محاولات العودة إلى الحكم على ظهر التقارير والعقوبات… حين يصبح الضغط الخارجي مشروعاً سياسياً

من حق أي سوداني أن ينتقد القوات المسلحة، وأن يطالب بالتحقيق في أي انتهاك يُنسب إليها، وأن يتمسك بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني، فمؤسسات الدولة تخضع للمساءلة شأنها شأن كل مؤسسات الدولة الحديثة. غير أن تحويل الاتهام إلى إدانة سياسية جاهزة قبل اكتمال الإثبات يفتح باباً مختلفاً تماماً. ومن هنا تبرز ظاهرة تستحق الوقوف عندها: الطريقة التي تلقفت بها رموز سياسية وتيارات وكيانات سودانية بعض التقارير والمواد المنشورة خارج البلاد، وحولتها سريعاً إلى جزء من خطابها السياسي في مواجهة الجيش والدولة.
رأينا ذلك مع ما نُشر أو نوقش بشأن تقارير فريق الخبراء، وبعثة تقصي الحقائق، ثم ما نشرته «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» من اتهامات تتصل باستخدام أسلحة كيميائية. وفي كل مرة تقريباً يتكرر المشهد ذاته: تقرير أو تسريب أو مادة صحفية تظهر في الخارج، فتجد خلال وقت قصير من يتلقف خلاصاتها في الداخل السوداني، ويعيد تقديمها باعتبارها حقائق نهائية، ثم يبني عليها موقفاً سياسياً وأخلاقياً وقانونياً كاملاً.
قراءة هذه التقارير والاستناد إليها ومناقشتها جزء طبيعي من العمل السياسي والحقوقي. موضع الإشكال يبدأ عندما تسقط المسافة الضرورية بين الادعاء والدليل، وبين التقرير والحكم، وبين الاتهام والإدانة.
فحين ترد مزاعم خطيرة مثل ارتكاب جرائم حرب أو استخدام أسلحة كيميائية، يصبح واجب السياسي المسؤول مضاعفاً: أن يطالب بتحقيق مهني مستقل وشفاف، وأن يتجنب تحويل المزاعم إلى حقائق قبل استكمال وسائل الإثبات والتحقق. أما انتقاء الاتهامات الأشد خطورة وتقديمها للرأي العام بصيغة تقريرية جازمة، فينقل المسألة من طلب العدالة إلى توظيف الاتهام في الصراع السياسي.
وهنا يبرز البعد الأخلاقي قبل السياسي.
فسمعة دولة ومؤسساتها، وسمعة آلاف الضباط والجنود، ومستقبل علاقاتها الدولية، ليست مادة للمزايدة السياسية. ومن يتهم مؤسسة وطنية بجرائم بالغة الخطورة يتحمل مسؤولية الكلمة بقدر خطورة الاتهام. الوطنية لا تمنح الجيش حصانة من النقد أو المساءلة، لكنها تفرض على من ينتقده ألا يستبدل الدليل بالرغبة السياسية، وألا يجعل من الخارج جهة تمنحه الرواية التي يريدها ثم يتولى هو تسويقها في الداخل.
وتظهر المفارقة بصورة أوضح عند اختبار هذا الحماس في الاتجاه الآخر. فهل تحظى الوقائع والاتهامات التي توردها التقارير ذاتها بشأن قوات الدعم السريع بالمساحة السياسية والإعلامية نفسها؟ وهل تتحول بالسرعة ذاتها إلى بيانات ومواقف وحملات؟ وهل تُستدعى اللغة الحقوقية والأخلاقية والقانونية بالقوة نفسها عندما تتعلق الوقائع بالمليشيا؟
هنا تصبح الانتقائية جزءاً أصيلاً من القضية. فمن يتعامل مع التقرير بوصفه مرجعاً حين يدين خصمه، ثم يخفت صوته حين تنتقل الإدانة إلى الطرف الأقرب إلى مشروعه السياسي، يكشف أن معيار التعامل مع التقارير أصبح سياسياً وانتقائياً، وفقد كثيراً من صفته الحقوقية. فالعدالة التي تتغير درجة حساسيتها بتغير اسم المتهم تفقد جانباً مهماً من معناها.
والأخطر أن بعض هذا الخطاب يعيد إنتاج المساواة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وكأننا أمام كيانين متماثلين في الوضع القانوني والدستوري. يمكن مساءلة الجيش عن أفعاله والتحقيق في أي انتهاكات منسوبة إليه، وذلك لا يغير حقيقة أنه مؤسسة من مؤسسات الدولة. كما أن مساءلة مؤسسات الدولة لا تمحو الفارق بينها وبين قوة مسلحة خرجت عليها وخاضت حرباً ضد مؤسساتها.
إن طمس هذا الفارق يربك تعريف الدولة نفسها.
