الرأي

هدف عكسي في مرمى مليشيا الدعم السريع ..من يدفع زعماء القبائل العربية بدارفور للانتحار السياسي؟

بقلم : عبد الله عبيد الله
من أعد البيان الذي صدر أمس الأول باسم المكتب التنفيذي للإدارة الأهلية في جنوب دارفور أضر بمليشيا الدعم السريع من حيث أراد أن يخدمها، وورط القيادات الأهلية الموقعة على البيان في مواجهة خاسرة مع الغالبية الساحقة للشعب السوداني، وجعلها شريكا مباشرا في كل الفظائع التي ترتكبها المليشيا المتمردة في الخرطوم والجنينة ونيالا وزالنجي وغيرها مما وثقه وشهد عليه المجتمع الدولي، وقبل ذلك ملايين السودانيين في أنحاء مختلفة من البلاد. تفصيل خسارة الدعم السريع المتمرد وشيوخ القبائل ممن استخدمت أسماؤهم كما يلي:

أولا: لقد كانت الدعاية السياسية للمليشيا، التي أنفقت في سبيلها الملايين من الدولارات عبر بيوت خبرة غربية وعشرات من الكائنات السياسية المتحورة، انها قوة عسكرية قومية تضم كل أعراق وجهات السودان. وزعم المستشار السياسي لقائدها، يوسف عزت، أن نسبة من ينتمون لدارفور من أفراد المليشيا لا تتجاوز ٤٠٪ فيما يعود ال٦٠٪ المتبقون لكل مناطق وولايات السودان الأخري. وجنح خيال بعض مستشاري المليشيا ممن أغراهم ذهب آل دقلو ليوهموا حميدتي أنه يمكن أن يرث القوات المسلحة بعد تفكيكها. إلا أن بيان القيادات الأهلية نسف كل تلك الجهود بضربة واحدة وأعاد المليشيا لوضعها الطبيعي؛ مليشيا قبلية لا تمثل إلا جزءا من التركيبة الإجتماعية لولاية أو اثنين من ولايات دارفور..ويعرفها أهل دارفور والسودان وكل المجتمع الدولي باسم الجنجويد.

ثانيا: بينما لا تزال المليشيا المتمردة تواصل عمليات التطهير العرقي في ولاية غرب دارفور وحاضرتها الجنينة ضد قبيلة المساليت والقبائل التي لا تشارك في المليشيا، تقتيلا وتشريدا وإحراقا للقرى، بعد اغتيال والي الولاية بدم بارد، وفي الوقت الذي لا تزال الإدانات تتوالى محليا ودوليا لهذه الجريمة الشنيعة المتواصلة، يصدر هذا البيان باسم القبائل العربية في جنوب دارفور، ولا يتضمن أدنى إشارة لتلك الأحداث، حتى ولو من باب الدعوة لوقف الاقتتال، رغم أن ما يحدث في الواقع ليس اقتتالا وإنما تقتيل من طرف واحد للأبرياء والعزل. وهذا لا يدل فقط على أن قيادة المليشيا ومستشاريها يفتقدون الحساسية الإنسانية والسياسية تجاه ما يجري في الجنينة وما حولها، وإنما يقوض ركنا أساسيا في استراتيجية إعادة إنتاج صورة قيادة المليشيا كممثل لكل مكونات دارفور، إذ انها الآن ارتدت لتعبر عن المكون العربي فقط. وهذه نكسة كبرى للاستراتيجية تعيد المليشيا للمربع الأول.

ثالثا: ما جاء في البيان من أن القيادات الأهلية التي صدر البيان باسمها تساند الدعم السريع من أجل إقامة الديمقراطية والحكم المدني يوفر مادة إضافية للتعليقات الساخرة في الوسائط الاجتماعية والكتابات الصحفية التي يقابل بها رفع هذا الشعار من قبل المليشيا بينما جنودها يعيثون فسادا في العاصمة ومدن دارفور ينهبون الدور والمتاجر والبنوك ويغتصبون النساء “بحثا عن الديمقراطية”. فالإدارة الأهلية، مع ميل بعض رموزها لانتهاج الشورى اسلوبا للإدارة، تتناقض مع الديمقراطية والحكم المدني. فالانتماء القبلي، أساس الإدارة الأهلية، يعبر عن مرحلة ما قبل المواطنة والدولة القومية، وهودائرة انتماء مغلقة امام الآخرين . والوصول لقيادة القبيلة لا يتم عبر الانتخاب الحر المفتوح للجميع لأن التطلع للقيادة محصور على بيت أو بيوتات بعينها تتوارث الزعامة لا عامة أفراد القبيلة. وكل ذلك يناقض منطق الحكم الديمقراطي القائم على مبدأ المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات. ولئن كان استمرار الإدارة الأهلية لبعض الوقت ضرورة في بعض المناطق، فإن ذلك لا يعني أن قادتها يعبرون تلقائيا عن التوجهات السياسية لأفراد القبيلة لأنها هياكل الإدارة الأهلية ليست أحزاب سياسية يختارها الناس وفقا لقناعاتهم. وما من شك أن الديمقراطية والحكم المدني الحقيقيين يضعفان من سلطة الإدارة الأهلية والمليشيات.

