قوى الحرية والتغيير في السودان: من شرعية الثورة إلى أزمة المشروع السياسي!؟

قراءة تقييمية في التحالفات والسلطة والتدخل الخارجي والتشظّي (2019–2026)
مقدمة: بين الثورة ومشروع الحكم
إذا كان المقال الأول قد تناول نشأة قوى الحرية والتغيير وتطورها وتحالفاتها وانقساماتها، فإن استكمال الصورة يقتضي الانتقال من التوثيق التاريخي إلى التقييم السياسي والاستراتيجي للتجربة. فالسؤال لم يعد مقتصراً على كيف نشأ هذا التحالف، أو كيف نجح في التعبير عن قطاع واسع من الحراك الشعبي الذي أطاح بنظام عمر البشير في أبريل 2019، بل أصبح متعلقاً بما أنجزه حين اقترب من السلطة، وبمدى قدرته على تحويل الشرعية الثورية إلى مشروع وطني مستدام لإدارة الدولة.
لقد مثلت (ثورة ديسمبر 2018 – أبريل 2019 ) لحظة فارقة في التاريخ السياسي السوداني؛ إذ عبّرت عن تراكم طويل من المظالم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وعن تطلع قطاعات واسعة من السودانيين إلى إنهاء هذه الحقبة وإقامة دولة مدنية تقوم على الحرية والسلام والعدالة. وفي قلب هذا الحراك برزت تشكيلات قوى الحرية والتغيير بوصفها مظلة سياسية جمعت أحزاباً وقوى مهنية ومدنية ومكونات من المجتمع السياسي السوداني، وأسهمت في تقديم قيادة تفاوضية للحراك.
غير أن شرعية قيادة الثورة لا تعني بالضرورة امتلاك مشروع مكتمل للحكم، كما أن النجاح في حشد الشارع لا يضمن القدرة على إدارة مؤسسات الدولة أو بناء التوافقات اللازمة للانتقال. ومن هنا تبدأ المفارقة الأساسية في تجربة قحت: تحالف امتلك قدرة معتبرة على التعبئة والضغط السياسي والتحشيد، لكنه واجه صعوبات عميقة حين انتقل من معارضة النظام إلى المشاركة في إدارة الدولة، ومن وحدة الشعارات إلى تعقيدات المصالح وتباين الرؤى.
أولاً: من التحالف الاحتجاجي إلى معضلة التمثيل السياسي
تكوّنت قوى الحرية والتغيير من طيف سياسي متباين، جمع بين أحزاب تقليدية، وقوى سياسية حديثة، وتجمعات مهنية، وشخصيات مستقلة، ومكونات مدنية أخرى. وقد أتاحت هذه الصيغة الواسعة للتحالف توحيد قدر من المطالب حول إسقاط النظام وإقامة حكم مدني، لكنها أخفت في الوقت نفسه اختلافات جوهرية في المرجعيات الفكرية، والأولويات الاقتصادية، وطبيعة الدولة المنشودة، والعلاقة بالمؤسسة العسكرية، وحدود التسوية السياسية الممكنة.
كان التحدي الأول أن التحالف لم يكن حزباً سياسياً موحداً، ولا جبهة انتخابية ذات برنامج تفصيلي متفق عليه، وإنما إطاراً تنسيقياً يضم قوى تختلف في حجمها الجماهيري وامتداداتها الاجتماعية وقدرتها التنظيمية. ولذلك لم يكن من المستغرب أن تتباين مواقف مكوناته بمجرد الانتقال إلى مناقشة تقاسم السلطة، وتحديد أولويات الحكومة الانتقالية، وتوزيع المناصب، وتقرير العلاقة بين المدنيين والعسكريين.
وهنا برزت إشكالية التمثيل: هل كانت قحت تمثل جميع القوى التي شاركت في الثورة، أم أنها كانت المظلة السياسية الأبرز بين مظلات وواجهات متعددة؟ وهل كانت شرعيتها الثورية كافية لتفويضها بإدارة مرحلة انتقالية طويلة، من دون آليات انتخابية أو توافق وطني أوسع يحدد حدود التفويض ومراجعته؟
لا تنتقص هذه الأسئلة من دور التحالف في لحظة (الثورة)، لكنها تضع تجربته في إطارها الصحيح؛ فالتفويض الشعبي الذي يتشكل في لحظات الاحتجاج يظل بحاجة إلى مؤسسات وقواعد سياسية واضحة حتى يتحول إلى شرعية مستدامة للحكم، والي حاضنة داخلية متماسكة.