فالمسألة هنا أكبر من تقرير أو مقال صحفي. عندما يُعاد تعريف الجيش باعتباره مجرد «طرف مسلح» موازٍ للمليشيا، تتجاوز النتائج حدود الخطاب السياسي إلى مفهوم السيادة ذاته. فالجيش إحدى المؤسسات الأساسية التي تمارس الدولة من خلالها احتكارها للقوة المنظمة، وتحمي بها حدودها وسيادتها ومؤسساتها. وحين يُنزع عنه هذا الوصف تدريجياً، ثم تُبنى على ذلك مطالب بحظر السلاح والعقوبات وتقييد قدراته العسكرية، تصبح النتيجة العملية أوسع من مساءلة مؤسسة عن انتهاك محدد؛ إذ تمس قدرة الدولة نفسها على الدفاع عن وجودها وممارسة وظائفها السيادية.
وتكتسب هذه المسألة ثقلاً إضافياً اليوم، الحادي عشر من سبتمبر، مع انعقاد جلسة مجلس الأمن المقررة للتصويت على مشروع القرار الخاص بنظام العقوبات المفروض بموجب القرار 1591، والذي يتضمن توسيع نطاق حظر السلاح القائم في دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، وإدخال الطائرات المسيّرة وأنظمتها وتقنياتها ضمن نطاق الحظر. وهنا تغادر التقارير حدود الورق والخطاب الإعلامي لتقترب من صناعة أثر قانوني وسياسي مباشر على الدولة؛ فالرواية التي تبدأ باتهام، ويعاد تدويرها سياسياً وإعلامياً، قد تنتهي إلى قرار دولي يقيد قدرة السودان على الحصول على أدوات الدفاع عن سيادته في حرب يخوضها ضد قوة مسلحة تنازع الدولة نفسها.
وهنا تكمن خطورة أن تسهم قوى سودانية، بقصد أو بغير قصد، في بناء خطاب ينتهي عملياً إلى نزع الدولة من أدوات قوتها، وإضعاف مؤسساتها، وإعادة ترتيب ميزان القوة بينها وبين المليشيا لمصلحة الأخيرة. فالمساءلة التي تستهدف تقويم أداء المؤسسة تختلف جذرياً عن مسار ينتهي إلى تجريد الدولة من القدرة التي تواجه بها قوة مسلحة تقاتلها.
ويستحق نمط الترويج لهذه التقارير بدوره فحصاً أكثر جدية.
فالتشابه الملحوظ في العبارات والمفردات وزوايا التناول، وتقارب توقيت النشر، وتداول المضامين ذاتها عبر منصات وشبكات سياسية وإعلامية متقاربة، يتجاوز في بعض الحالات حدود التشابه العابر، ويجعل فرضية التنسيق أو الرعاية أو وحدة المصدر جديرة بالفحص الجاد. وحين تتكرر الرسالة نفسها، بالمفردات نفسها تقريباً، وفي التوقيت نفسه، وعبر الدوائر والمنصات نفسها، يصبح من الصعب رد الظاهرة كلها إلى المصادفة أو التوافق السياسي العفوي. وهذه قرائن تمنح فرضية وجود تنسيق منظم أو رعاية خارجية وزناً لا يجوز تجاهله، مع بقاء إثبات التمويل المباشر وتحديد مصادره وأطرافه رهناً بأدلة مستقلة يمكن التحقق منها.
ولم تعد هذه الفرضية قائمة على ملاحظة التشابه والتزامن وحدهما. ففي تقريرها الصادر في العاشر من سبتمبر 2026م، كشفت شركة «أنثروبيك» عن عملية تأثير معلوماتي مرتبطة بالسودان قالت إنها تمكنت، بدرجة ثقة عالية، من ربطها بمسؤولين في حكومة دولة الإمارات. ووفقاً للتقرير، شملت العملية شبكة من نحو 300 حساب غير حقيقي، كانت ممولة ومنسقة مركزياً، إلى جانب انتحال واجهات حقوقية وإعداد مواد وشهادات صُممت لتظهر أمام المؤسسات الدولية باعتبارها صادرة عن جهات وأصوات مستقلة، بينما أخفت الجهة التي تقف وراءها. وتكتسب هذه الواقعة أهمية تتجاوز تفاصيل الحملة نفسها؛ لأنها تقدم دليلاً على أن صناعة الرواية حول السودان لم تعد مجرد تنافس سياسي وإعلامي عفوي، وأن التضليل المنظم والحملات المدفوعة وإخفاء مصدر الرسالة أصبحت أدوات مستخدمة فعلياً للتأثير في الرأي العام وآليات المساءلة الدولية. وهذا يجعل السؤال عن مصدر بعض الروايات، وتمويل المنصات التي تروج لها، والجهات المستفيدة منها، سؤالاً مشروعاً تفرضه وقائع موثقة، لا مجرد شكوك سياسية.
