قبل أن يكتب التاريخ حكمه… رسائل مفتوحة إلى السيد الرئيس (4-7)(خواطر من أجل رؤية وطنية لمسؤولية القيادة في إصلاح وبناء الدولة السودانية بعد الحرب)

السلام والدولة… الكلمة الأخيرة في صناعة التاريخ
السيد الرئيس….
يخلّد التاريخ القادة الذين أحسنوا إنهاء الحروب، وحوّلوا نتائجها إلى مشروع لبناء الدولة، بدلاً من أن تكون محطة تسبق حرباً أخرى. فالسلام يمثل نظاماً جديداً للحياة، يستعيد ثقة المواطن، ويعيد للدولة هيبتها، ويمنح الأجيال القادمة حقها في مستقبل أكثر أمناً واستقراراً.
لقد دفع السودان ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب. فقدت الأسر أبناءها، وتشرد الملايين، وتعطلت المدارس والجامعات، وتضررت المستشفيات، وتآكلت البنية التحتية، واهتز النسيج الاجتماعي في كثير من المناطق. وهذه الجراح لا تندمل بمجرد توقف إطلاق النار، إذ تحتاج إلى مشروع وطني كبير يعيد بناء الإنسان قبل الحجر.
والسلام القادر على الاستمرار يرتكز على قوة الدولة، وسيادة القانون، وعدالة المؤسسات، بعيداً عن موازين القوة المؤقتة والتسويات الهشة. وكل اتفاق يعجز عن معالجة جذور الأزمة، وصون وحدة الدولة، ومنع تكرار حمل السلاح، يبقى أقرب إلى هدنة قابلة للانهيار منه إلى سلام دائم.
ومن هنا تأتي أهمية العدالة الانتقالية بوصفها طريقاً لتحقيق الإنصاف، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، ومحاسبة من ارتكب الجرائم وفق القانون، مع إغلاق أبواب الثأر الشخصي، وفتح أبواب المصالحة الوطنية على أساس العدالة، باعتبارها الضامن الحقيقي لاستدامة السلام.
السيد الرئيس…
إن السودان يحتاج اليوم إلى مشروع سياسي جامع، يشعر فيه كل مواطن بأن الدولة دولته، وأن الحقوق تُمنح بالمواطنة، وأن الواجبات تُؤدى في ظل المساواة أمام القانون. فالتنوع الذي حباه الله لهذا الوطن يمكن أن يكون مصدر قوته الكبرى إذا أُحسن إدارته، كما قد يتحول إلى مصدر ضعف إذا استُغل في صناعة الانقسام.
ولذلك فإن إدارة السياسة الداخلية ينبغي أن تقوم على ترسيخ دولة المؤسسات، وتعزيز المشاركة، واحترام القانون، وتجفيف أسباب النزاعات، وتقديم الكفاءة على الولاءات، حتى تستعيد الدولة ثقة مواطنيها، ويصبح الانتماء للوطن أعلى من كل الانتماءات الأخرى.
أما السياسة الخارجية، فتحتاج اليوم إلى إعادة تقديم السودان بوصفه شريكاً فاعلاً في محيطه، بعيداً عن أن يكون ساحة للصراعات الإقليمية. فالعلاقات الدولية تُبنى على قراءة دقيقة للمصالح، وحسن إدارة التوازنات، والاستفادة من الموقع الجغرافي الفريد الذي يربط السودان بالعالم العربي وأفريقيا والبحر الأحمر.
ويظل البحر الأحمر أحد أهم مفاتيح مستقبل السودان. فهو أكثر من ممر مائي؛ إنه فضاء استراتيجي تتقاطع فيه المصالح الدولية، وتتنافس حوله القوى الكبرى. ولهذا فإن حماية هذا العمق البحري، وتطوير موانئه، وتعزيز حضوره الاقتصادي والأمني، ينبغي أن تكون جزءاً أصيلاً من مفهوم الأمن القومي، لا مجرد ملف قطاعي محدود.
كما اتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل الأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن الاقتصادي، والأمن السيبراني، وأمن الطاقة، وأمن المعلومات، إلى جانب حماية الحدود. والدولة التي تنظر إلى هذه الملفات باعتبارها منظومة متكاملة تكون أقدر على مواجهة التحديات وصناعة الاستقرار.
السيد الرئيس…
سيأتي اليوم الذي تزول فيه المناصب، وتُطوى الصفحات، لكن التاريخ سيبقى يسأل: ماذا ترك هذا الجيل للسودان؟ وماذا قدمت تلك القيادة للوطن والمواطن؟
هل ترك مؤسسات أقوى من الأشخاص؟ وهل ترك اقتصاداً أكثر إنتاجاً؟ وهل ترك جيشاً أكثر قدرة، ودولة أكثر عدلاً، ومجتمعاً أكثر تماسكاً؟ وهل أعاد للإنسان السوداني ثقته في وطنه ومستقبله؟
إن الفرصة التي بين أيديكم اليوم تتجاوز إدارة مرحلة انتقالية؛ فهي فرصة لإعادة تأسيس الدولة على أسس أكثر رسوخاً وعدلاً وكفاءة. ويتطلب ذلك رؤية وطنية شاملة تتكامل فيها السياسة مع الاقتصاد، والأمن مع التنمية، والعدالة مع المصالحة، والدولة مع المجتمع.
لقد عرف السودان عبر تاريخه قادة خاضوا المعارك، وعرف رجال دولة بنوا المؤسسات. أما القائد الذي يجمع بين النصر في ميادين الدفاع عن الوطن، والنجاح في بناء دولة قوية وعادلة، فهو الذي يحجز لنفسه مكاناً استثنائياً في ذاكرة الأمة.
السيد الرئيس…
إن أعظم ما يمكن أن يورثه القائد لشعبه هو دولة تحترم القانون، وتُدار بالمؤسسات، ويثق المواطن بعدالتها، ويجد فيها فرصته للعمل والإنتاج والعيش الكريم.
فإذا خرج السودان من هذه الحرب أكثر وحدة، وأقوى مؤسسات، وأعدل حكماً، وأفضل اقتصاداً، وأكثر حضوراً في محيطه الإقليمي والدولي، فسيكون ذلك الإنجاز أعظم من الانتصار في الحرب نفسها؛ لأن الحروب، مهما امتدت، تنتهي، بينما تبقى الدول التي تُبنى على أسس صحيحة، ويمتد أثرها في حياة الأجيال لعقود طويلة.



