أمريكا تستيقظ على حرب السودان.. فهل نستيقظ نحن قبل أن يشتريها تجار الخردة؟

مشروع القانون رقم 1939 يفتح نافذة تاريخية لإدانة المليشيا ومموليها.. لكن النافذة ستُغلق بالمال الإماراتي وبعثة “المصاهرة”
في الوقت الذي تُقصف فيه الأبيض وبارا ومطار الخرطوم وتحاصر فيه النهود والكرمك وتُنهب فيه الجزيرة والنيل الأبيض، كان الكونغرس الأمريكي يناقش بهدوء مشروع القانون رقم 1939. قانون يطالب لأول مرة بتصنيف مليشيا الدعم السريع “منظمة إرهاب عالمي”، ويلزم الإدارة بالتحقيق في السلاح الأمريكي الذي يقتل السودانيين عبر بوابة أبوظبي.
هذه ليست تفصيلة عابرة. هذه “المرة الأولى منذ اندلاع الحرب” التي يتحول فيها مزاج واشنطن من “مساواة الضحية بالجلاد” إلى تسمية الأشياء بأسمائها: مليشيا إرهابية، وجرائم إبادة، وحظر سلاح يُخترق.
لكن هنا الفخ: النافذة التي فُتحت اليوم، ستُغلق غداً.
لماذا؟ لأن اللعبة القديمة بدأت:
1-المال يشتري الصمت: الإمارات التي موّلت المليشيا بالسلاح، تموّل الآن “مراكز التفكير” في واشنطن لشرح أن “استقرار السودان” يمر عبر صفقة مع حميدتي. تريليون دولار من استثماراتها في أمريكا هي ورقة ضغط لا يستهان بها.
2-المبعوث الخردة: إدارة ترامب عينت مبعوثاً خاصاً للسودان “بالمصاهرة”، لا علاقة له بالدبلوماسية. سجله المهني: تاجر شاحنات خردة في نيجيريا وأدغال أفريقيا. هذا ليس تعييناً عبثياً. هذا تعيين وظيفي. مهمته ليس حل حرب السودان، بل “إدارة الخردة السياسية” لصالح من يدفع أكثر. ومهمته الأولى: تبريد الكونغرس، وتدوير الزوايا، وتحويل “إدانة الإمارات” إلى “إدانة وسطاء مجهولين”.
3-حربنا المنسية: العالم نسينا لأننا سكتنا. غزة أسقطت ورقة التوت عن “المجتمع الدولي”، وكشفت أن المعايير تُفصّل على مقاس المصالح. اليوم الكونغرس غاضب لأن سلاح أمريكا ظهر في يد مليشيا تقتل وتغتصب. هذا غضب لحظي. لو سكتنا، سيتحول إلى “قلق” ثم إلى “ملف” ثم إلى “نسيان”.
إذن ما المطلوب منا كسودانيين في هذه اللحظة؟
أولاً: امتلاك السردية قبل أن يسرقها تجار الخردة.
علينا أن نقول للعالم بوضوح: الذي يسلح إسرائيل لتبيد غزة، هو نفسه الذي يسلح حميدتي ليبيد السودان. الذي يبرر للأول، يبرر للثاني. حربنا ليست “أهلية”. هي حرب تحرير ضد مليشيا عابرة للحدود، تمولها دولة عابثة، ويحميها مبعوث عابر للدبلوماسية.
ثانياً: تحويل “الغضب الأمريكي” إلى “فعل أمريكي”.
مشروع 1939 يطالب بتقرير عن من يخرق حظر سلاح دارفور. هذا هو مربط الفرس. علينا كإعلام، كقانونيين، كناشطين، كدبلوماسية شعبية: أن نغرق لجان الكونغرس بالأدلة. صور مدرعات “نمر” الإماراتية في الخرطوم. أرقام شحنات الذهب. شهادات الناجين. لا نترك لهم فرصة القول “لا نملك أدلة كافية” لتبرئة أبوظبي.
ثالثاً: فضح “المبعوث المصاهر”.
يجب أن يعرف كل سوداني، وكل نائب أمريكي: أن من عُين لإنقاذنا كان ينقل الخردة في نيجيريا. أن من يفاوض باسمنا لم يدخل كلية علوم سياسية، بل دخل “سوق المصالح”. هذا ليس قدحاً شخصياً. هذا كشف لآلية “الاستخفاف” بنا. عندما تعيّن أمريكا دبلوماسياً محترفاً لإسرائيل، وتاجر خردة للسودان، فهي ترسل رسالة: “دمكم أرخص”.
رابعاً: كسر معادلة “الجيش = المليشيا”.
تصنيف الدعم السريع كمنظمة إرهابية يعني نهاية أكذوبة “طرفي النزاع”. هذا هو الهدف التكتيكي. عندما يصبح حميدتي “إرهابياً” بقانون أمريكي، تسقط شرعية كل من يفاوضه أو يسلحه أو يستقبله. وهذا يشمل أبوظبي. علينا أن ندفع بهذا الاتجاه، لا أن ننتظر.
الخلاصة: هذه لحظة “كش ملك”
لأول مرة منذ 15 أبريل، تتلاقى 3 عناصر:
1-غضب أمريكي.. من استخدام سلاحها في جرائم.
2-وعي عالمي.. سقط في غزة، ولم يعد يقبل ازدواجية المعايير.
3-فراغ قانوني.. يمكن ملؤه بإدانة المليشيا ومموليها.
لكن هذا التلاقي لن يدوم. تجار الخردة السياسية، وتجار السلاح، وتجار “المصاهرة” يعملون الآن لشراء الوقت وإغلاق النافذة.
مهمتنا ليست مناشدة واشنطن. مهمتنا إحراجها.
لكن انتبه: أمريكا لا تريد إنتصارا كاملا للجيش
الخلاصة:
المشروع فرصة تاريخية، لكنه ليس “عصا موسى”. هو سلاح نستخدمه نخن في معركة السردية بالخطوات التالية:
- إعلام: كل وفد سوداني في واشنطن ضروري ان يحمل معه ملف “السلاح الإماراتي الأمريكي يقتل الأطفال” مع صور من غزة ودارفور. اضرب على وتر “ازدواجية المعايير”.
- قانون: ارفع دعاوى في أمريكا ضد شركات إماراتية باسم ضحايا سودانيين. استخدم قانون “جاستا”.
- سياسة: لا تراهن على أمريكا 100%. استخدم هذا الضغط لكي تفتح بابا للتفاوض مع موسكو وبكين. “تعدد الأقطاب”
أن نجعل تكلفة الصمت على الإمارات أعلى من تكلفة إدانتها. أن نجعل تكلفة “مبعوث الخردة” أعلى من تكلفة تعيين دبلوماسي محترم.
حربنا لم تعد منسية. الكونغرس تذكرها. فهل نتذكر نحن كيف ننتصر فيها؟
التاريخ لا يرحم الشعوب التي تنام على نوافذ الفرص. ومشروع 1939 هو نافذة… قد لا تُفتح مرة أخرى.
٩ يوليو ٢٠٢٦م





