الرواية الأولى

نروي لتعرف

فيما أرى / عادل الباز

200 كيلو ذهب… قرار لكسر ظهر السوق الموازي

عادل الباز


1
سياق القرار: صدمة في سوق المشتقات
أحدث القرار الذي أصدره بنك السودان أمس، والقاضي بإلزام الشركات المستوردة للمشتقات البترولية بإيداع 200 كيلوجرام لدى مصفاة الذهب والحصول على شهادة بذلك تُبرز لوزارة الطاقة والنفط لاستخراج “إذن الاستيراد”، صدمة حقيقية في سوق المشتقات البترولية. ولتسليط الضوء على هذا الإجراء، لا بد من قراءته في سياقه؛ أهدافه، دوافعه، ثم آثاره المتوقعة؛ إذ لا يعدو كونه محاولة جادة لإعادة ترتيب قواعد اللعبة في سوق مختل منذ سنوات.
2
أهداف القرار: من اقتصاد الفوضى إلى اقتصاد الشروط
يستهدف القرار معالجة خللٍ هيكلي عميق في الطلب على النقد الأجنبي، عبر مسارين واضحين:
● أولاً: خنق الطلب على الدولار في السوق الموازي.
● ثانياً: فرز السوق، والإبقاء فقط على الشركات ذات الملاءة المالية الحقيقية.
بمعنى آخر، نحن أمام محاولة للانتقال بالبلاد من “اقتصاد الفوضى” إلى “اقتصاد الشروط”.
3

خلفية القرار: هل كانت هجمة منظمة؟
صدر القرار على خلفية القفزة التي حدثت في سعر الدولار في السوق الموازي، وبحسب تقديرات بنك السودان، فإن ما حدث لم يكن مجرد ارتفاع طبيعي، بل “هجمة منظمة”؛ نتيجة تدافع مستوردي المشتقات البترولية لشراء الدولار من السوق الموازي. وقد حدثت هذه الهجمة بسبب منح وزارة النفط والطاقة أذونات لعدد من الشركات التي لا تملك الملاءة المالية ولا خطوط التمويل التي تمكنها من جلب عملات حرة دون اللجوء للسوق الموازي. فسارعت هذه الشركات إلى استيراد مواد بترولية تُقدَّر بنحو 11 باخرة، تصطف الآن للتفريغ في مخازن الوقود، علماً بأن البلاد تحتاج إلى خمس بواخر شهرياً كحد أقصى.
4

النتائج المنتظرة: غربلة السوق
● أولاً: سيحدد هذا القرار القدرات المالية الحقيقية للشركات العاملة في المجال، إذ لا مجال بعد اليوم لاستصدار أذونات لـ39 شركة قُسمت إلى سبع مجموعات. وهنا يبرز السؤال: هل هذه شركات حقيقية أم مجرد واجهات للمافيا وتجار العملة والذهب؟
● ثانياً: سيكشف القرار المتسبب الرئيسي في ارتفاع سعر الدولار، خاصة مع قرارات مصاحبة تقضي بمنع الشركات المستوردة من شراء الدولار من السوق الموازي، مع السماح لها في المقابل بتصدير الذهب واستخدام حصائل صادراتها فقط في استيراد المشتقات.
5

