الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

البرهان والنفط… إعادة تنظيم المؤسسات أم إعادة توزيع السلطة؟

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

ما الجديد في إعادة تشكيل مجلس أعلى للنفط عرفه السودان منذ سنوات طويلة، ونص القانون على رئاسته من أعلى مستويات الدولة؟ ولماذا يعود هذا الملف إلى واجهة القرارات السيادية في وقت تتفاقم فيه أزمات الوقود والكهرباء والخبز والمياه؟ سؤالان تثيرهما القرارات الأخيرة المتعلقة بقطاع النفط، وفي مقدمتها المرسوم المؤقت رقم (24) لسنة 2026م، الذي عدّل بعض أحكام قانون الثروة النفطية وأعاد تشكيل المجلس الأعلى للنفط برئاسة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بالتزامن مع تعيين اللواء بحري ركن متقاعد إسماعيل أبوشوك أميناً عاماً للمؤسسة السودانية للنفط. وتكمن أهمية هذه التطورات في تحديد ما أضافته فعلياً إلى إدارة القطاع، وما إذا كانت تعكس إصلاحاً مؤسسياً تتجاوز آثاره حدود الإعلان، أم إعادة تقديم لترتيبات قائمة في سياق سياسي واقتصادي بالغ التعقيد.

تستدعي قراءة هذه القرارات العودة إلى الإطار القانوني الذي سبقها بسنوات طويلة. فقد نص قانون الثروة النفطية لسنة 1998م على قيام المجلس الأعلى للنفط برئاسة رئيس الجمهورية، كما نظم وجود وزارة النفط والمؤسسة السودانية للنفط، وحدد موقع الأمين العام بوصفه المسؤول التنفيذي الأول عن إدارة المؤسسة. وكانت هذه البنية المؤسسية معروفة قبل التغيير السياسي في 11 أبريل 2019م، الأمر الذي يجعل التمييز بين استمرار وجود المؤسسات قانونياً، وإعادة تشكيلها أو تعديل اختصاصاتها، ضرورياً لفهم طبيعة القرارات الأخيرة. فحجم التغيير الفعلي يتحدد بما طرأ على الصلاحيات وآليات الإدارة والعلاقة بين مستويات الحكم، وما يمكن أن ينتج عنه من تحسين في أداء القطاع.

ويثير توقيت الإعلان تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كان إبراز هذه الترتيبات المؤسسية قد أسهم في نقل الاهتمام العام من الأزمات المعيشية الضاغطة إلى حركة إدارية في قمة السلطة، وما إذا كانت هذه الحركة تحمل مضموناً إصلاحياً يتجاوز أثرها الإعلامي. فالقرارات التي تحظى باهتمام سياسي واسع ينبغي أن تقترن بتوضيح ما ستغيره في الواقع، خاصة حين يتعلق الأمر بقطاع تتداخل آثاره مع الإنتاج والنقل والكهرباء والخدمات الأساسية.

وتُظهر قراءة المرسوم، وفق نصه المتداول، ثلاثة مستويات مؤسسية تتوزع بينها مسؤوليات إدارة قطاع النفط: المجلس الأعلى للنفط، الذي أعيد تشكيله؛ ووزارة النفط التي تضطلع بمسؤولياتها القطاعية؛ والمؤسسة السودانية للنفط التي تناولت التعديلات الأخيرة بعض أحكام تنظيمها. ويضع هذا التمييز القرارات في سياقها القانوني، وينقل النقاش إلى طبيعة العلاقة بين هذه الجهات، وما طرأ على اختصاصاتها وأدوارها في إدارة القطاع.

يضم التشكيل الجديد للمجلس الأعلى للنفط وزراء النفط والمالية والعدل، ومدير عام جهاز المخابرات العامة، والأمين العام للجهاز القومي للاستثمار، إلى جانب ستة أعضاء من ذوي الخبرة والاختصاص يعينهم رئيس مجلس السيادة. وتعكس هذه التركيبة توجهاً للتعامل مع النفط باعتباره ملفاً سيادياً واقتصادياً وأمنياً متكاملاً. ويمكن فهم دوافع ذلك في دولة تخوض حرباً استنزفت مواردها، وأضعفت بنيتها الإنتاجية، وأربكت سلاسل الإمداد، وجعلت الطاقة أحد المحددات الرئيسية لقدرتها على الصمود والتعافي. غير أن أهمية المورد والظروف الاستثنائية المحيطة به تفرضان فحص كفاءة الترتيبات المؤسسية وقدرتها على تحقيق الأهداف المرجوة.

