الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

بين البحر الأحمر ومضيق هرمز: من جغرافيا الممرات إلى جيوبوليتيكا القوة(٢-٣)!؟

السفير د. معاوية التوم

مقاربة في التشابه والاختلاف واستشراف مستقبل أمن التجارة العالمية

لم تعد الممرات البحرية مجرد فضاءات لعبور السفن أو خطوطًا لوجستية تربط الأسواق، بل غدت أحد أهم مسارح التنافس الجيوسياسي، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن القومي مع الاقتصاد العالمي، وتتشابك حسابات الردع العسكري مع معادلات الطاقة وسلاسل الإمداد. وها هي الحرب الثلاثية الأخيرة في الشرق الأوسط وما تزال ، أعادت إبراز هذه الحقيقة بصورة غير مسبوقة، إذ انتقل التهديد من حدود الصراع البرية إلى قلب الجغرافيا البحرية، ليصبح البحر الأحمر ومضيق هرمز عنوانين رئيسيين في معادلة الأمن والاستقرار الدوليين.

وفي هذا السياق، لا تقتصر أهمية المقارنة بين البحر الأحمر ومضيق هرمز على إبراز أوجه التشابه والاختلاف الجغرافية أو الاقتصادية، وإنما تمتد إلى فهم طبيعة التحولات التي تشهدها بيئة الأمن البحري في كامل المنطقة، وكيف يمكن لهذين الممرين أن يعيدا تشكيل أولويات القوى الكبرى، وأن يفرضا مراجعة شاملة لمفاهيم حرية الملاحة، وأمن الطاقة، واستدامة التجارة الدولية. ومن هنا تأتي هذه المقاربة لتقرأ الممرين بوصفهما عقدتين استراتيجيتين في النظام الدولي، لا مجرد ممرين مائيين على خارطة العالم.

أولاً: الجغرافيا التي صنعت السياسة

يمثل البحر الأحمر ممراً بحرياً دولياً يمتد لنحو 2250 كيلومتراً، ويربط أوروبا بآسيا عبر قناة السويس، بينما يمثل مضيق هرمز بوابة الخليج العربي إلى المحيط الهندي، بعرض لا يتجاوز عشرات الكيلومترات في أضيق نقاطه.وهنا يكمن أول اختلاف جوهري؛ فالبحر الأحمر فضاء بحري واسع متعدد الدول والمصالح، أما هرمز فهو عنق زجاجة تتحكم فيه جغرافيا ضيقة لا تتجاوز ال ٢٤ ميلاً، تجعل أي اضطراب فيه سريع الأثر وعالي الخطورة.

ثانياً: التشابه… شريانان لاقتصاد العالميتشارك البحر الأحمر وهرمز في عدة سمات استراتيجية:

• كلاهما يمثلان أهم الممرات البحرية في العالم.

• يمر عبرهما جزء معتبر من التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية.

• يشكلان ركيزة رئيسية لأمن الطاقة العالمي.

• يحظيان بوجود عسكري كثيف للقوى الدولية والإقليمية.

• أي اضطراب فيهما ينعكس مباشرة على أسعار النفط، والتأمين البحري، وسلاسل التوريد، والتضخم العالمي.

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة في الحرب الأميريكية الاسرائيلية على ايران، واعتداءات الأخيرة على دول الخليج والمشرق العربي. اضحت هذه الحرب ممتدة بكل تداعياتها منذ يونيو ٢٠٢٥، وأن الاقتصاد العالمي لم يعد يحتمل تعطيل أي من هذين الشريانين، حتى وإن كان التعطيل محدوداً زمنياً ومتقلبا.

ثالثاً: الاختلاف في طبيعة التهديدفي مضيق هرمز، يتمحور التهديد حول الدول، وبصفة خاصة إيران باعتبارها القوة الجغرافية الاقليمية المهيمنة على المضيق الي جانب عمان ، لذلك فإن أي تصعيد يرتبط غالباً بحسابات الردع بين الدول.

أما البحر الأحمر، فقد أصبح مسرحاً لتهديدات أكثر تعقيداً، تتداخل فيها:

• الجماعات المسلحة .

• المليشيات والقوى الارهابية.

• الحروب الأهلية.

• الإرهاب البحري.

• القرصنة والتهريب.

• الصراعات الإقليمية الممتدة.

• تنافس القوى الدولية على القواعد العسكرية.

وهذا يجعل أمن البحر الأحمر أكثر تعقيداً لأنه لا يرتبط بدولة واحدة بقدر ما يرتبط بشبكة من الأزمات المتداخلة، لعدد من الدول المشاطئة والتنافس حولها من قبل القوى الدولية الكبرى.

رابعاً: الحرب الأخيرة… رسائل استراتيجيةأثبتت الحرب الأخيرة أن إغلاق هرمز ليس قراراً سهلاً، لأن كلفته تقع أولاً على دول الخليج وإيران قبل غيرهما. لكنه شمل ايضا التنظيمات الحليفة أو الموالية لايران في المنطقة ، مما اضاف بعداً أمنيا متصاعداً و قائما.

وفي المقابل، فإن تعطيل الملاحة في البحر الأحمر أثبت أنه أكثر قابلية للتنفيذ بواسطة فاعلين غير دولتيين، كما حدث مع الهجمات على السفن التجارية، وهو ما أدى إلى:

• تحويل مسارات السفن حول رأس الرجاء الصالح. • ارتفاع تكلفة الشحن.

