل وراجحة رغم أن الذى يجمعهما من أُخوَّة ودم ورَحِم وجِوار وعقيدة سليمة وقِبلَة واحدة أقوى وأمتن وأعمق من خلافات المستديرة العابرة .. فلا قيمة للأكواس ( جمع مخنث ناقص للكأس ) كما نطقها وقال بها أحد الأشاوذ وهو ينهب منزل نجم من نجوم الكرة أيام الحرب الأولى ..!! ولا قيمة للميداليات الذهبية إن كان الثمن خسارة أخلاقنا وإهانة بعضنا فى الأسافير.. فالشماتة والهياج لا يبنيان مستقبلاً لهذه الأمة .. نسأل الله أن تغرب شمس بلاد الغال في عينٍ حمئة فقد ظَنَّت دَيَكتها أن شمس أفريقيا لاتُشرقُ إلاَّ بصياحها ..!! ونسأله تعالى أن يوفق أبطال المغرب مساء اليوم لينتفوا ريشها ويتخذونه زينةً ..!!
حفظ الله أمتنا الإسلامية والعربية من كل سوء .