ثانياً: التحالفات الداخلية وتناقضات المشروع
لم تكن أزمة قحت في تعدد مكوناتها وحده، بل في طبيعة العلاقة بينها. فقد جمعت المظلة الواحدة قوى تتفق على إسقاط النظام، لكنها لا تتفق بالضرورة على المنطلقات وطبيعة النظام البديل، أو على حدود التسوية مع المؤسسة العسكرية، أو على العلاقة بين المركز والأقاليم، أو على شكل الاقتصاد السوداني ومستقبل مؤسساته، وقضايا الثروة والسلطة.
كما كشفت التحالفات اللاحقة عن فجوة بين التمثيل السياسي والوزن الاجتماعي الفعلي لبعض المكونات، وعن صعوبة تحقيق التوازن بين الأحزاب التاريخية والقوى المهنية والشبابية والمستقلة. ومع اتساع الخلافات، أصبح التوافق الذي صنعته مواجهة النظام السابق أقل قدرة على الصمود أمام اختبار السلطة وتوزيع المسؤوليات، واستحقاقات الشعب وأولوياته .
وكانت المشكلة الأعمق أن الخلافات لم تُحسم دائماً عبر مؤسسات داخلية شفافة، أو من خلال برنامج ملزم وآليات واضحة لاتخاذ القرار. وبدلاً من تطوير التحالف إلى جبهة سياسية ذات قواعد متفق عليها لإدارة الاختلاف، أخذت التباينات تتسع، وظهرت اصطفافات متنافسة حول القيادة والتفاوض والعلاقة بالمكون العسكري.
وهكذا تحولت المرونة التي ساعدت قحت على توحيد أطياف متباينة في مرحلة الثورة إلى نقطة ضعف جوهرية حين أصبح مطلوباً منها اتخاذ قرارات ملزمة في قضايا الدولة والحرب والسلام والاقتصاد والوجهة المستقبلية للدولة.
ثالثاً: الانتقال إلى السلطة واختبار الكفاءة السياسية
أفرزت التسوية التي أعقبت سقوط البشير ترتيبات انتقالية تقاسمت بموجبها القوى المدنية والمكون العسكري السلطة، في ظل تحديات اقتصادية وأمنية ومؤسسية هائلة. ولم تكن تلك البيئة سهلة؛ فقد ورثت الحكومة دولة مثقلة بالأزمات، واقتصاداً هشاً، ومؤسسات متداخلة الولاءات والصلاحيات، ومراكز قوة عسكرية وأمنية لا تخضع جميعها لسلطة مدنية متكاملة. الي جانب التدخلات الخارجية وأجنداتها.
لكن صعوبة الظروف لا تعفي القوى السياسية من تقييم خياراتها. فقد كان متوقعاً من تحالف قاد التغيير أن يضع برنامجاً واضحاً للأولويات العاجلة، وأن يعزز التوافق الوطني، وأن يبني مؤسسات قادرة على إدارة الانتقال، وأن يحدد بوضوح العلاقة بين السلطة المدنية والمكونات العسكرية، ويخاطب البعد الخارجي والجوار.
وفي هذا السياق، واجهت تجربة قحت انتقادات تتعلق ببطء معالجة الأزمات المعيشية، وضعف التواصل مع قطاعات اجتماعية خارج دوائرها السياسية، وتراجع القدرة على استيعاب القوى غير المنضوية تحت مظلتها، فضلاً عن الخلافات بشأن تعيين المسؤولين وإدارة مؤسسات الدولة.
ولا يصح تحميل التحالف وحده كامل مسؤولية إخفاقات المرحلة؛ فقد كان شريكاً في سلطة غير متكافئة، ولم يمتلك التجربة والسيطرة المنفردة على أدوات القوة والاقتصاد والأمن. غير أن محدودية سلطته الفعلية كانت تقتضي منه بناء تفاهمات وطنية أوسع، لا الاكتفاء بالتنافس على المواقع داخل ترتيبات لم تُحسم فيها مسألة السيادة على مؤسسات الدولة، وانشغال قحت بهوامش القضايا والكراسي.