وهنا يبرز سؤال بالغ الحساسية: أين تنتهي مسؤولية القيادة السيادية، وأين تبدأ صلاحيات السلطة التنفيذية؟ فإعادة تشكيل مجلس أعلى قائم برئاسة البرهان تختلف قانونياً وإدارياً عن توليه رئاسة المؤسسة السودانية للنفط أو إدارتها المباشرة. كما أن النص التاريخي على رئاسة رئيس الجمهورية للمجلس يقتضي التمييز بين الرئاسة المقررة في التشريع السابق، والترتيبات التي تحكم ممارسة هذه الرئاسة في ظل هياكل الحكم الحالية. ومع ذلك، فإن رئاسة المجلس الأعلى من المستوى السيادي تفتح نقاشاً مشروعاً حول طبيعة قراراته وعلاقته بمجلس الوزراء ووزارة النفط والمؤسسة السودانية للنفط، خاصة إذا كانت بعض صلاحياته تتصل باعتماد السياسات أو القرارات ذات الأثر التنفيذي والمالي.

لكن ثمة سؤالاً أعمق يتعلق بفلسفة إعادة التنظيم نفسها: هل يحتاج قطاع النفط إلى تفعيل سلطاته العليا، أم إلى مؤسسات أكثر كفاءة في التنفيذ؟ فإعادة تشكيل المجلس الأعلى قد تمنح القطاع أولوية استثنائية، وتساعد على توحيد التوجهات الاستراتيجية وتجاوز بعض العقبات. غير أن ذلك لا يعالج تلقائياً مشكلات الإنتاج والتمويل والصيانة والحوكمة. وإذا كانت أسباب التعثر كامنة في ضعف الإدارة أو تضارب السياسات أو محدودية الموارد، فإن إعادة التشكيل ستظل محدودة الأثر ما لم تقترن بإصلاحات تشغيلية ومالية وإدارية. فالمؤسسات تُختبر بقدرتها على تحويل الصلاحيات إلى نتائج، وباستمرار أدائها دون الحاجة إلى تدخل القيادة العليا في تفاصيل عملها.

وتتضاعف أهمية هذه المسألة عند النظر إلى الواقع المعيشي للسودانيين. فالوقود الذي تتعثر إمداداته يرفع تكلفة النقل والإنتاج، والكهرباء التي تنقطع لساعات طويلة تشل المصانع والمستشفيات والخدمات، والخبز الذي ترتفع تكلفته يضغط على دخل الأسرة، والمياه التي تتعطل شبكاتها تكشف هشاشة البنية الخدمية. ورغم اختلاف الجهات المسؤولة عن هذه القطاعات وتعدد أسباب أزماتها، فإنها ترتبط بمنظومة اقتصادية وخدمية واحدة، ينتقل فيها اضطراب الطاقة إلى الإنتاج والأسعار والخدمات. ولذلك فإن إصلاح قطاع النفط يمثل جزءاً من إصلاح اقتصادي وإداري أوسع، يتطلب معالجة اختلالات التمويل والبنية التحتية والإنتاج وسلاسل الإمداد.

ومن هنا تتشكل المفارقة الأكثر دلالة. فبينما تحتاج البلاد إلى جهاز تنفيذي أكثر قدرة وانضباطاً، تأتي إعادة تشكيل المجلس الأعلى للنفط في ظروف تستدعي تعزيز التنسيق الاستراتيجي في إدارة السياسات النفطية. وقد يمثل ذلك استجابة لحاجة فعلية إلى حسم التوجهات الكبرى في ظل الحرب. لكن جدواه تتوقف على قدرته على دعم وزارة النفط والمؤسسة السودانية للنفط وتمكينهما من أداء اختصاصاتهما. فوجود مجلس أعلى فاعل يمكن أن يكون عنصر قوة إذا أسهم في معالجة الاختناقات، وقد يتحول إلى مصدر تعقيد إذا تداخلت صلاحياته مع المستويات التنفيذية.