رابعا: لا تزال النظرة لرموز الإدارة الأهلية انهم مستودع الحكمة والنصيحة والعدل. ولذا كان الأمل أن يصدعوا بإدانة الفظائع التي ترتكبها قوات الدعم السريع المتمردة ضد العزل الأبرياء في العاصمة وغيرها من المناطق. ولا شك أن لديهم علم يقيني بهذه الجرائم إذ أن جزء منها يجري علي مقربة منهم بل أمام أعينهم. فهم بلا ريب قد شاهدوا وصول قوافل المنهوبات من العاصمة لمناطقهم بما فيها من سيارات ومنقولات مقتنيات ثمينة، وسمعوا عن الاحتفالات التي أقامها بعض أفراد قبائلهم بمناسبة عودة أبنائهم بالغنائم من الخرطوم. وسكوت هؤلاء الشيوخ عن تلك الجرائم وقد تورط فيها بعض أبناء قبائلهم، بل إسباغ الشرعية على الحرب التي تشنها المليشيا على المواطنين العاديين في أحيائهم وقراهم “من أجل الديمقراطية والحكم المدني” يعني مباركتهم لتلك الجرائم وتشجيعهم عليها خاصة وأن البيان دعا أبناء القبائل التي تحدث باسمها للانضمام للدعم السريع . في المقابل، ادان البيان”قتل العزل وتدمير المؤسسات الرسمية بواسطة القوات الجوية”. كل هذا سيخلق شرخا عميقا بين هذه القيادات وغالبية الشعب السوداني الذي يساند الجيش السوداني ضد المليشيا المتمردة بعد أن عايشت هذه الغالبية فظائع المتمردين. لذا فإن البيان يمثل انتحارا سياسيا لتلك القيادات.

خامسا: لقد تضررت سمعة المجموعات العربية في دارفور كثيرا جراء الصراع الذي شهده الإقليم على مدى العقدين الماضيين بسبب ما شاع عن ممارسات الجنجويد. وصار من الصعب الفصل بين هذه المليشيا وعرب دارفور. وإذ تقدم فظائع التمرد في العاصمة ودارفورحاليا صورة مكبرة ومحدثة لجرائم الجنجويد في الماضي القريب بدارفور، فإن البيان المنسوب لزعماء القبائل العربية دارفور يعيد تكريس الصلة العضوية المفترض بين هذه القبائل الجنجويد.

سادسا: لا أظن أن الزعماء القبليين الذين صدر البيان باسمهم لم يتابعوا حملة الاستنفار وسط أمتداداتهم وأبناء عمومتهم في دول الجوار الغربي المباشر وغير المباشر للقتال في صفوف قوات الدعم السريع المتمردة على أسس قبلية. والآن يكرر هؤلاء الزعماء نفس الدعوة لأبناء قبائلهم دون تقييدها بشرط الانتماء الوطني ورفض التدخل الأجنبي، مما يجعلهم أداة لتهديد استقلال وسيادة البلاد وإضعاف الآصرة الوطنية التي تجمع السودانيين بمختلف قبائلهم ومناطقهم.

سابعا: وضح أنه لم يسبق صدور هذا البيان تشاور بين أهل العقد والحل في تلك القبائل مما تتطلبه مثل هذه المواقف الخطيرة التي تتجاوز آثارها الزعماء الذين صدر البيان باسمهم إلى كل أفراد القبيلة. والدليل علي ذلك البيانات العديدة التي أصدرتها هيئات وقيادات من القبائل المعنية تتبرأ من البيان محل الحديث. وهذا من شأنه أضعاف سلطة اولئك الزعماء المفترضة.

هذه بعض الخسائر التي ألحقها بيان “المكتب التنفيذي للإدارة الأهلية بجنوب دارفور” بمليشيا الدعم السريع ومن قرأ البيان باسمهم..والذي جاء بمثابة هدف عكسي في الزمن القاتل بلغة كرة القدم.

اترك رد

error: Content is protected !!