الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي قضايا

أبوظبي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتزييف السردية الإعلامية بشأن السودان

تقرير من شركة الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك» يكشف استخدام ادوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها في عملية تأثير اماراتية تستهدف السودان والامم المتحدة.

د. أمجد فريد الطيب

لم يوثّق هذا التقرير مجرد حملة دعائية على وسائل التواصل الاجتماعي، بل كشف عن منظومة أكثر تعقيداً لصناعة الرواية، وانتحال صفة المؤسسات المستقلة، وصياغة شهادات مقدمة إلى مؤسسات دولية بوصفها أصواتاً مستقلة.
——
كشف تقرير حديث لشركة Anthropic، المطوّرة لنظام الذكاء الاصطناعي Claude، عن عملية تأثير معلوماتي رقمية منسقة قالت الشركة إنها تمكنت من ربطها، بدرجة ثقة عالية، بمسؤولين في حكومة دولة الإمارات، وإنها استهدفت نشر الترويج لرواية مصنوعة الصراع في السودان، والتأثير على آليات المساءلة الدولية المتعلقة به. وجاء تقرير الشركة الصادر في 10 سبتمبر 2026 بعنوان Detecting and Countering Misuse of AI، ليكشف عن أنماط مختلفة من إساءة استخدام نظام Claude رصدها فريق التهديدات التابع للشركة بين ديسمبر 2025 وأغسطس 2026، و خصص الصفحات 46 ومن 78 إلى 80 لدراسة الحالة المتعلقة بالسودان. وجاء ذلك تحت دراسة حالة وضعها التقرير تحت الرمز GTG-84002، بعنوان صريح: «تفكيك عملية تأثير موجّهة من الإمارات تستهدف جماعة الإخوان المسلمين، والصراع في السودان، وآليات المساءلة التابعة للأمم المتحدة».

وبحسب التقرير، استخدم منفذ العملية حساباً واحداً لإدارة حملة تأثير مستمرة، مستعيناً بنموذج Claude لتشغيل شخصية للذكاء الاصطناعي أطلق عليها اسم “Deadshot”. وربط النظام بملف تعليمات مركزي تضمّن توجيهات ثابتة يعاد تطبيقها مئات المرات. ولم يكن استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة منشورات متفرقة، بل كان بنية تشغيلية تجمع بين تأليف الروايات والادعاءات السياسية، وإخفاء المصادر، واستهداف الشخصيات، وإعداد مواد مخصصة لعرضها على جهات سياسية ودولية.
وحدد التقرير خمسة مسارات مترابطة عملت من خلالها العملية:

1- إنشاء وإدارة شبكة على مواقع التواصل الاجتماعي تضم نحو 300 حساب غير حقيقي لمؤثرين على منصات التواصل الاجتماتي.

2- إنشاء واجهة لمنظمة غير حكومية استنسخت هوية منظمة سويسرية حقيقية، واستخدامها لنشر تقارير ضد السودان في مجال حقوق الإنسان تم تقديمها باعتبارها صادرة عن مؤسسة مستقلة.

3- تأليف إفادات رسمية كاملة نيابة عن شخصين، لتقديمها خلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مع تعليمات صريحة تضمن ألا تتضمن أي من الإفادتين ذكراً للإمارات.

4- إجراء بحوث مفصلة وبناء ملفات عن 18 عضواً في البرلمان الأوروبي، إلى جانب شخصيات وصحفيين بارزين للهجوم عليهم او التأثير على مواقفهم.

5- إعداد ما وصفه التقرير بـ “counter-accountability dossiers”، أي «ملفات مضادة للمساءلة»، عن مقررين خاصين تابعين للأمم المتحدة كانوا قد انتقدوا سلوك الإمارات في السودان. ويبرز هذا الجانب أن العملية لم تستهدف تشكيل النقاش العام حول الحرب السودانية فحسب، بل امتدت أيضاً إلى الشخصيات والآليات الدولية المرتبطة بمساءلة الإمارات عن سلوكها في السودان.

وفي أهم نتائجه بشأن الجهة التي تقف خلف النشاط، يقول التقرير إن العملية صُممت بحيث يصعب تتبعها إلى منفذيها، إلا أن تحقيق الشركة توصل الي «ربطها بدرجة ثقة عالية بمسؤولين حكوميين إماراتيين». وأضافت الشركة أن ملف التعليمات المركزي المستخدم في إدارة العملية سمّى مسؤولين إماراتيين كباراً باعتبارهم من الجهة المقصودة لتلقي للمواد المنتجة. كما توصل التحقيق إلى أن منفذ العملية قام بتمويل شبكة حسابات التواصل الاجتماعي لتضخيم نشر المحتوى.

