
كلما وسّعت واشنطن دائرة الضغط على الخرطوم، بدا أن قدرتها على التأثير في القرار السوداني تضيق. مفارقة تكشف أن أزمة الدبلوماسية الأمريكية في السودان قد تكون في الحسابات التي توجه أدواتها، قبل أن تكون في الأدوات نفسها. فالتطورات الأخيرة، من تعثر مساعي توسيع حظر السلاح إلى الجدل حول تأشيرة البرهان والتباينات بشأن المجموعة الرباعية، تثير سؤالاً يتجاوز نتائج هذه التحركات: هل أخفقت واشنطن في إدارة نفوذها، أم أنها ما زالت تقرأ الحرب السودانية بمنظور لم يعد يستوعب تحولاتها؟
تكتسب هذه المفارقة دلالة خاصة في ضوء الانتقادات الحادة التي وجهها الباحث والمحلل الأمريكي المتخصص في الشؤون الأفريقية كاميرون هدسون إلى أداء الدبلوماسية الأمريكية، واصفاً ما شهدته الأسابيع الأخيرة بسلسلة من الهزائم الدبلوماسية المهينة. فقد رأى أن محاولات الضغط على القيادة السودانية لقبول وقف إطلاق النار كشفت عن سوء التخطيط وضعف التنفيذ، والمبالغة في تقدير القدرة على حشد التأييد الدولي والإقليمي. وتكمن أهمية هذه القراءة في أنها تفتح باباً لمساءلة الافتراضات التي تقوم عليها السياسة الأمريكية، ومدى استيعابها للتحولات التي أفرزتها الحرب.
وقد تجلى ذلك، وفق قراءة هدسون، في محاولة توسيع حظر توريد السلاح من نطاقه القائم في دارفور ليشمل السودان بأكمله. فالتحرك الأمريكي اصطدم بمعارضة داخل مجلس الأمن حالت دون التوافق على التوسيع المقترح، لينتهي الأمر بتمديد العقوبات القائمة دون تغيير نطاق الحظر. وتكشف هذه النتيجة حدود القدرة على تحويل النفوذ السياسي إلى توافق دولي، خاصة عندما تثير الإجراءات المطروحة خلافاً حول آثارها على التوازن العسكري وفرص التسوية. فواشنطن ما زالت تمتلك أدوات تأثير واسعة، غير أن فاعلية هذه الأدوات تظل رهناً بسلامة التقدير السياسي، وبقدرة واشنطن على التكيف مع بيئة استراتيجية متغيرة.
ويعيد الجدل حول الحظر إلى الواجهة قضية استمرار تدفق السلاح إلى قوات الدعم السريع عبر شبكات الإمداد والتهريب والدعم الخارجي. ففاعلية أي حظر تتوقف على قدرته على الوصول إلى مصادر التسليح الفعلية، وملاحقة الجهات التي تمول الحرب وتغذي استمرارها. ومن هنا تبرز أهمية تجفيف منابع تمويل المليشيا وإمدادها، باعتباره عنصراً أساسياً في أي مقاربة جادة لوقف القتال، وضمان عدم تحول القيود الدولية إلى إجراءات تزيد اختلال التوازن دون معالجة مصادره.
أما الجدل بشأن تأشيرة دخول رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الولايات المتحدة، فقد اعتبره هدسون مثالاً آخر على سوء تقدير نتائج الضغط السياسي. وتشير تقارير صحفية إلى أن واشنطن امتنعت عن منحه التأشيرة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بينما رأى هدسون أن هذه الخطوة أثارت تحفظات لدى بعض شركاء واشنطن، خشية أن تُفهم باعتبارها إجراءً عقابياً يمس تمثيل الدولة السودانية. وفي ظروف الحرب، قد تؤدي مثل هذه الخطوات إلى تعزيز المواقف التي تستهدف تغييرها، عندما تتحول إلى قضية سيادة وكرامة وطنية في الوعي العام.
وراء هذه التعثرات تبدو مشكلة أكثر تعقيداً من أخطاء التنفيذ. فالسياسة الأمريكية محكومة بتداخل أهداف يصعب التوفيق بينها أحياناً؛ فهي تسعى إلى وقف إطلاق النار، والحفاظ على نفوذها في ترتيبات التسوية، ومراعاة مصالح شركائها الإقليميين رغم اختلاف مواقفهم من أطراف الحرب. وربما تكمن المشكلة الأعمق في الفجوة المتسعة بين التصور الأمريكي لشروط التسوية والواقع الذي تعيد الحرب تشكيله على الأرض. فالمقاربة التي تنطلق من افتراضات سابقة بشأن موازين القوة قد تجد نفسها تسعى إلى إنتاج نتائج سياسية فقدت بعض شروطها العسكرية والإقليمية.
