الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

هرمز وسويسرا بين التصعيد والتفاوض: هل دخلت التفاهمات الأمريكية ـ الإيرانية مرحلة الاختبار الأصعب!؟

السفير د. معاوية التوم

عاد مضيق هرمز إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي مجدداً، بعد إعلان إيران إغلاقه مرة أخرى وربط الخطوة بما اعتبرته خروقات إسرائيلية وأمريكية للتفاهمات الأخيرة، لاسيما في الساحة اللبنانية. وجاء ذلك قبل ساعات من الجولة المرتقبة في سويسرا بين الوفدين الإيراني والأمريكي، في تطور يعكس حجم التوتر الذي يحيط بمذكرة التفاهم غير الموقعة بالكامل، ويطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبلها وقدرتها على الصمود أمام أول اختبار ميداني حقيقي، والوفود تتوجه الي جنيف.

لا يبدو القرار الإيراني مجرد رد فعل عسكري أو أمني، بل يحمل في طياته رسالة سياسية مزدوجة. فمن جهة تسعى طهران إلى التأكيد أن أمن الملاحة في هرمز جزء لا يتجزأ من منظومة الالتزامات المتبادلة التي جرى التفاهم حولها، ومن جهة أخرى تريد إبلاغ واشنطن أن أي إخفاق في ضبط السلوك الإسرائيلي سيؤدي إلى تداعيات تتجاوز الساحة اللبنانية لتطال الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، ومذكرة التفاهم حزمة واحدة لا تتجزأ.

وتشير المعطيات إلى أن الحرس الثوري بدأ تطبيق ترتيبات جديدة لتنظيم المرور البحري، بما يعكس انتقال الأزمة من مرحلة التهديد السياسي إلى مرحلة الإجراءات العملية على الأرض، حتى وإن كانت الولايات المتحدة تؤكد استمرار عبور السفن التجارية وعدم توقف الحركة بصورة كاملة.

لبنان.. العقدة التي تهدد التفاهم بأكملهاللافت أن الأزمة الحالية لم تنشأ بسبب الملف النووي أو العقوبات أو الأموال المجمدة، بل بسبب الجبهة اللبنانية. فطهران تعتبر أن استمرار الضربات الإسرائيلية داخل لبنان وعدم الالتزام بترتيبات وقف إطلاق النار يمثل خرقاً مباشراً للبند الأول من التفاهمات التي قامت على مبدأ وقف الحرب في جميع الجبهات المرتبطة بالصراع.

في المقابل، تنظر إسرائيل إلى الوضع من زاوية مختلفة، إذ ترى أن الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية في الجنوب اللبناني يمثل ضرورة أمنية، وهو ما يخلق تناقضاً جوهرياً بين الرؤية الأمريكية التي تسعى إلى تثبيت التهدئة، والرؤية الإسرائيلية التي لا ترغب في تقديم التزامات استراتيجية طويلة المدى تجاه حزب الله أو لبنان. ومن هنا يبرز التباين في الرؤى بين الحليفين ونظرتهما لمصالحهما كل على طريقته.

وهنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فواشنطن أصبحت مطالبة بتقديم ضمانات عملية لطهران بشأن التزام حلفائها، وليس الاكتفاء بالتعهدات السياسية العامة، دون تنفيذ.

لماذا يتوجه الوفد الإيراني إلى سويسرا؟

الرسائل الصادرة من طهران تؤكد أن الوفد الإيراني لا يذهب إلى سويسرا للتفاوض من جديد حول بنود الاتفاق أو لإعادة صياغة مذكرته، وإنما للتحقق من آليات تنفيذ الالتزامات المتفق عليها وضمان وحدة حزمة التفاهمات وعدم تجزئتها. فالموقف الإيراني يقوم على قاعدة واضحة: لا يمكن تنفيذ البنود الاقتصادية والنووية وتأجيل البنود الأمنية والسياسية المتعلقة بلبنان وهرمز.

بعبارة أخرى، تريد طهران تحويل الجولة المقبلة من مرحلة “التفاهم النظري” إلى مرحلة “اختبار التنفيذ”، وهو ما يفسر التصعيد المتزامن في هرمز باعتباره أداة ضغط تفاوضية أكثر من كونه إعلاناً بالانسحاب من الاتفاق.

ما الذي يوجد على أجندة جنيف؟

رغم الطابع غير المعلن للمباحثات، إلا أن المؤشرات المتاحة توحي بأن أجندة الجولة ستدور حول خمسة ملفات رئيسية:أولاً، آليات مراقبة الالتزام بوقف التصعيد في لبنان ومنع تكرار الخروقات.