كشف المستور: الاستهلاك الحقيقي

ثمة أمر محيّر؛ إذ كانت البلاد، قبل التغيير، تستهلك في أقصى تقدير خمس بواخر شهرياً من المشتقات، وكان ثلث هذا البترول المدعوم يُهرّب إلى دول الجوار. أما الآن، وبعد الحرب، فإننا نستورد الكمية نفسها تقريباً رغم أن نصف السكان قد غادروا (خاصة في الخرطوم)، وتوقفت المصانع، وخرجت أجزاء واسعة من دارفور وكردفان من دائرة الاستهلاك. وبحسب موجز الإحصاء ربع السنوي، بلغت واردات الدولة خلال ثلاثة أشهر نحو 1.983 مليار دولار، استحوذت المشتقات البترولية وحدها على 501 مليون دولار منها، وهو رقم لا يفسره اقتصاد ولا تبرره حرب، خاصة أن معظم الجبهات كانت شبه متوقفة خلال تلك الفترة. والتفسير الوحيد الممكن هو أن جزءاً من هذا الوقود يتسرب للمليشيات، مما يستدعي تحقيقاً شفافاً في مسارات التوريد لضمان وصول هذه الموارد لمستحقيها.
6
أثر القرار على النقد والاحتياطيات
يعني القرار عملياً تحويل الطلب من الدولار النقدي إلى الذهب، مما يخفف الضغط المباشر على سعر الصرف. ومن المتوقع أن يضيف بنك السودان إلى احتياطياته نحو طن و200 كيلوجرام من الذهب، تعادل قيمتها نحو 174 مليون دولار بسعر اليوم. وبالمناسبة، لا يوجد أكثر من ست شركات مؤهلة فعلياً للاستيراد وفق الشروط الجديدة، إذ يتطلب توفير 200 كيلوجرام نحو 29 مليون دولار، أي ما يعادل قيمة باخرة واحدة، إضافة إلى قيمة باخرة أخرى تُدفع للشركات العالمية الموردة؛ بمعنى أن الشركات التي ترغب في الاستيراد يجب أن لا تقل قدرتها المالية عن 60 مليون دولار.
7
ملاحظات ومحاذير
● أولاً: قد تحاول بعض الشركات الالتفاف على القرار عبر التجمع في مجموعات لتوفير المبلغ المطلوب، مما يعيدنا بشكل آخر لظاهرة “المجموعات المؤهلة”.
● ثانياً: لا بد من تحديد هامش ربح للشركات المستوردة، حتى لا تحقق أرباحاً طائلة على حساب المواطن، وذلك عبر ربط الأسعار بالسوق العالمي.
● ثالثاً: يجب أن تحدد وزارة الطاقة أسعار المشتقات مسبقاً وتلزم بها الشركات، حتى لا تتحول الشركات إلى جهة تحديد أسعار على حساب المستهلك.
● رابعاً: من الضروري تقليل الرسوم الحكومية المفروضة على المشتقات (31%) لتخفيف العبء على المواطنين ودعم الإنتاج.
● خامساً: ينبغي التحول من السياسات الإسعافية إلى اتفاقات استراتيجية مع شركات كبرى بشروط ميسرة، ولا يزال خيار الاتفاق مع شركة أرامكو مطروحاً كأحد أفضل الحلول.
● سادساً: خطر الاحتكار المقنّع. يبرز تخوف مشروع من أن يؤدي حصر الاستيراد في شركات قليلة إلى خلق “احتكار قلة” (Oligopoly)، حيث تتحكم هذه الشركات في الأسعار وتنسق فيما بينها. لذا، يجب أن يترافق هذا القرار مع رقابة صارمة على هوامش الربح وشفافية مطلقة لضمان عدم انتقال السلطة من “الفوضى” إلى “التغول”.
8
يمثل هذا القرار محاولة لإعادة هندسة إدارة ملف المشتقات البترولية؛ فبدلاً من استنزاف موارد الدولة عبر السوق الموازي، أصبحت الشركات مطالبة بتمويل عملياتها عبر الذهب ويظل نجاح القرار مرهوناً بمدى صرامة الدولة في التنفيذ.
وفي النهاية، قد يكسر الذهب ظهر السوق الموازي مؤقتاً، ولكن السياسات الإسعافية -مهما بلغت قوتها- لا تُغني عن ضرورة تبني رؤية اقتصادية شاملة تعالج جذور الأزمة، وترتكز على الإنتاج الحقيقي بدلاً من الاعتماد المستمر على إدارة الندرة.

اترك رد

error: Content is protected !!