الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

من يضع قواعد المستقبل الذكي؟

د. محمد عبدالرحيم يسن




digital.start23@gmail.com
تداولت وسائل الإعلام خلال الأيام الماضية خبر استضافة الرياض في سبتمبر المقبل النسخة الرابعة من المنتدى العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي التابع لليونسكو، وهو خبر استوقفني لما يحمله من دلالة تتجاوز تنظيم منتدى دولي إلى المشاركة في نقاش يتصل بمستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.
بدأت رحلة هذا المنتدى في براغ عام 2022 تحت شعار “ضمان الشمول في عالم الذكاء الاصطناعي”، ثم انتقلت النسخة الثانية إلى كرانج في سلوفينيا عام 2024 لمناقشة التحول في حوكمة الذكاء الاصطناعي، وجاءت النسخة الثالثة في بانكوك عام 2025 تحت شعار “الحوكمة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي “. أما النسخة الرابعة فتستضيفها الرياض من 14 إلى 17 سبتمبر 2026 تحت شعار “تحويل التعاون العالمي نحو حوكمة أخلاقية للذكاء الاصطناعي”.
هذا التسلسل يكشف تطورا مهما في نظرة العالم إلى الذكاء الاصطناعي. إذ بدأت الرحلة بالبحث عن مبادئ تضمن أن تكون التقنية شاملة، ثم انتقلت إلى بناء أطر الحوكمة، ثم إلى تحويل المبادئ إلى ممارسة، وصولا إلى الرياض التي تضع التعاون الدولي والحوكمة الأخلاقية في قلب النقاش.
ويأتي أهمية الموضوع اليوم من السرعة التي تتقدم بها الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح يكتب البرامج، ويحلل البيانات، ويشارك في البحث العلمي، وينفذ المهام من خلال الوكلاء الأذكياء، وتتجه بعض الأبحاث إلى إشراكه في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي التي ستأتي بعده. ومع كل خطوة جديدة تظهر حاجة أكبر إلى الحوكمة.
السؤال لم يعد: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟، إنما ما الذي ينبغي أن نسمح له أن يفعله؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يتخذ قرارا خاطئا؟
هذه الأسئلة تتجاوز حدود دولة واحدة، فالذكاء الاصطناعي أصبح تقنية عابرة للحدود، ومع اتساع تأثيره تحتاج المرحلة القادمة إلى تعاون دولي يضع مبادئ مشتركة، ويحولها إلى تشريعات ومعايير وآليات للرقابة والمساءلة. وتأتي استضافة الرياض في هذا السياق. فالمملكة العربية السعودية تستضيف المنتدى ممثلة في الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي “سدايا”، بالتعاون مع المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ويتزامن المنتدى مع تنظيم النسخة الرابعة من القمة العالمية للذكاء الاصطناعي، ومع إعلان 2026 عاما للذكاء الاصطناعي في المملكة. وهذا التزامن يلفت النظر إلى مستقبل مختلف، مستقبل لا تنفصل فيه قوة التقنية عن مسؤولية استخدامها.
ومع اتساع قدرات الذكاء الاصطناعي، سيصبح التحدي الحقيقي في بناء القواعد التي توجه هذه القدرات وتضمن استخدامها بصورة مسؤولة. فكلما ازدادت قدرة الآلة، ازدادت مسؤولية الإنسان في تحديد الاتجاه. ولن يكون النقاش بطبيعة الحال حول أخلاقيات تقنية جديدة فحسب، وإنما حول شكل العالم الذي نريد أن تصنعه هذه التقنية.
فمن يضع قواعد الذكاء الاصطناعي اليوم، يشارك في رسم ملامح المستقبل.

اترك رد

error: Content is protected !!