ولعل الدلالة الأعمق لهذه الترتيبات تتصل بموقع مجلس الوزراء في معادلة الحكم. فإذا كان رئيس الوزراء مسؤولاً عن الأداء الاقتصادي والخدمي، فإن هذه المسؤولية تقتضي امتلاكه سلطة فعلية على أدوات التنفيذ، وفق الاختصاصات التي يحددها القانون. وقد ينشأ عن غموض العلاقة بين مستويات الحكم وضع تبقى فيه المسؤولية السياسية عن الإخفاق على عاتق الجهاز التنفيذي، بينما تتوزع سلطة القرار بين جهات متعددة؛ فتتسع دائرة السلطة وتضيق دائرة المساءلة.

وفي هذا البناء المؤسسي يتحدد موقع الأمين العام للمؤسسة السودانية للنفط. فقد عرف التنظيم القانوني السابق هذا المنصب باعتباره أعلى موقع في الإدارة التنفيذية للمؤسسة، في ظل وجود وزير مختص ومجلس أعلى يتولى الاختصاصات المقررة له. ومن ثم فإن تعيين اللواء بحري ركن متقاعد إسماعيل أبوشوك أميناً عاماً للمؤسسة يجد موضعه ضمن بنية مؤسسية لها جذورها القانونية، ولا يشكل غياب اسمه عن عضوية المجلس الأعلى تعارضاً بالضرورة. وتظل الحاجة قائمة إلى تحديد صلاحياته التنفيذية وعلاقته بوزير النفط والمجلس الأعلى في ضوء التعديلات الأخيرة، بما يضمن تكامل مستويات الإدارة والإشراف وصنع السياسات.

غير أن المسألة الأكثر استحقاقاً للتدقيق تتعلق بحذف عبارة «بعد موافقة مجلس الوزراء» من مواضع محددة في المادة (19) من قانون الثروة النفطية. فهذا التعديل يثير سؤالاً حول طبيعة القرارات التي لم تعد مشروطة بتلك الموافقة، والجهة التي تملك سلطة اعتمادها بعد التعديل، وأثر ذلك على العلاقة بين المجلس الأعلى للنفط ومجلس الوزراء. وتتوقف دلالة هذا التغيير على مضمون المادة في صيغتها الأصلية والمعدلة، وعلى الاختصاصات المقررة للجهات المعنية؛ فقد يستهدف تسريع الإجراءات وإزالة ازدواجية الاعتماد، وقد يترتب عليه تغيير في توزيع الصلاحيات داخل الجهاز الحكومي. ومن ثم فإن تحديد أثره القانوني الفعلي يظل ضرورياً قبل استخلاص نتائج قاطعة بشأن انتقال سلطة القرار من جهة إلى أخرى.

ويبرز في هذا السياق بُعد اقتصادي بالغ الأهمية يتعلق بالولاية على المال العام وإدارة الإيرادات النفطية. فوجود وزير المالية ضمن تشكيل المجلس الأعلى يطرح تساؤلات حول كيفية تحصيل عائدات النفط وتوريدها إلى الخزانة العامة، ومدى خضوعها للموازنة والرقابة والمراجعة المالية. فالنفط مورد وطني تتجاوز آثاره حدود القطاع المنتج إلى تمويل الخدمات والاستقرار الاقتصادي، وأي ترتيبات جديدة لإدارته ينبغي أن تعزز وحدة الموازنة وشفافية الإيرادات والعقود وأوجه الإنفاق. وتزداد أهمية ذلك في اقتصاد أنهكته الحرب، وأصبحت فيه كفاءة إدارة الموارد العامة عنصراً حاسماً في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. ومن هنا فإن نجاح إعادة التنظيم يتطلب وضوح العلاقة بين صلاحيات المجلس الأعلى والولاية المالية للدولة على عائدات القطاع، حتى لا تنشأ مسارات مالية موازية تُضعف الرقابة وتشتت المسؤولية.

