الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

هندسة الانتقال السياسي في السودان(تشكيل معادلات ما بعد الحرب)

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

صدر في الثامن من يونيو 2026م بيان سياسي مشترك وقّعت عليه الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، إلى جانب الاتحاد الأفريقي والإيقاد وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، وذلك عقب اختتام مشاورات الآلية الخماسية مع الأطراف السياسية السودانية في أديس أبابا خلال الفترة من 3 إلى 5 يونيو. وقد حمل البيان قدراً لافتاً من التفصيل بشأن مستقبل العملية السياسية في السودان، وتضمن دعماً واضحاً لمسار مدني محدد الأطر الزمنية يقود إلى تشكيل حكومة مدنية مستقلة خلال مرحلة انتقالية جديدة.

ليس من المعتاد أن تصدر مجموعة واسعة تضم هذا العدد من الفاعلين الدوليين والإقليميين بياناً سياسياً مشتركاً بهذا القدر من الوضوح والتحديد حول مسار سياسي في دولة لا تزال تعيش حرباً مفتوحة، دون أن يكون ذلك مؤشراً على وجود تصور دولي وإقليمي متقدم للمرحلة التالية. ولذلك فإن أهمية البيان الصادر عقب اجتماعات أديس أبابا لا تكمن فقط فيما قاله، وإنما فيما كشف عنه من اتجاهات وتصورات وما سكت عنه أيضاً.

فالبيان في جوهره لا يبدو مجرد دعم للحوار السوداني بقدر ما يعكس محاولة لإعادة ترتيب أولويات الملف السوداني دولياً بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب. وإذا كانت المرحلة السابقة قد انشغلت أساساً بالملفات الإنسانية ووقف إطلاق النار وإدارة تداعيات النزاع، فإن البيان يوحي بأن بعض الأطراف الدولية بدأت تنظر إلى الانتقال السياسي باعتباره المدخل الرئيس لإدارة المرحلة المقبلة، حتى قبل الوصول إلى تسوية عسكرية نهائية للصراع.

ويكشف النص بوضوح عن وجود توافق دولي واسع على عدد من المبادئ الأساسية. أول هذه المبادئ هو رفض الرهان على الحسم العسكري بوصفه مخرجاً للأزمة. فالبيان يعيد التأكيد بصورة مباشرة على أن الأزمة السودانية لا يمكن أن تُحل عسكرياً، وهي العبارة التي ظلت تتكرر في الخطاب الدولي منذ اندلاع الحرب، لكنها هذه المرة جاءت مقرونة بخطوات عملية تتعلق بإطلاق مسار سياسي محدد الأطر الزمنية.

أما المبدأ الثاني فيتمثل في إعطاء أولوية واضحة للمسار المدني. فالوثيقة لا تتحدث عن حوار وطني شامل بالمعنى التقليدي الذي تشارك فيه جميع القوى والفاعلين على قدم المساواة، وإنما تركز بصورة متكررة على “المسار المدني” و”الحوار المدني” و”السلطة المدنية المستقلة”. وهذه ليست مجرد مصطلحات لغوية، وإنما تعكس رؤية سياسية محددة لطبيعة الانتقال الذي تسعى الأطراف الدولية إلى دعمه.

ومن اللافت أن البيان لم يكتف بالدعوة إلى الحوار، بل وضع إطاراً زمنياً له لا يتجاوز ستة أشهر، وربط نجاحه بتشكيل حكومة مدنية مستقلة. وهذا يعني أن المجتمع الدولي لا ينظر إلى الحوار باعتباره عملية مفتوحة المدى، وإنما باعتباره آلية لإنتاج سلطة انتقالية جديدة خلال فترة زمنية محددة.

وفي تقديري فإن هذه النقطة تمثل أهم ما ورد في البيان كله. فحين تنتقل الأطراف الدولية من مرحلة الدعوة العامة للحوار إلى مرحلة تحديد الزمن والنتائج المطلوبة، فإن ذلك يعني أن الملف دخل مرحلة أكثر تقدماً من مراحل التخطيط السياسي.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن المتغيرات التي شهدها المشهد السوداني خلال الفترة الأخيرة. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم تعد الأزمة تُقرأ فقط من زاوية العمليات العسكرية أو الأوضاع الإنسانية، بل أصبحت تُقرأ أيضاً من زاوية اليوم التالي للحرب. فكلما ازدادت كلفة النزاع على الداخل السوداني وعلى البيئة الإقليمية المحيطة، وكلما تراجعت احتمالات الحسم السريع أو التسوية القريبة، برزت الحاجة لدى الفاعلين الدوليين والإقليميين إلى التفكير في شكل الترتيبات السياسية التي ستدير المرحلة المقبلة. ومن هذا المنظور يمكن فهم الزخم الحالي بوصفه محاولة استباقية لتهيئة بيئة سياسية تستوعب مخرجات الصراع وتمنع نشوء فراغ في الشرعية أو السلطة قد يفتح الباب أمام جولات جديدة من عدم الاستقرار.