• زيادة أسعار التأمين.

• تأخير وصول البضائع.

• خسائر اقتصادية لقناة السويس والدول المطلة على البحر الأحمر.

أي أن البحر الأحمر أثبت أنه أكثر هشاشة، بينما أثبت هرمز أنه أكثر حساسية وتأثير جدي في المنطقة والعالم بواقع ما جرى ويجري.

خامساً: البحر الأحمر… مركز الثقل الجديدإذا كان القرن العشرون قد ارتبط بالنفط الخليجي، فإن القرن الحادي والعشرين يتجه تدريجياً نحو إعادة الاعتبار للبحر الأحمر وفاعليته وإمكاناته التي تحتاج الي آلية عاجلة لادارته من واقع ما جرى في هرمز.

فهذا الممر الحيوي والاستراتيجي لم يعد مجرد طريق للملاحة، بل أصبح:

• مركزاً لربط آسيا بأوروبا.

• محوراً للمشروعات اللوجستية الكبرى.

• مسرحاً للتنافس الأمريكي والصيني.

• مجالاً للاستثمارات الخليجية الضخمة.

• بوابة لمبادرة الحزام والطريق.

• فضاءً للأمن الغذائي والطاقة والكابلات البحرية والاقتصاد الأزرق.

ومن هنا تتزايد أهمية الدول المطلة عليه، وعلى رأسها السعودية، ومصر، والسودان، وجيبوتي، ،إريتريا والأردن.

سادساً: ماذا تعلم العالم؟

تكشف الأزمة الحالية أن حماية الممرات البحرية لا يمكن أن تعتمد فقط على القوة العسكرية، في الوقت الذي اثبتت فيه الدبلوماسية وقنوات التفاوض القدرة على وقف إطلاق النار وجعل الاتفاق ممكنا بين أطراف الصراع.

فقد أثبتت التجربة أن السفن الحربية قادرة على تقليل المخاطر، لكنها غير قادرة وحدها على معالجة جذور الأزمات السياسية التي ولدت هذه التهديدات.

كما كشفت أن عسكرة الممرات المائية ليست بديلاً عن بناء منظومات إقليمية للأمن الجماعي وسلميّة الحلول وتعزيز قدرة القوانين والمواثيق الدولية في حماية العبور الآمن .

سابعاً: مستقبل أكثر تعاوناً

من المرجح أن يشهد العقد القادم تحولاً من مفهوم “حماية الممرات” إلى مفهوم “حوكمة الممرات البحرية”، عبر:

• تعزيز التعاون والتنسيق بين الدول المشاطئة.

• تطوير منظومات الإنذار البحري المشتركة.

• تنسيق أمن الموانئ والمعلومات البحرية.

• ربط الأمن البحري بالتنمية الاقتصادية للدول الساحلية.

• الحد من عسكرة البحر الأحمر لصالح ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استدامة.

• تنويع طرق التجارة والطاقة لتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية.

خاتمة

تكشف المقارنة بين البحر الأحمر ومضيق هرمز أن التشابه بينهما لا يكمن في كونهما ممرين حيويين للتجارة والطاقة فحسب، بل في أنهما أصبحا معيارًا لقياس قدرة النظام الدولي على حماية المصالح المشتركة في زمن تتزايد فيه الصراعات الهجينة، وتتراجع فيه فعالية آليات الأمن الجماعي. أما الاختلاف الجوهري، فيكمن في طبيعة التهديدات، وتعدد الفاعلين، والبيئات الجيوسياسية المحيطة بكل منهما، وهو ما يفرض مقاربات أمنية وسياسية متمايزة، لا حلولًا نمطية تقوم على الأساطيل.

وفي ضوء ما أفرزته الحرب الأخيرة، وزيولها ما تزال قائمة، يبدو أن مستقبل أمن التجارة العالمية لن يُبنى على الردع العسكري وحده، بل على هندسة إقليمية ودولية جديدة تقوم على تقاسم المسؤوليات، وتعزيز الأمن البحري الجماعي، وتحييد الممرات الاستراتيجية عن حسابات الصراعات الإقليمية. فاستقرار البحر الأحمر وأمن مضيق هرمز لم يعودا قضية تخص الدول المشاطئة وحدها، وإنما أصبحا ركيزة لاستقرار الاقتصاد العالمي بأسره. ومن المرجح أن تدفع المرحلة المقبلة نحو إعادة صياغة منظومات الأمن البحري، بما يجعل من حماية الممرات الاستراتيجية مسؤولية دولية مشتركة، تتجاوز منطق إدارة الأزمات إلى بناء منظومة مستدامة للأمن والتعاون البحريوعلى خلفية الواقع المعقد الذي كرسته الحرب الثلاثية وتداعياتها القائمة “ففي الجزء الثالث، سنتناول أهم الدروس الاستراتيجية التي أفرزتها الحرب، وكيف يمكن للإقليم والمجتمع الدولي الانتقال من إدارة الأزمات البحرية إلى بناء منظومة أكثر توازنًا واستدامة لأمن الملاحة والتجارة العالمية.

اترك رد

error: Content is protected !!