لقد ظهر التناقض بين امتلاك شرعية الثورة والقدرة على الحكم. فالأولى تمنح صاحبتها حقاً سياسياً وأخلاقياً في المشاركة، لكنها لا تغني عن الكفاءة المؤسسية، ولا عن التوافق، ولا عن إخضاع مراكز القوة لقواعد دستورية وقانونية متعارف ومتفق عليها.
رابعاً: العلاقة بالمكون العسكري وأزمة الشراكة
كانت العلاقة بين قحت والمكون العسكري إحدى أكثر قضايا الانتقال تعقيداً. فقد قامت التسوية على شراكة اضطرارية بين طرفين مختلفين في مصادر الشرعية ومراكز القوة والأهداف النهائية. فبينما استندت القوى المدنية إلى الثورة والمطالبة بالحكم المدني، امتلك المكون العسكري أدوات القوة المنظمة وشبكات النفوذ داخل الدولة ومطلوبات السيطرة.
ولم تكن هذه الشراكة متكافئة من حيث القدرة على فرض القرارات أو التحكم في المؤسسات الأمنية والاقتصادية. كما أن الخلاف بشأن إصلاح القطاع الأمني، وتوحيد القوات المسلحة، والولاية على الأجهزة العسكرية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ظل من أبرز ملفات التوتر.
وفي المقابل، لم تتمكن القوى المدنية من بناء موقف موحد ومستقر بشأن كيفية التعامل مع المكون العسكري: بين التصعيد والضغط الشعبي، والتفاوض، والتسوية المرحلية، والمطالبة بنقل كامل للسلطة. ومع اتساع الانقسامات داخل قحت، أصبحت إدارة العلاقة بالمؤسسة العسكرية أكثر تعقيداً، وتراجعت القدرة على التفاوض من موقع مدني موحد.
ثم جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021 أو ما عرف بتصحيح المسار ليكشف هشاشة الترتيبات الانتقالية، ويعيد الصراع على السلطة إلى نقطة أكثر خطورة. وقد مثّل الانقلاب انتكاسة للمسار المدني، و كشف أيضاً أن التوافقات السابقة لم تنجح في بناء ضمانات مؤسسية تحمي الانتقال، أو في حسم العلاقة بين السلطة المدنية ومراكز القوة العسكرية وأولويات المرحلة.
خامساً: العامل الخارجي واستقلال القرار الوطني
لا تكتمل قراءة تجربة قحت من دون فحص الدور الخارجي الذي أحاط بنشأتها وصعودها وممارستها السياسية. فالسودان، بحكم موقعه الجيوسياسي وثرواته وجواره وارتباطاته الإقليمية والدولية، ظل ساحة تنافس تتقاطع فيها مصالح قوى كبرى متعددة، من دول الجوار إلى القوى الخليجية والغربية، فضلاً عن المؤسسات الدولية.
وقد تزامن الحراك الشعبي مع تحركات دبلوماسية مكثفة. ففي مايو 2019، أثار دخول المدنيين للبعثات الدبلوماسية وزيارات دبلوماسيين أوروبيين وأمريكيين إلى ساحة اعتصام القيادة العامة اعتراضات رسمية سودانية، ودعت وزارة الخارجية البعثات الغربية إلى احترام السيادة والأعراف الدبلوماسية والقانون الدولي. ولم تكن هذه الواقعة مجرد تفصيل بروتوكولي، بل كشفت عن اختلاف واضح في فهم حدود الحضور الدبلوماسي داخل أزمة انتقالية لم تستقر مؤسساتها بعد.
كذلك انخرطت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في اتصالات وتحركات سياسية بشأن مستقبل السودان. وأعلنت الدولتان في أبريل 2019 حزمة دعم بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وُجهت إلى السودان في أعقاب سقوط البشير، وشملت وديعة للبنك المركزي ومساعدات عينية. وقد وُجهت انتقادات لهذه الخطوة باعتبارها دعماً للمجلس العسكري الذي تولى السلطة، وأثارت مخاوف من توظيف المساعدات الاقتصادية في التأثير على توازنات المرحلة الانتقالية. كما شهدت تلك الفترة اتصالات ولقاءات مع قوى سودانية، من بينها مكونات مرتبطة بالحراك المدني، بشأن مواقف الأطراف ومستقبل الانتقال.الي جانب المواقف الكاشفة التي كانت عليها بريطانيا والولايات المتحدة، مما كان يجري على الارض وحجم التنسيق بين القوى الخارجية وانعكاساته الجلية عقب حرب ابريل ٢٠٢٣.