ويكتسب هذا التقدير أهمية إضافية عند ربطه باللقاء الذي جمع رئيس مجلس السيادة الانتقالي والمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للسودان بيكا هافيستو عقب اجتماعات أديس أبابا مباشرة. فالرسائل التي خرج بها اللقاء لا تبدو مجرد إحاطة بروتوكولية بنتائج المشاورات، وإنما تعكس محاولة مبكرة لبناء جسور بين المسار الذي تتبناه الآلية الخماسية وبين مؤسسات الدولة السودانية القائمة. ومن اللافت أن المبعوث الأممي حرص على التأكيد بأن العملية السياسية ستكون “ملكية للسودانيين”، وهي العبارة ذاتها التي تكررت في بيانات الآلية الخماسية والبيان الدولي المشترك، بما يوحي بوجود إدراك لدى الرعاة الدوليين لحساسية الانتقادات المتعلقة بالوصاية الخارجية وشرعية أي مسار سياسي جديد. كما أن طلب هافيستو دعماً مباشراً من قيادة الدولة لإنجاح الحوار يشير إلى أن المجتمع الدولي لا يسعى في هذه المرحلة إلى تجاوز المؤسسات الرسمية القائمة أو القفز فوقها، وإنما يحاول استقطابها وإدماجها ضمن العملية السياسية المقترحة. وفي المقابل، فإن تركيز المبعوث على التهدئة وبناء الثقة بين الأطراف يكشف أن التقدير الدولي السائد لا يزال يرى أن البيئة السودانية لم تبلغ بعد مرحلة التسوية النهائية، وأن المطلوب أولاً هو تخفيض مستويات الاستقطاب والصدام تمهيداً لخلق مناخ يسمح بانتقال النقاش من إدارة الحرب إلى إدارة السياسة. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى لقاء كباشي وهافيستو باعتباره إحدى أولى حلقات اختبار العلاقة بين السلطة القائمة والمسار السياسي الذي تسعى الآلية الخماسية إلى إطلاقه خلال الأشهر المقبلة.

كما أن البيان يحمل مؤشراً آخر بالغ الأهمية يتمثل في الحديث عن اتخاذ “تدابير مناسبة” بحق الأطراف التي تعرقل عملية الانتقال المدني. ورغم أن النص لم يحدد طبيعة هذه التدابير، فإن التجارب الدولية تشير عادة إلى أنها قد تشمل الضغوط السياسية والدبلوماسية والعقوبات الفردية أو الجماعية أو أشكالاً أخرى من العزل السياسي.

غير أن أكثر ما يستحق التوقف عنده هو التناقض الظاهر بين تأكيد البيان على الملكية السودانية للعملية السياسية وبين الحجم الكبير للدور الخارجي في تصميمها وتحديد مساراتها ومواقيتها. فالحوار الذي يُفترض أنه سوداني خالص يجري التحضير له بواسطة آلية دولية وإقليمية، ويُحدد له إطار زمني خارجي، وتُرسم له معايير ومؤشرات متابعة دولية، وتُلوَّح بعقوبات ضد معرقليه. وهذا يطرح أسئلة جوهرية حول الحدود الفاصلة بين الدعم الدولي والوصاية السياسية، وبين التيسير الخارجي وامتلاك القرار الوطني.

ومن زاوية أخرى، فإن البيان يكشف عن محاولة واضحة لإعادة بناء مركز ثقل سياسي مدني قادر على التفاوض والتحدث باسم قطاعات واسعة من المجتمع السوداني. كما أن نجاح هذا المسعى سيظل رهيناً بمدى قدرته على اكتساب شرعية داخلية حقيقية، لا أن يكتفي بشرعية مستمدة من الدعم الخارجي وحده. ويزداد هذا التحدي تعقيداً في ظل الانقسامات العميقة التي تشهدها الساحة المدنية السودانية، حيث لا يقتصر الأمر على توسيع قاعدة المشاركة، وإنما يمتد إلى بناء حد أدنى من التوافق بين مكونات مدنية أفرزت سنوات الاستقطاب والحرب بينها تباينات جوهرية في الرؤى والمواقف وأولويات المرحلة المقبلة. ولذلك يمكن فهم التركيز الكبير على إشراك النساء والشباب ومنظمات المجتمع المدني والمكونات الجغرافية المختلفة باعتباره سعياً لإنتاج منصة مدنية ذات شرعية أوسع من تلك التي اتسمت بها كثير من التجارب السابقة.

