من الشكوى إلى الدعوى: لماذا اختار السودان معركة القانون ضد رعاة الحرب!؟

في الحروب الحديثة، لا تُحسم المعارك في ميادين القتال وحدها، بل تمتد إلى ساحات الدبلوماسية والمحاكم الدولية، حيث تتشكل الرواية القانونية للصراع، ويُحدد من هو الضحية ومن هو الجاني، ومن يتحمل المسؤولية المباشرة ومن يتحمل المسؤولية بالتواطؤ أو التحريض أو الدعم والمشاركة.وفي هذا السياق، يمثل إعلان وزارة العدل السودانية اكتمال المسارات القانونية لمقاضاة قوات الدعم السريع المتمردة وداعميها، وعلى رأسهم دولة الإمارات العربية المتحدة، تحولًا استراتيجيًا في إدارة الدولة السودانية للحرب، وانتقالًا من مرحلة الاحتجاج السياسي إلى مرحلة صناعة المسؤولية القانونية.
فالخطوة ليست مجرد إعلان عن دعاوى قضائية، وإنما إعلان عن دخول السودان مرحلة جديدة عنوانها “تدويل المساءلة”، بحيث لا تقتصر المسؤولية على من ضغط الزناد، وإنما تمتد إلى من موّل وسلّح ودرّب ووفّر الرعاية والغطاء السياسي لاستمرار الحرب بآثارها الممتدة.
لقد خاض السودان، منذ اندلاع الحرب المركبة عليه في أبريل 2023، معركة دبلوماسية واسعة لإقناع المجتمع الدولي بأن ما يجري لم يكن نزاعًا داخليًا خالصًا، وإنما حربًا بالوكالة تعززها شبكات دعم إقليمية عابرة للحدود. وفي هذا الإطار، تقدمت الخرطوم مرتين بشكاوى رسمية إلى مجلس الأمن ضد الإمارات، متهمة إياها بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح والعتاد والخبرات العسكرية، بما يشكل انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة ولمبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وزعزعة الامن والاستقرار.غير أن تلك الشكاوى، رغم أهميتها السياسية، اصطدمت بواقع مجلس الأمن، حيث تتقدم حسابات المصالح والتحالفات الدولية على مقتضيات العدالة. وهنا أدركت الدولة السودانية أن مجلس الأمن، بوصفه جهازًا سياسيًا، قد لا يكون قادرًا على توفير الإنصاف القانوني، فكان الانتقال إلى القضاء الدولي خطوة منطقية لاستكمال أدوات المواجهة.
وهذا التحول يعكس فهمًا متقدمًا لطبيعة النظام الدولي؛ إذ إن الشرعية في عالم اليوم لا تُبنى فقط عبر المواقف السياسية، وإنما عبر الأحكام القضائية، والملفات القانونية والوثائق، وسلاسل الأدلة التي يمكن أن تتحول إلى مرجع دائم في ذاكرة العدالة الدولية، ورد حقوق الضحايا.
من المسؤولية الجنائية إلى مسؤولية الدولةما يلفت الانتباه في التحرك السوداني أنه لا يستهدف الأفراد وحدهم، بل يتناول كذلك مسؤولية الدول. فالقانون الدولي يميز بين المسؤولية الجنائية للأشخاص الطبيعيين، التي تنظر فيها المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية المختصة، وبين المسؤولية الدولية للدول عن الأفعال غير المشروعة، وهي اختصاص محكمة العدل الدولية متى توافرت الشروط القانونية والإجرائية.
كما أن اللجوء إلى المحاكم الأمريكية وغيرها من المحاكم الوطنية التي تطبق مبدأ الولاية القضائية خارج الحدود أو تسمح بالنظر في بعض الجرائم الدولية، يعكس اعتماد السودان على استراتيجية قانونية متعددة المسارات، بحيث لا يصبح نجاح الملف رهينًا بمحكمة واحدة أو اختصاص واحد، بل موالاة للضغوط من أكثر من واجهة ومنصة عدلية.
واللافت كذلك أن وزارة العدل لم تكتفِ بالحديث عن الجرائم التقليدية، بل أشارت إلى ملفات تتعلق بجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية والتجبر القسري والاغتصاب والعنف الجنسي والجنساني، فضلًا عن المسؤولية الناشئة عن تزويد جماعة مسلحة بالسلاح والتمويل والتدريب والمرتزقة، وهي جرائم إذا ثبتت عناصرها، فإنها توسع دائرة المسؤولية لتشمل كل من أسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في استمرار النزاع، وتوجب جبر الضرر والتعويض.