ومن هنا تصبح الأسئلة أكثر إلحاحاً: من ينتج الرواية؟ من يحدد مفرداتها؟ من يمول المنصات؟ من يعيد توزيع الرسائل؟ وكيف تنتقل بهذه السرعة بين المنابر والشخصيات والكيانات؟ وما الصلات السياسية والتنظيمية التي تربط منتجي هذا الخطاب ومروجيه بالجهات الخارجية صاحبة المصلحة في تشكيل مسار الحرب ومستقبل الدولة السودانية؟
الإجابة الموثقة عن هذه الأسئلة تنقل النقاش من الانطباع إلى الإثبات، وقد تكشف إن كنا أمام تفاعل سياسي عفوي مع التقارير، أم أمام شبكات منظمة لصناعة الرواية وتوزيعها وتوظيفها.
ويزداد القلق حين تبدو بعض القوى التي فقدت موقعها في السلطة وكأنها تبحث عن شرعية سياسية جديدة عبر الخارج؛ فتتحول التقارير الدولية والمواد الصحفية والضغوط الحقوقية والعقوبات المحتملة إلى أدوات في صراعها الداخلي. وإذا أصبح الطريق إلى السلطة يمر عبر إضعاف مؤسسات الدولة في الخارج، فإن الثمن ستدفعه الدولة السودانية بأكملها.
ويتجاوز الأمر هنا تبني التقارير إلى الترحيب بالعقوبات أو الدفع نحو توسيعها باعتبارها وسيلة للضغط السياسي على الداخل. فالعقوبات التي تُطلب من الخارج لا تقع آثارها داخل غرف التفاوض وحدها، ولا تتوقف بالضرورة عند الأشخاص الذين يراد استهدافهم؛ وقد تمتد آثارها السياسية والاقتصادية والأمنية إلى قدرة الدولة ومؤسساتها على الحركة. وحين يرى سياسي سوداني في تشديد العقوبات أو توسيع حظر السلاح فرصة لتحسين موقعه في الصراع على السلطة، يصبح السؤال مشروعاً: هل الغاية تغيير حكومة، أم إعادة تشكيل ميزان القوة داخل السودان بأداة خارجية؟ وهل يجوز أن يصبح إضعاف قدرة الدولة نفسها ثمناً مقبولاً للعودة إلى الحكم؟
فالخلاف مع الجيش لا يبرر هدم الجيش، والخلاف مع الحكومة لا يبرر إضعاف الدولة، والطموح إلى الحكم لا يمنح صاحبه حق استدعاء الضغط الخارجي لإعادة ترتيب الداخل لمصلحته. ثمة فارق جوهري بين المعارضة التي تنازع حكومة على السلطة، والمعارضة التي يصبح إضعاف مؤسسات الدولة نفسها جزءاً من أدواتها للوصول إليها.
وفي المقابل، يتطلب الدفاع عن الدولة تجنب الإنكار التلقائي لأي تقرير أو الرفض المسبق لأي تحقيق. فالدولة الواثقة من مؤسساتها هي الأقدر على فتح التحقيقات، ونشر نتائجها، ومحاسبة من يثبت تجاوزه، والرد بالأدلة على ما تراه اتهامات باطلة. والشفافية في مثل هذه القضايا أداة من أدوات حماية الدولة وتعزيز صدقيتها أمام مواطنيها والعالم.
إن السودان يحتاج اليوم إلى معارضة وطنية بقدر حاجته إلى جيش مهني ودولة قوية؛ معارضة تختلف مع السلطة وتحافظ على الدولة، وتنتقد المؤسسة العسكرية دون أن تسعى إلى تجريد الوطن من مؤسساته، وتتعامل مع الخارج من موقع المصلحة الوطنية لا من موقع الاستقواء به.
أما تحويل كل تقرير يصدر في الخارج إلى منصة اتهام، وكل مزاعم إلى إدانة، وكل ضغط دولي إلى فرصة سياسية، فيقود إلى طريق شديد الخطورة. فالوصول إلى الحكم يفقد كثيراً من معناه إذا كان ثمنه إضعاف الدولة التي يراد حكمها، ومن يجعل مؤسسات بلاده جزءاً من فاتورة صراعه على السلطة قد يربح جولة سياسية، لكنه يترك الوطن يدفع ثمنها.
فالتقارير قد تفتح الطريق إلى العواصم والمنابر، وقد تصنع ضغطاً وعقوبات ومواقف دولية، وربما تعيد ترتيب مواقع بعض القوى في المشهد السياسي؛ لكنها لا تبني جيشاً، ولا تستعيد مؤسسة، ولا تعيد وطناً أنهكته الحرب.
ومن يريد أن يعود إلى الحكم على ظهر إضعاف الدولة قد يصل يوماً إلى السلطة، ثم يكتشف أن الدولة التي أراد حكمها لم تعد كما كانت.
والتاريخ لن يسأل فقط عمّن حكم السودان بعد الحرب، وإنما سيسأل أيضاً: بأي دولة وصل إلى الحكم، وما الذي بقي منها؟