وفي هذا السياق، تبرز روايات وشهادات سياسية بشأن اجتماعات داخل مقار بعثات دبلوماسية بالخرطوم، وأدوار خارجية في دعم أنشطة الاعتصام اليومية وتمويل بعض احتياجاته. وهذه الادعاءات، متى أُسندت إلى وثائق أو شهادات محددة، تستحق أن تكون جزءاً من التقييم التاريخي لتجربة قحت، لا سيما في ما يتصل بحدود العلاقة بين الدعم السياسي واللوجستي والتأثير في القرار الوطني وشواهده. كما أن حضور دبلوماسيين في ساحة الاعتصام، والاتصالات المعلنة مع أطراف الأزمة، يفرضان أسئلة مشروعة حول طبيعة هذا التأثير ومداه.
غير أن التحليل الاستراتيجي يقتضي التمييز بين الوقائع الموثقة، مثل الزيارات الدبلوماسية والمساعدات المعلنة والاجتماعات السياسية، وبين الادعاءات الأكثر تحديداً بشأن تمويل الاعتصام بالكامل أو إدارة قرارات التحالف من الخارج. فهذه المسائل لا تُحسم بالاستنتاج وحده، وإنما بالأدلة والوثائق والشهادات القابلة للتحقق.
وما ظل يتردد في الأوساط السياسية والشعبية الداخلية على هذا الصعيد والدعم المادي الذي ظل يتلقاه حمدوك لمكتبه.
وتزداد أهمية هذا الملف عند النظر إلى فض اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو 2019. فقد وثقت منظمات حقوقية وتحقيقات مستقلة مشاركة قوات الدعم السريع و أخرى في الهجوم العنيف على المعتصمين، وما نتج عنه من قتل وإصابات واعتداءات جسيمة. وأثارت الواقعة تساؤلات واسعة حول مواقف القوى الإقليمية والدولية، ومدى قدرتها أو استعدادها للتأثير في مسار الأزمة قبل وقوع المجزرة وبعدها.
ولا يعني الربط بين هذه الوقائع أن الثورة السودانية كانت صناعة خارجية؛ فقد انطلقت من مظالم حقيقية وإرادة شعبية واسعة، لكنها اختطفت وانحرفت عن المسار وتطلعات الشعب. كما لا يجوز اختزال مسؤولية فض الاعتصام في طرف خارجي دون دليل مباشر يثبت دوره في التخطيط أو التنفيذ. لكن من المشروع مساءلة طبيعة العلاقات الخارجية للأطراف السودانية، وكيف أثرت المصالح الإقليمية في موازين القوة، وفي ترتيبات الانتقال، وفي قدرة القوى المدنية على الحفاظ على استقلال قرارها.
إن القضية الاستراتيجية هنا ليست في وجود علاقات خارجية بحد ذاته، فذلك أمر طبيعي في العلاقات الدولية، وإنما في حدود هذه العلاقات، ومدى شفافيتها، وما إذا كانت تخدم المصلحة الوطنية أو تتيح لقوى خارجية ترجيح كفة طرف على آخر. ومن ثم، فإن تقييم قحت يقتضي دراسة العامل الخارجي وتعاملها المعلن مع. بعض القوى الراعية لها، إلى جانب مسؤولية النخب السودانية عن خياراتها، بعيداً عن إنكار التأثير الدولي أو اتخاذه ذريعة لإعفاء الفاعلين المحليين من المسؤولية التشاركية والفساد المالي والأخلاقي وتأثيره السلبي على الشباب وافرقة المقاومة والنتيجة النهائية التي خلصت.
سادساً: الاتفاق الإطاري ومحاولة استعادة المسار المدني
بعد ما سمي بانقلاب أكتوبر 2021، دخلت القوى السياسية السودانية مرحلة جديدة من التفاوض حول مستقبل الانتقال. وفي ديسمبر 2022، وقّعت قوى مدنية وعسكرية الاتفاق السياسي الإطاري، الذي استهدف فتح الطريق أمام عملية سياسية جديدة وتشكيل سلطة مدنية.