ثانياً، الضمانات الأمريكية المطلوبة لكبح التحركات الإسرائيلية التي قد تقوض التفاهمات.

ثالثاً، مستقبل الملاحة في مضيق هرمز والقواعد المنظمة للعبور البحري خلال المرحلة المقبلة.

رابعاً، استكمال الترتيبات الخاصة بالعقوبات والأموال الإيرانية المجمدة ومسارات تنفيذها.

خامساً، الانتقال إلى المفاوضات النووية الموسعة التي كانت مقررة أصلاً ضمن الإطار الزمني اللاحق للتفاهم الأولي.

اختبار الثقة بين واشنطن وطهرانفي الواقع، لم تعد المشكلة في صياغة الاتفاق بقدر ما أصبحت في أزمة الثقة المتبادلة. فالإيرانيون يعتقدون أن الولايات المتحدة مطالبة بإثبات قدرتها على إلزام شركائها الإقليميين بما تم الاتفاق عليه، بينما ترى واشنطن أن طهران تستخدم أوراق الضغط الإقليمية، وعلى رأسها هرمز، لتحسين شروطها التفاوضية.ولذلك فإن جولة سويسرا تمثل لحظة مفصلية؛ إذ ستحدد ما إذا كانت مذكرة التفاهم ستتحول إلى إطار سياسي مستدام، أم أنها ستلحق بقائمة طويلة من الاتفاقات التي انهارت عند أول احتكاك بالوقائع الميدانية.

خاتمه

يمكن القول إن التصعيد الذي سبق جولة سويسرا لا يعكس بالضرورة انهيار التفاهم الأمريكي ـ الإيراني بقدر ما يكشف حدود قدرته على الصمود أمام الأزمات الميدانية المتلاحقة.

خاصة عقدتي لبنان والأموال الإيرانية المجمدة. فإغلاق مضيق هرمز، وما رافقه من رسائل متبادلة بين طهران وواشنطن، والتوترات التي شهدها المسرح اللبناني، جميعها وضعت الاتفاق غير المعلن أمام اختبار عملي يتعلق بآليات التنفيذ والضمانات أكثر من تعلقه ببنوده السياسية.

غير أن التطورات الأخيرة في لبنان، ولا سيما إعلان إسرائيل توجيه قواتها للالتزام بترتيبات الهدنة وتجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة، منحت المسار الدبلوماسي جرعة إضافية من الزخم، وأزالت أحد أبرز عوامل القلق التي كانت تهدد بإفشال أي تفاهم إقليمي أوسع. فالتقدم النسبي في الملف اللبناني لا يعني انتهاء أسباب التوتر، لكنه يبعث برسالة مفادها أن الأطراف الرئيسية ما تزال تفضل إدارة الصراع ضمن سقوف محسوبة بدلاً من الذهاب إلى مواجهة مفتوحة.

من هذه الزاوية، تبدو جولة سويسرا في بداياتها الإيجابية بوجود الروساء، أقرب إلى اجتماع للتحقق من تنفيذ الالتزامات واختبار مصداقية الضمانات الأمريكية، خصوصاً في ما يتصل بقدرة واشنطن على مواءمة تفاهماتها مع طهران مع حسابات حليفتها إسرائيل ومتطلبات الأمن الإقليمي. ولذلك فإن نجاح الجولة لن يقاس بتوقيع تفاهمات جديدة، بل بمدى قدرتها على إنتاج آليات واضحة للرقابة والالتزام ومنع عودة الأزمات إلى نقطة الصفر.

فإذا نجحت الأطراف في ترسيخ هذه الآليات، فقد تدخل المنطقة مرحلة جديدة من خفض التصعيد التدريجي واحتواء بؤر التوتر الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط. أما إذا أخفقت، فإن هرمز قد يتحول من ورقة ضغط تفاوضية إلى عنوان لأزمة إقليمية أوسع، تتجاوز حدود الخليج ولبنان لتطال أمن الطاقة العالمي وطرق التجارة الدولية وترتيبات النظام الإقليمي برمته، بما يعيد المنطقة إلى دائرة عدم اليقين التي سعت التفاهمات الأخيرة إلى تجنبها .

إغلاق هرمز.. ورقة ضغط أم إنذار استراتيجي؟

اترك رد

error: Content is protected !!