وتظهر آثار هذه الفجوة بوضوح في العلاقة بين وقف القتال وشروط السلام. فواشنطن تركز على وقف إطلاق النار باعتباره مدخلاً ضرورياً لمعالجة الكارثة الإنسانية وفتح الطريق أمام التسوية السياسية، بينما ترى قطاعات واسعة من السودانيين أن أي وقف للقتال ينبغي أن يرتبط بضمانات تمنع تثبيت سيطرة المليشيا على الأرض أو إعادة إنتاج تعدد الجيوش ومراكز القوة. فالتسوية السياسية التي تسبق الاتفاق على أسس أمنية واضحة قد تنتهي إلى تجميد الحرب وترك أسبابها قائمة، وربما تمنح خطوط السيطرة المؤقتة فرصة للتحول إلى وقائع سياسية يصعب تجاوزها. وتظل حماية المدنيين ووقف المعاناة الإنسانية ضرورة عاجلة، ما يجعل التحدي الحقيقي في بناء مسار متكامل يجمع بين وقف القتال والترتيبات الأمنية واستعادة سلطة الدولة، دون ترك أي منها رهينة لتفاهمات مؤجلة.
وقد أدخلت التطورات العسكرية في كردفان متغيرات جديدة على الحسابات الدبلوماسية، بعدما أصبحت موازين القوة الميدانية عاملاً أكثر حضوراً في تقدير فرص التسوية وشروطها. وفي الوقت نفسه، برزت القاهرة والرياض وأنقرة والدوحة بوصفها عواصم ذات تأثير متفاوت في الملف السوداني، لكل منها مصالحها وعلاقاتها وتقديراتها الخاصة. وهكذا تتسع المسافة بين تصور تسوية تقودها واشنطن بأدوات الضغط التقليدية، وواقع إقليمي تتوزع فيه القدرة على التأثير بين عواصم متعددة.
ويزداد هذا التعقيد مع الخلافات المحيطة بالمجموعة الرباعية. فوجود الإمارات ضمن آلية تبحث مستقبل السلام السوداني يظل موضع اعتراض من الخرطوم، في ظل اتهاماتها لأبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها الإمارات. وتؤثر هذه الخلافات في الثقة بالوساطة، وتثير تساؤلات حول قدرتها على إنتاج ترتيبات تحظى بقبول الأطراف المعنية بتنفيذها. وقد أشار هدسون إلى تحفظات سعودية على النهج الأمريكي، محذراً من انعكاساتها المحتملة على تماسك الرباعية.
وفي هذا السياق، تبدو دعوة هدسون إلى أن تستمع واشنطن للرياض وأنقرة والدوحة، وأن تنفتح مباشرة على الخرطوم ومجتمعها وقواها المدنية والسياسية، تعبيراً عن الحاجة إلى مراجعة أعمق للمقاربة الأمريكية. وقد تقود هذه المراجعة إلى إعادة توزيع الأدوار داخل مسار الوساطة، بحيث تتقدم بعض العواصم الإقليمية لبناء تفاهمات جديدة، أو تعيد واشنطن ممارسة نفوذها من خلالها دون التخلي عن موقعها في إدارة الملف. وقد يجد السودان نفسه أمام مسارات تفاوضية متعددة تتيح له هامشاً أوسع للمناورة، لكنها تحمل أيضاً مخاطر تضارب المبادرات وإطالة أمد التفاوض، ما لم تتوافر رؤية مشتركة تعالج جذور الحرب وتحدد ضمانات السلام.
وفي المقابل، سيكون من الخطأ أن تعتبر الخرطوم التعثر الأمريكي مكسباً دبلوماسياً مكتمل الأركان. فالمواقف الدولية قابلة للتغير، وما يتعذر تمريره اليوم قد يعود غداً بأدوات وتحالفات مختلفة. وتحتاج الدولة السودانية إلى استثمار هذه اللحظة عبر استراتيجية تجمع بين إدارة التحولات الميدانية، وتوسيع تفاهماتها الإقليمية والدولية، وتقديم مشروع وطني واضح لإنهاء الحرب واستعادة المؤسسات وإطلاق عملية سياسية سودانية ذات مصداقية. فالمساحة التي يتيحها اختلاف حسابات الآخرين لا تتحول تلقائياً إلى نفوذ سوداني، ما لم تسندها رؤية وطنية قادرة على تحديد ما يريده السودان من السلام، والشروط التي تكفل استدامته.
قد تستطيع واشنطن مراجعة سياستها تجاه السودان واستعادة فاعلية أدواتها، لكن الفرص التي تتيحها التحولات الدولية لا تنتظر طويلاً. وما تملكه الخرطوم اليوم من مساحة للمناورة قد يتغير بتغير الميدان ومواقف القوى المؤثرة. فأخطاء الآخرين قد تفتح أبواب الفرص، لكن مكانة الدول تتحدد بقدرتها على اغتنامها وتحويلها إلى مكاسب سياسية واستراتيجية راسخة.