وقد عكس الاتفاق محاولة لإعادة بناء المسار الانتقالي، لكنه لم ينجح في إنتاج توافق وطني شامل. فقد بقيت قوى سياسية واجتماعية خارج العملية أو معارضة لها، واستمرت الخلافات بشأن قضايا جوهرية، من بينها إصلاح القطاع الأمني والعسكري، ودمج قوات الدعم السريع، وترتيبات القيادة والسيطرة، والعدالة الانتقالية، وموقع المؤسسة العسكرية في الدولة المستقبلية.
كما واجه الاتفاق انتقادات بشأن قاعدة المشاركة السياسية، ومدى تمثيله للتنوع السوداني، وقدرته على معالجة جذور الأزمة بدلاً من إعادة ترتيب السلطة بين القوى الأكثر حضوراً في التفاوض، واحتكارية المفهوم المدني ومغانم الثورة السلطوية في غياب الخبرة والكفاءة.
وفي هذا الإطار، ينبغي النظر إلى الاتفاق الإطاري باعتباره محاولة سياسية مبتسرة لم تُستكمل، لا باعتباره سبباً وحيداً للحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023. فقد تداخلت في اندلاع الحرب عوامل عسكرية ومؤسسية وسياسية متراكمة، وفي مقدمتها ازدواج القوة المسلحة، وتضارب مراكز القرار، والخلاف على ترتيبات الدمج وإعادة الهيكلة، وفشل الانتقال في بناء سلطة وطنية قادرة على احتكار استخدام القوة وفق القانون. ونفوذ بعض القوى الخارجية والرعاية الاقليمية للتمرد وتشابكاتها الأخرى فيما عرف بالرباعية الاولى والثانية والخماسية وغيرها من آليات التطواف الخارجي دونما جدوى والانصراف عن هموم المواطن.
لكن مسؤولية القوى السياسية تظل قائمة في تقييم مدى نجاحها في إدارة التفاوض، وتوسيع قاعدة التوافق، ومعالجة مخاطر الشراكة العسكرية، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى مواجهة مسلحة مدمرة وهذا ما وقع بالفعل.
سابعاً: الحرب وتفكك التحالف
أحدثت الحرب المركبة التي فرضت على البلاد واندلعت في أبريل 2023 تحولاً جذرياً في المشهد السوداني، وأعادت تشكيل التحالفات السياسية ومراكز النفوذ ومواقف القوى المدنية. فقد انقسمت القوى التي كانت تلتقي سابقاً تحت مظلة قحت حول توصيف الحرب، ومواقفها من القوات المسلحة وقوات الدعم السريع المتمردة، وشروط وقف القتال، وطبيعة السلطة والتسوية التي ينبغي أن تدير المرحلة التالية.
ومع اتساع الانقسام، تراجعت قدرة التحالف على تقديم موقف موحد بشأن قضايا السيادة ووحدة الدولة، والنظام الموازي ومستقبل المؤسسات العسكرية، والعدالة والمحاسبة، وترتيبات السلام. كما أثارت مواقف بعض مكوناته من أطراف الحرب أسئلة حول مدى اتساقها مع الشعارات التي رفعتها خلال الثورة، ولا سيما بناء جيش وطني موحد وإقامة دولة مدنية مستقلة.
ولا يجوز تفسير جميع الخلافات في هذا السياق بوصفها دليلاً على التخلي عن المبادئ؛ فقد اختلفت التقديرات بشأن وقف الحرب، وحماية المدنيين، وشروط التفاوض، ومسؤوليات الأطراف المسلحة. غير أن الانقسامات كشفت غياب مرجعية سياسية موحدة وآليات مؤسسية قادرة على إدارة الاختلاف في لحظة تتطلب أعلى درجات التوافق الوطني.
وهكذا، لم تعد أزمة قحت مجرد خلاف على القيادة أو توزيع المواقع، بل أصبحت خلافاً على طبيعة الدولة واستقرارها ، وعلى العلاقة بين المدنيين والعسكريين، وعلى كيفية إنهاء الحرب، وعلى حدود التسوية الممكنة، وعلى تعريف المصلحة الوطنية في ظل التدخلات الإقليمية والدولية، واحكام قبضتها على المشهد عبر بعثة يونيتامس، والمبعوث الاممي لاحقا، وتمرير الرواية التي فرضتها الإمارات داخل مجلس الامن على الرواية الوطنية وهيمنتها على المشهد الولي.