الرسالة إلى المجتمع الدولي
لا يستهدف هذا المسار الخصوم وحدهم، بل يوجه رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن السودان لم يعد يقبل الاكتفاء ببيانات الإدانة أو الدعوات العامة إلى وقف إطلاق النار، وإنما يطالب بتطبيق قواعد القانون الدولي على الجميع دون انتقائية او تسييس.
كما أن هذا التحرك يختبر مدى صدقية النظام الدولي في التعامل مع مبدأ المساواة بين الدول، بعيدًا عن حرب الارادات واعتبارات النفوذ السياسي والاقتصادي.
فالعدالة الدولية تفقد جزءًا كبيرًا من مشروعيتها عندما تُطبق على دول وتُعطل تجاه أخرى، أو عندما تصبح رهينة لموازين القوى أكثر من ارتباطها بسيادة القانون.
نحو عدالة وطنية تتكامل مع العدالة الدولية ولا يقل أهمية عن ذلك أن السودان يسعى إلى بناء نموذج تتكامل فيه العدالة الوطنية مع الآليات الدولية. فالتحقيقات التي تجريها النيابة العامة، ولجان جمع الأدلة، وأجهزة إنفاذ القانون، ومنظومة العدالة الوطنية، ليست مجرد إجراءات داخلية، وإنما تمثل الأساس الذي تُبنى عليه الملفات القضائية الدولية.
ومن دون مؤسسات وطنية قوية قادرة على التوثيق، وحماية الأدلة، وضمان سلامة إجراءات التحقيق، يصبح أي تحرك خارجي معرضًا للضعف، مهما كانت وجاهة الاتهامات.
ولذلك فإن نجاح هذا المسار لن يقاس فقط بما يصدر من أحكام، وإنما بقدرة السودان على تأسيس أرشيف قانوني متكامل يوثق الحرب بكل تفاصيلها، ويحفظ حقوق الضحايا، ويمنع تزوير الرواية التاريخية للصراع وانعكاساتها على البلاد وشعبها بكل مترتباتها.
العدالة ليست انتقامًا
ومن المهم أن يبقى هذا المسار بعيدًا عن منطق الثأر السياسي. فالعدالة لا تُبنى على الرغبة في الانتقام، وإنما على احترام الإجراءات القانونية، وضمان المحاكمة العادلة، وإسناد المسؤولية إلى من تثبت مسؤوليته بالأدلة.
وهنا تكمن قوة الدولة؛ فهي لا تواجه خصومها بخطاب تعبوي، وإنما بأدوات القانون، وبالمستندات، وسلاسل الأدلة، والشهادات الفنية التي تستطيع الصمود أمام المحاكم، سيما وان السودان يتعافى الان باستعادة كل منظومة العدالة والقضاء حتى المحكمة الدستورية.
معركة طويلة… لكنها تصنع المستقبل
لا ينبغي النظر إلى هذه الدعاوى باعتبارها معركة سريعة النتائج. فالتقاضي الدولي بطبيعته بطيء ومعقد، وقد يستغرق سنوات، لكن أثره يتجاوز الأحكام النهائية. فهو يصنع ذاكرة قانونية للحرب، ويقيد حركة المتهمين، ويؤثر في العلاقات الدولية، ويؤسس لمبدأ أن الجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم والتجاهل وطمسها عن ذاكرة الشعوب، وأن الدعم الخارجي للجماعات المسلحة ليس فعلًا سياسيًا محصنًا، بل قد يصبح محل مساءلة قانونية.
إن السودان اليوم لا يخوض فقط معركة لاستعادة أراضيه ومؤسساته، بل يخوض معركة لإثبات حقيقة ما جرى أمام القانون الدولي.
وإذا كانت الجيوش تدافع عن حدود الدول، فإن القضاء يدافع عن شرعيتها، والدبلوماسية تدافع عن روايتها، والإعلام يحمي ويعزز هذه السردية.
وفي النهاية، فإن نجاح هذا المسار لن يقاس فقط بعدد القضايا التي تُرفع أو الأحكام التي تُصدر، بل بقدرته على ترسيخ قاعدة أساسية في الدولة السودانية الجديدة: أن السلام المستدام لا يُبنى على النسيان، وإنما على الحقيقة، وأن المصالحة لا تقوم على الإفلات من العقاب، وإنما على العدالة وسيادة القانون. لذلك من الاهمية بمكان أن تذلل الدولة كافة الصعاب أمام الأجهزة المعنية والحلقات الرسمية التي تعمل لتحقيق هذه الغاية، وفق برنامج وطني ومنظومة تواصل بالضحايا وأجهزة العدالة لاستكمال انجاز هذه المهمة التي من شأنها ان تعظم من كرامة الانسان وأمنه وسلامته التي سعت هذه الحرب المفروضة على البلاد لسلبها وتدنيسها.



