
لقد كان لقاء السيد الرئيس البرهان بملتقى الاعلاميين لحظة وطنية تاريخية مشبعة بالمعلومات الحديثة ومشبوبة بالعواطف الصادقة، ولكن من باب (الزول بونسو غرضه) دعوني أبدأ بالصنعة التي أعرفها والكار الذي قضيت فيه عمري.
لم أندهش من تكرار الشكوى من مشكلة الاعلام الدولي وصحافييه في إدعاء الحياد ثم ممارسة ما يشبه النصب والاحتيال في التقرب للسودان وربما زيارته ثم الغدر به. بل والحكومة حقيقة لا تدرك إلا 10% من المكر، ولا تعلم أن بعض الاصدقاء (ظاهريا) والمهنيين قد غدر بها أيضا، لأنه ينشر الصحيح ويسلم المادة السيئة لغيره، ولا تعلم الحكومة -على وجه الدقة- أنه لا فرق بين الناشط والعامل الإنساني والصحفي الدولي المحترف، لأن نشر التقرير في موقع منظمة له ذات أثر الخبر العالمي، بل هو المصدر الأقوى، والطريف أن هذا العامل يدخل السودان ويخرج بدون اي علاقة مع إدارات الاعلام الخارجي، لأنه ليس صحفيا ولكنه في الحقيقة صحفي يدخل عبر مفوضية العمل الإنساني، والامم المتحدة.
هذه ليست قاعدة عامة وهنالك تفاصيل يطول شرحها.
المهم، شكوى الرئيس اسمعها من كل مسئولي السودان منذ أول يوم دخلت في الصحافة وكتبت في باللغتين العربية والانجليزية، ولذلك أقول وبكل ثقة الحكومة هي المخطئة في التعامل مع الاعلام الدولي، والآن السيد الرئيس يواجه أخطاء ومفاهيم موروثة تراكمت قبله، وزادت مع قحت أضعافا، وهنالك من ارتبطت مصالحهم باستمرار الاخطاء، وكتبنا من قبل ونكتب الآن على شرف هذا الملتقى الناجح الموسع للصحفيين والاعلاميين في خرطوم الصمود.
وأقول -وبالله التوفيق- افتراض أن التعامل مع الاعلام الدولي يتم ب(المناولة اليدوية) مع شخص محدد أو وفد محدد خطأ كبير، هذا جزء بسيط من التعامل ولن يتم بصورة سليمة أبدا إلا بعد حدوثه في السياق الكلي، وبعد تجهيز (عدة الشغل الحكومية) الكاملة، بالذات في مجال (الخط الخبري) وتدفق التقارير.
لنضرب مثالا، لو هنالك صحفي نرويجي سمع بزلزال في نيكاراغوا، فإن أول جهة يرغب في الحديث اليها فورا هي المتحدث الرسمي، أو الوزير المعني، أو وحدة الطواريء المشرفة على إنقاذ الضحايا، أو أي شخص له صفة مشابهة، وبالعدم سفير نيكاراغوا في النرويج.
ربع الخبر الأول، نعم ربع الخبر الأول، محجوز دائما للرواية الرسمية مجانا، نعم مجانا ولو وجد صرف فهو على فصل أول-موظفين، و فصل ثاني نثريات، ومهمات وبعض اللوجيستكس.
لا يوجد فصل ثالث، تمويل برامج، لأن الصرف ليس لشراء المساحة الخبرية التي هي محجوزة تماما للحكومة بالتزامن مع الحدث.
لا أدري كم مرة أكرر هذا الحديث، ولا أفهم هل توجد شركات أو عصابات كوميشنات تبيع للحكومة الطير في الهواء، أو السمك في البحر.
هي يا سيدي الرئيس، ويا أيها الطاقم الهمام من الشخصيات التي لا أدري هل ترغب في ذكر إسمها أم لا، هي مساحة مجانية وفق هذه المطلوبات:
1- ان يتم التفاعل خلال ما يسمى بالساعة الذهبية الأولى، the Golden Hour وهو مصطلح معروف في إدارة الازمات وانتقل الى دنيا الاعلام، وهو ليس ساعة بمعنى 60 دقيقة، لأن بعض الوكالات الدولية تعتبر فترة نشر الخبر 7 دقائق فقط، وبعضها 20 دقيقة، أو على الاقل تحديد الضيف والمتحدث خلال هذه الفترة وتسليمه الرابط وجدولة اللقاء.
عنصر الزمن والجاهزية حاسم وقاتل، لذلك هي لحظة ذهبية لا تعوض إطلاقا.
لا يوجد أي عذر يمنح الحكومة أو أي جهة الحق أن تعطل الميديا من النشر، وتتمنى أن بكون على راحتها وجدولها، وتقول للميديا الدولية اجعلوا الساعة عشرة أيام.
في العدم، سيلجأ الصحفي لأي مصدر آخر ذي صلة يتحدث معه.
2- مواقع الدولة الالكترونية، وكالات وصحف، ذات التحديث المستمر غير كافية، نعم هي مفيدة، وتعتبر (هوادي) للاعلاميين الدوليين، لكنها غير كافية، لأن المؤسسات الكبيرة لا تميل للنقل منها، وتعتبرها Second Hand Information وتقول هنالك صحفيا استنطق المصدر وكتب وهذه جهده وجهد مؤسسته، لا بد من اتصال طازج بذات المصدر حتى لو كرر ذات المعلومات، ويجوز الاعتماد لاحقا على التفاصيل من الموقع بعد اقتطاف الثمرة الناضجة الطرية.
3- المغالطة والتشكيك من الصحفي المتصل أو المحاور ليس بسبب سوء النية، هو حق أصيل للصحافة، كما من حق ضابط المباحث التحقيق مع زوجة القتيل وابنه وبنته وصاحبه، سينظر لهم ويحدق في وجههم ويربكهم بالاسئلة، وكما يجوز للطبيب أن يسألك عن طبيعة أكلك ويتحسس جسدك ويضرب ركبتك بالمطرقة. انزعوا من رؤوسكم فكرة (دا صحفي قليل أدب) وقاصد يشكك في الرواية الحكومية، هو مخبر ومحقق ومشكك وليس مجرد (ناقل)، في الغالب، هذه طبيعة مهنته وليس لديه عداوة للسودان أو نيكاراغوا، لذلك يجب الاستعداد بأدوات الجدل والحضور الساطع بدلا من الشكوى من الصحفيين وأساليبهم.
4- التصريح والنقاش مع الصحافة الدولية يتم في أي لحظة لكن لديه مواسم ومحافل وأسواق مفتوحة، لديه قواعد لعبة، وخلافات بين المؤسسات الاعلامية، ونقاط تسلل، وأبواب خلفية.
بمعنى أن الخط الساخن مطلوب للتجاوب، ولكن توجد نقاط ساخنة مثل مؤتمر قمة يحضره 300 صحفي، وهنا احتمالية التعرض والاشتباك عالية جدا. لاحظ أن الحكومة لا تدفع ولا فلسا واحدا لهذا العدد الكبير في المحافل، ولكن مطلوب منها وجود مصدر متحدث أو أكثر للتفاعل.
بناء على ما تقدم ونقاط أخرى لا أريد أن أزحم بها القاريء الكريم، هنالك (عدة شغل) وهي ليست متحدث الحكومة وحده، وانما شبكة مصادر ومتحدثين متخصصين، وحضور في المحافل والمواسم.