ثامناً: من شعارات الثورة إلى حصيلة التجربة
رفعت ثورة ديسمبر شعارات الحرية والسلام والعدالة، وهي شعارات عبّرت عن تطلعات وطنية عميقة لا تخص حزباً أو تحالفاً بعينه. ولذلك لا ينبغي قياس تجربة قحت بمدى قدرتها على احتكار هذه الشعارات، وإنما بمدى نجاحها في تحويلها إلى مؤسسات وسياسات وممارسات قابلة للاستمرار.
فالحرية تقتضي نظاماً دستورياً يحمي الحقوق ويضمن تداول السلطة، والسلام يستلزم معالجة جذور النزاعات وبناء مؤسسات أمنية وطنية، والعدالة تتطلب استقلال القضاء ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، فضلاً عن إصلاح اقتصادي يخفف أعباء المعيشة ويحمي الفئات الأضعف لا حماية المصالح والفساد.
ومن هذه الزاوية، كشفت التجربة عن فجوة بين قوة الخطاب الثوري وضعف القدرة على بناء توافق سياسي مستدام، وبين المطالبة بالحكم المدني وصعوبة إخضاع مراكز القوة المسلحة لسلطة الدولة، وبين الدعوة إلى الاستقلال الوطني وتعقيدات العلاقة مع القوى الخارجية.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي عدم تحميل قحت وحدها نتائج مسار شاركت فيه أطراف عسكرية وأمنية وسياسية متعددة، في ظل اختلالات بنيوية ورثتها الدولة السودانية من عقود طويلة من الحكم السلطوي والحروب. كما لا يجوز تجاهل ما واجهته القوى المدنية الأخرى من واقع وقمع وحرب وقيود على نشاطها السياسي.
لكن الاعتراف بهذه الظروف لا يلغي ضرورة النقد والمساءلة. فالقوى التي تتقدم لقيادة التغيير واحتكار القيادة مطالبة بأن تخضع تجربتها للتقييم خاصة تجربة التمكين بالاقصاء والتهميش ، والممارسات البشعة خارج القانون والفساد ومصادرة الأجهزة المدنية واستبدال الولاء بولاء جديد لا المواطنة والكفاءة والخبرة ، وأن تراجع أخطاءها التنظيمية والسياسية، وأن تميز بين ما فرضته الظروف وما نتج عن اختياراتها الفجة، وبين ما أفشلته مراكز القوة وما عجزت هي عن إنجازه.
قحت والفشل كنهاية حتمية
لا يمكن قراءة تجربة قوى الحرية والتغيير بمعزل عن مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية والتاريخية عن تعثّر الثورة، وإهدار جانب كبير من تطلعات الشعب السوداني الذي خرج طلباً للحرية والسلام والعدالة، لا لاستبدال استبداد بآخر أو احتكار ثمار الثورة باسمها. فقد أسهم نَهَم بعض مكوناتها للسلطة، وتغليب المحاصصات والصراعات على بناء الدولة، وغياب الرؤية الكلية والمشروع الوطني التوافقي، ولو في حدّه الأدنى، والبرامج المتفق عليها لإدارة الانتقال، في إضعاف الحاضنة المدنية وتفكيك الثقة الشعبية، وفتح الأبواب أمام خيارات أشد خطورة على الدولة والثورة معاً. وزاد الأمر تعقيداً ما أحاط بالمرحلة الانتقالية من نفوذ خارجي، وما أتاحه حضور بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) من مساحات للتأثير الدولي في أجندة الانتقال ومساراته، وإن كان تقدير حجم ذلك التأثير ومسؤوليات أطرافه يقتضي التمييز بين الوقائع الموثقة والقراءات السياسية. وهكذا، لم يكن إخفاق التجربة نتيجة مؤامرة خارجية وحدها، ولا مؤامرة داخلية وحدها، بل حصيلة تفاعل اختلالات الداخل مع ضغوط الخارج، حين غابت الإرادة الوطنية الجامعة، وتقدمت المنافسة على السلطة على التوافق حول الدولة. وتلك هي المفارقة الكبرى: أن قوى رفعت شعار إنقاذ الثورة أسهمت، بأخطائها وانقساماتها وعجزها عن إنتاج مشروع وطني جامع، في تبديد فرصها وإفساح المجال أمام مآلات أشد كلفة على السودان وشعبه ليس اقلها الإطاري أو الحرب المدمرة التي تجاوزت الثلاثة أعوام ونصف.