والحكم على جدوى إعادة تشكيل المجلس الأعلى وتنظيم المؤسسة السودانية للنفط ينبغي أن يرتبط بالاختصاصات القانونية الفعلية لكل منهما وآليات عملهما ونتائجهما. فإذا اضطلع المجلس الأعلى بوضع التوجهات الاستراتيجية وتنسيق السياسات وضمان أمن الإمدادات وحماية الأصول النفطية وجذب الاستثمارات، مع احتفاظ الوزارة والمؤسسة بصلاحياتهما الإشرافية والتشغيلية المحددة، فقد يمثل هذا الترتيب إضافة مهمة. أما إذا ترتب عليه تداخل في سلطات التوجيه والإدارة أو تكرار للاختصاصات، فقد يضيف طبقة جديدة من التعقيد الإداري. فنجاح أي منظومة مؤسسية يتوقف على تكامل أدوارها ووضوح خطوط القرار والمحاسبة، مهما تعددت مستوياتها.

وتبدأ المعالجة المطلوبة بتوضيح اختصاصات المجلس الأعلى للنفط وفق المادتين (14) و(15) والأحكام المرتبطة بهما، وصلاحيات المؤسسة السودانية للنفط المنصوص عليها في المادتين (18) و(19)، وعلاقة كل منهما بوزارة النفط ومجلس الوزراء. كما ينبغي بيان الأثر القانوني للتعديلات الأخيرة، وتحديد الجهة المختصة بالاعتماد في المسائل التي تناولها المرسوم. ويتعين أن يصاحب ذلك فصل واضح بين رسم السياسات والإشراف الوزاري والإدارة التشغيلية، مع إخضاع الموارد والعقود والإيرادات لرقابة مالية ومؤسسية فاعلة.

ولا تكتمل هذه المعالجة دون برنامج وطني متكامل للطاقة والخدمات، يربط استقرار الوقود بتوليد الكهرباء وتشغيل محطات المياه واستعادة الإنتاج الزراعي والصناعي. ويتطلب ذلك نشر مؤشرات دورية عن الإمدادات والإنتاج والإيرادات ومستويات الخدمات، وفق أهداف قابلة للقياس وجداول زمنية ومسؤوليات تنفيذية واضحة.

والأهم أن يستعيد الجهاز التنفيذي قدرته على المبادرة وإدارة الملفات الاقتصادية والخدمية، وأن تتحدد العلاقة بينه وبين القيادة السيادية على نحو يحفظ متطلبات الأمن القومي والتوجهات الاستراتيجية العليا، ويصون في الوقت نفسه فاعلية المؤسسات المختصة. فالحرب تفرض ظروفاً استثنائية تجعل كفاءة الإدارة ووضوح المسؤوليات أكثر إلحاحاً. غير أن استمرار الاعتماد على تدخل القيادة العليا في معالجة الاختناقات التنفيذية قد يحول الضرورة المؤقتة إلى نمط دائم للحكم، بما يطرح تساؤلاً حول مستقبل العلاقة بين المؤسسات السيادية والتنفيذية بعد انقضاء ظروف الحرب.

إن الاختبار الحقيقي لإعادة تشكيل المجلس الأعلى للنفط وتنظيم المؤسسة السودانية للنفط يكمن في قدرتهما على معالجة اختلالات القطاع وإحداث تحول ملموس في حياة السودانيين. فالقرارات التي تبدأ من أعلى هرم السلطة ينبغي أن تظهر آثارها في محطة الوقود، ومفتاح الكهرباء، وحنفية المياه، ورغيف الخبز. وهناك، بعيداً عن تشكيل المجالس وتسمية المسؤولين، ستتحدد القيمة الحقيقية لهذه الترتيبات، وسيتضح ما إذا كانت الدولة قد نجحت في تفعيل مؤسساتها وتحسين كفاءة أدائها، أم اكتفت بإعادة تقديم هياكل قائمة وترتيب مواقع السلطة داخلها.

اترك رد