وتكشف النتائج كذلك عن انتحال واستخدام مباشر لهويات سودانية. فبحسب التقرير، كانت شبكة التضخيم ممولة ومنسقة مركزياً، وحرصت تعليماتها الداخلية على الحفاظ على صورة استقلالية و حياد الحسابات الوهمية في هذه الشبكة ووصفه بانه «أعظم أصولها الاستراتيجية»، بما يكشف حرص العملية على أهمية إخفاء طبيعتها الموجّهة ومصدرها الحقيقي.

والأكثر أهمية أن التقرير يوثق ان منفذي العملية قاموا بتزوير هوية منظمة سودانية حقيقية لحقوق الإنسان، وكتبوا إفادات كاملة لشخصين محددين لعرضها على مجلس حقوق الانسان، بحيث تصل مواد تخدم مليشيا الدهم السريع والرواية الاماراتية إلى الأمم المتحدة وكأنها صادرة عن شهود محليين مستقلين، لا عن حملة رسائل مرتبطة بالامارات.

ويوضح التقرير الذي اعده خبراء الشركة أن نموذج الذكاء الاصطناعي Claude تم استخدامه لتحويل توجيهات سياسية معدة مسبقاً إلى منتجات متعددة، من بينها تقارير تبدو استخبارية أو رسمية، وتقارير بهويات مؤسسات مستنسخة، وإفادات مكتوبة بالنيابة عن آخرين، وقوائم استهداف وملفات شخصية مفصلة، وكان بعض هذه المواد معداً للتسليم المباشر إلى مسؤولين إماراتيين كبار. وهكذا لم يعمل الذكاء الاصطناعي هنا مجرد أداة لتحرير النصوص، بل أصبح جزءاً من منظومة متكاملة لإنتاج المحتوى وتكييفه وتغليفه وإخفاء مصدره.

ويعرض التقرير مثالاً مباشراً على النشاط المتعلق بالسودان. ففي 4 يونيو 2026، نشرت مجموعة من حسابات منصة X/Twitter، تحت وسم #SudanIslamists، تغريدات شبه متطابقة تربط بين الحكومة السودانية وجماعة الإخوان المسلمين السودانية وتربطهم بعدم الاستقرار الإقليمي. وتضمنت المواد المعروضة في التقرير رسائل تربط الإسلاميين بالجيش السوداني وإيران، وتحمّلهم دوراً مفترضاً في إطالة أمد الحرب. ويورد Anthropic هذه الرسائل باعتبارها محتوى حملة التصليل التي كشفها،

وصنفت Anthropic العملية ضمن الفئة الثالثة على مقياس Breakout Scale، بما يعني أن نشاطها امتد عبر عدة منصات للتواصل الاجتماعي. وبعد اكتشاف النشاط، حظرت الشركة الحسابات المرتبطة به، وطورت آليات كشف تستند إلى بصمته السلوكية، وشاركت مؤشرات مرتبطة به مع شركائها في قطاع التكنولوجيا للمساعدة في منع تكراره.

ما يوثقه التقرير، على نحو محدد، هو عملية تأثير معلوماتي مرتبطة بمسؤولين حكوميين إماراتيين، استهدفت رواية الحرب في السودان وآليات المساءلة الأممية، واستخدمت حسابات زائفة، وواجهات حقوقية، وهويات سودانية، وإفادات مصممة لتبدو مستقلة عن الجهة التي تقف خلفها.

وبهذا المعنى، فإن ما وثقته Anthropic يتجاوز مجرد حملة رأي إلكترونية. إنه محاولة منهجية للوصول إلى موقع الشاهد نفسه: أن تُنتزع من السودانيين القدرة على رواية ما جرى لهم، ثم تعاد إليهم الرواية مكتوبة بصوت يبدو محلياً ومستقلاً، بينما تخفي وراءها جهة خارجية ذات مصلحة مباشرة في تشكيل كيفية فهم الحرب ومسارات مساءلتها.

والجبهتان اللتان اشتغلت عليهما العملية تبدوان متلازمتين: إعادة تشكيل الرواية عن أطراف داخل الحرب من جهة، واستهداف آليات المساءلة الدولية والأشخاص الذين انتقدوا الدور الإماراتي من جهة أخرى.

ولكن، يا للعار، حتى في التزوير مفضوحين.

امجد فريد الطيب

رابط التقرير كاملا :

⬇️

https://www.anthropic.com/threat-intelligence-report-september-2026

اترك رد