خاتمة: الدروس المستفادة: حين تتقدم أجندة السلطة على مشروع الوطن
لعل الدرس الأثقل من تجربة قوى الحرية والتغيير، بكل مسمياتها وتحالفاتها وتحولاتها، أن الثورات لا تُهزم بالقوة وحدها، بل قد تُجهض أيضاً حين تعجز قياداتها عن تحويل الزخم الشعبي إلى مشروع وطني جامع، وتستبدل بأجندة الداخل التعويل على الرافعات الخارجية، تسويقاً ورعايةً وتمويلاً ونفوذاً. لقد كشفت التجربة عن فجوة بين قطاعات من القيادات السياسية وواقع الأمة وتطلعاتها، وعن غياب الحد الأدنى من التوافق على إدارة الانتقال وبناء الدولة، في مقابل التنافس المحموم على السلطة والمحاصصات، بما أضعف الثقة الشعبية وبدّد فرصاً تاريخية كان يمكن أن تجنّب السودان كثيراً من مآسيه. ومع استمرار الحرب واتساع كلفتها الإنسانية والوطنية، وتزايد ما تكشفه التقارير والشواهد عن ضلوع أطراف دولية وإقليمية، ودول وكيانات وشبكات تمويل ومؤسسات وأفراد ومرتزقة، بدرجات وصور متفاوتة، في الرعاية أو التمويل أو التسليح أو الإسناد اللوجستي والإعلامي لأطراف الصراع، لم يعد ممكناً فصل المأساة السودانية عن تشابك المصالح الداخلية والخارجية. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى فحص الصلات السياسية والإقليمية والدولية التي ربطت بعض مكونات قحت، عبر مراحلها ومسمياتها المختلفة، بجهات راعية ومؤثرة في المشهد السوداني، دون افتراض تطابق جميع مكوناتها أو اختزال مواقفها في مسار واحد لعب أدوار بعينها؛ فالعبرة بما تثبته الوقائع من تقاطعات في الأجندات والمواقف والخيارات، لا بمجرد الاتهامات. كما يستوجب ذلك مراجعة أثر بعثة يونيتامس وحدود دورها، ومدى اتساع مساحة التأثير الخارجي في توجيه المرحلة الانتقالية، في ضوء ما يمكن توثيقه من وقائع وممارسات.
إن الدرس الاستراتيجي الأهم هو أن السيادة لا تُصان بالشعارات، وأن الشرعية الشعبية لا تُستعار من الخارج، وأن من يعوّل على الرعاة أكثر مما يعوّل على شعبه وخياراته قد يجد نفسه أسيراً لأجنداتهم، ولو ظن أنه يوظفهم لمصلحته. وحين تتقدم شهية السلطة على مسؤولية القيادة، ويتراجع المشروع الوطني أمام حسابات المحاور، تصبح الثورة ساحة تنازع، وتتحول الدولة إلى جائزة يتنافس عليها الفاعلون في الداخل والخارج. وقد دفع الشعب السوداني، ولا يزال، الثمن الأفدح: دماً ونزوحاً ولجوءاً ودماراً وانهياراً في مقومات الحياة. ومن ثم، فإن تجاوز المأساة لا يكون بإعادة تدوير التحالفات والأسماء ذاتها، ولا بإقصاء طرف لمصلحة آخر، وإنما بمراجعة وطنية شجاعة تعترف بالأخطاء والمسؤوليات، وتكشف التدخلات وفق الأدلة، وتعيد القرار إلى السودانيين، وتؤسس لتوافق لا يستهدف اقتسام السلطة فحسب، بل الاتفاق على الدولة ومؤسساتها وسيادتها ووحدة ترابها واحتكارها المشروع للسلاح. فالسودان أكبر من قحت، وأكبر من أي حزب أو مكوّن أو محور؛ والثورة التي لا تنتج مشروعاً وطنياً ناهضاً يحمي الدولة، ولا قيادةً تستمد شرعيتها من الداخل، تظل عرضة لأن تُختطف باسم الشعب، ثم يُترك الشعب وحده ليدفع ثمن الاختطاف في أبشع مقتلة وأنهيار!؟.