أن اكتساب الشرعية وحده لا يكفي لضمان نجاح هذا المسار، إذ سيظل مرتبطاً بعدة عوامل معقدة. فالسؤال الأساسي لا يتعلق فقط بمن سيشارك في الحوار، وإنما بمن سيقبل مخرجاته، وكيف سيتم ربطه بالواقع العسكري والأمني على الأرض. إذ إن أي عملية سياسية تُبنى بمعزل عن موازين القوى الفعلية داخل السودان ستواجه صعوبات كبيرة عند الانتقال من مرحلة التفاهمات النظرية إلى مرحلة التنفيذ العملي.

ومن هنا يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات محتملة خلال الأشهر المقبلة.

السيناريو الأول هو نجاح الآلية الخماسية في جمع كتلة مدنية واسعة نسبياً حول رؤية مشتركة للانتقال، بما يسمح بتشكيل جسم سياسي مدني يحظى بدعم دولي وإقليمي قوي، ويصبح شريكاً أساسياً في أي ترتيبات لاحقة لإنهاء الحرب.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار الانقسامات بين القوى السياسية والمدنية، بما يؤدي إلى إنتاج منصة جديدة لا تختلف كثيراً عن المنصات السابقة من حيث محدودية التمثيل وضعف القدرة على فرض مخرجاتها داخل المشهد السوداني.

أما السيناريو الثالث فيتمثل في تعثر العملية السياسية نتيجة استمرار التباعد بين المسار السياسي والواقع العسكري والأمني على الأرض، أو نتيجة ظهور مسارات سياسية موازية تقودها قوى أخرى أو مؤسسات الدولة نفسها، بما يفضي إلى تنافس على الشرعية السياسية بدلاً من إنتاج مركز وطني موحد للانتقال. وفي هذه الحالة قد يبقى الحوار قائماً شكلياً بينما تستمر الحرب في إنتاج وقائع جديدة تتجاوز مخرجاته وتحد من قدرته على التأثير في مسار الأحداث.

وفي جميع الأحوال، يبدو أن بيان أديس أبابا يمثل أكثر من مجرد إعلان نوايا دبلوماسي. فهو في حقيقته وثيقة ترسم ملامح مرحلة جديدة من التعاطي الدولي مع الأزمة السودانية، وتكشف أن مركز الاهتمام بدأ ينتقل تدريجياً من إدارة الحرب إلى هندسة ما بعد الحرب.

وإذا كان بيان أديس أبابا قد رسم الإطار النظري للمرحلة المقبلة، فإن التحركات الدبلوماسية التي تلته تشير إلى أن مرحلة الاختبار العملي قد بدأت بالفعل. فالمجتمع الدولي والإقليمي يبدو اليوم أكثر ميلاً للانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة تشكيل ملامح النظام السياسي الذي سيلي الحرب. غير أن نجاح هذا المسار سيظل رهيناً بقدرته على تحقيق معادلة دقيقة بين الشرعية الوطنية والدعم الدولي، وبين مؤسسات الدولة القائمة والقوى المدنية الساعية إلى قيادة الانتقال، وبين ضرورات إنهاء الحرب ومتطلبات الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها. ولذلك فإن الأشهر الستة المقبلة قد لا تكون مجرد فترة حوار سياسي، وإنما قد تمثل مرحلة مفصلية يُعاد خلالها رسم التوازنات التي ستحدد شكل السودان في مرحلة ما بعد الحرب.

أن التجربة السودانية، كما علمتنا العقود الماضية، تشير إلى أن نجاح أي مبادرة سياسية لا يتوقف على حجم التأييد الدولي الذي تحظى به، وإنما على مدى قدرتها على تحقيق التوازن بين مقتضيات الشرعية الوطنية ومتطلبات السلام، وبين ضرورات الدولة وحسابات السياسة، وبين الواقع الميداني وتطلعات الفاعلين المدنيين.

فالحوارات لا تنجح بمجرد انعقادها، كما أن المواعيد الزمنية لا تصنع توافقاً وطنياً من تلقاء نفسها. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق الحوار أو تحديد سقفه الزمني، وإنما في قدرته على إنتاج توافق سوداني قابل للحياة والتنفيذ، يحفظ وحدة الدولة وسيادتها، ويضع حداً للحرب، ويؤسس لانتقال سياسي مستقر ومستدام. وعندها فقط يمكن أن يتحول الحوار من منصة لإدارة الخلافات إلى أداة لإعادة بناء الدولة واستعادة عافيتها الوطنية.

الثلاثاء 9 يونيو 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!