—————-
٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ م.
تقدم تجربة قوى الحرية والتغيير درساً مهماً في السياسة السودانية: إن إسقاط نظام سياسي لا يعني بالضرورة بناء نظام بديل قادر على إدارة الدولة، وإن وحدة القوى في مواجهة خصم مشترك لا تضمن استمرار وحدتها بعد الوصول إلى السلطة. كما أن الشرعية الثورية، مهما اتسعت، تحتاج إلى برنامج واضح، ومؤسسات داخلية ديمقراطية، وقاعدة اجتماعية واسعة، وتوافق وطني، واستقلال في القرار.
لقد أسهمت قحت في لحظة تاريخية مهمة من تاريخ السودان، لكنها واجهت تحديات عميقة في الانتقال من المعارضة إلى الحكم، وفي إدارة العلاقة بالمكون العسكري، وفي توسيع قاعدة التمثيل السياسي، وفي التعامل مع النفوذ الخارجي، ثم في مواجهة الانقسام والحرب.
ومن هنا، فإن التقييم الموضوعي لا يقتضي إدانة التجربة بكاملها أو تبرئتها بكاملها، بل يتطلب تفكيك مساراتها وقراراتها ونتائجها، وتحديد مسؤولية كل طرف في ضوء الوقائع والأدلة. فالتدخل الخارجي، متى ثبت أثره، لا يلغي مسؤولية النخب الوطنية، كما أن مسؤولية النخب لا تبرر تجاهل محاولات التأثير الخارجي في مستقبل السودان.
وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون السؤال: من امتلك شعارات الثورة أو تحدث باسمها؟ بل: من استطاع تحويل تطلعات السودانيين إلى مؤسسات تحمي الدولة والمجتمع، وتصون السيادة، وتمنع احتكار السلطة والسلاح، وتفتح الطريق أمام سلام مستدام وحكم مدني قائم على الإرادة الشعبية؟
فالأوطان لا تُبنى بمجرد إسقاط الأنظمة، ولا تُصان بالتحالفات المؤقتة، وإنما بقدرة القوى السياسية على تحويل شرعية التغيير إلى مشروع وطني جامع، يجعل استقلال القرار وسيادة القانون ووحدة الدولة فوق مصالح الأحزاب والأفراد والتحالفات.
ملاحظات تحريرية قبل النشر
أرى أن المقال أصبح الآن مترابطاً في بنيته، لكن هناك ثلاث نقاط تستحق العناية في النسخة النهائية:
• التدخل الخارجي: الزيارات الدبلوماسية إلى الاعتصام، والتنبيه الرسمي للبعثات، والدعم السعودي والإماراتي المعلن للمجلس العسكري وقائع يمكن إسنادها بمصادر منشورة. أما التمويل الكامل للاعتصام أو وجود تنسيق خارجي مباشر لإدارة قرارات قحت، فيحتاج إلى إيراد الوثائق أو الشهادات المحددة التي تستندون إليها، حتى تُعرض الحجة بأقصى قوة مهنية.
• فض الاعتصام: من المهم الإبقاء على التمييز بين المسؤولية الموثقة لقوات الدعم السريع وقوات أخرى عن أعمال العنف، وبين إثبات أي دور خارجي في التخطيط للفض أو توجيهه؛ فكل ادعاء يحتاج إلى دليله المستقل.
• التكامل مع المقال الأول: العنوان الحالي يجعل المقال الثاني تقييماً سياسياً، بينما يظل المقال الأول سجلاً تاريخياً لنشأة قحت وتحالفاتها وتشظيها. وبذلك يتجنب المقالان التكرار ويقدمان معاً قراءة متكاملة للتجربة حتى أكتوبر 2026.
والخطوة التحريرية التالية هي إسناد الفقرات التاريخية والسياسية إلى مراجعها الأصلية، وإضافة الوثائق أو الشهادات التي لديكم بشأن اجتماعات البعثات والتمويل، قبل اعتماد النسخة النهائية للنشر.



