الرواية الأولى

نروي لتعرف

مدونتي / حسن فضل المولي

عبدالله البشير .. قَبُل ما تاخد قرارك ..

عبدالله البشير جبريل

حسن فضل المولى

ياااا ( تماضُر ) ..
صحيح أن هذه الأبيات
لصديقي ( عبدالله البشير جبريل ) ..
و لقد سرني كلفِكِ بها ..
و ( سبحان الله ) ففي كل ( تماضُر ) ،
رهافة ،
و قيافة ،
و انسياق وراء القول الحسن ..
و ( تماضُر ) ،
هذا الاسم الذي خلده ( الزمخشري ) في :
( قامت لتمنعني المسير تماضرُ
أنَّى لها و غِرارُ عزمي باترُ ) ..
أجد له وقعاً مستطاباً عندي ..

و هاكِ ( المنظومة ) :
( قبل ما تاخد قرارك كنت تتريث
شوية
و الكلام القلتو ليك كان كلام بي
حسن نية
أنا لو غلطان معاك يا ما إنت
غلطت فيَّه
كنت فاكرك إنت عارف نحن
ما بينا الملامة
لو خلاص عايز تفارق قول
أقلو مع السلامة
العملتو كتير عشانك قلت عينيك
عني يرضوا
ما الفراش مصيرو يرحل لما ضاقت
بيهو أرضو
إنت لو عاجبك جمالك نحن عندنا
عزة برضو
السنين الضاعوا منك برضو من
أيامي ضاعوا
و قلبي ما ببكي الفراق ببكي بس
عشان زولو باعو
أنا تاني ما بندم عليك و ما براعي
الما بِراعو
ما نحن من أول طريقنا قلت ليك
الريد مبادي
و البيَظْلُم مرة واحدة ببقى عندو
الظلم عادي
و انت من غلطات صغيرة يوم
تخاصم و يوم تعادي
تاري ما بهمك عذابي و كان
بعجبك طول سهادي
العناد كملت حدو إنت أصلك
زول عنادي
يا ما وصيتك كتير لا حياة لمن
تنادي
لما تجرح حقو تعرف أنو جرح
الريدة قاسي
و لو خلاص البينا عده كنت فاكرك
لي تآسي
لكن أنا الغلطان في ريدك كنت تايه
و ماني حاسي
نحن مختلفين وحاتك و انت ما
زولي الأساسي
تاني لو فاكر بسامحك تبقى جاري
ورا السراب
و العذاب الشفتو منك ياما وراني
العذاب
ما خلاص أصبحت ماضي طويتو
في صفحة كتاب
صدقني هسه نسيتو ريدك و قلبي
من الريدة تاب ) ..

و هذه الكلمات ، و أخريات ، ( لعبدالله ) ، يتغنى بها الفنان الرقيق ( الطيب مدثر ) ..
و ( قبل ما تاخد قرارك ) ،
هذه مرافعة عاطفية شَجِيَّة ،
انتفض فيها ( عبدالله ) على مألوفه ،
و خرج عن طوره ، معلناً المفاصلة
و إشهار التوبة ،
و أذكر صِنوَها ( شيلني من بالك ) ،
مع أن أغلب أشعاره طابعها التذلل ،
و مداومة الترجي بالدمعات ،
و بذل الضراعة وراء الضراعة :
( صدقني يا فارع القوام
البينا أكبر من ملام
أنا عايز أقول ليك من زمان
لكن بغلبني الكلام
بترجى فيك و في الحروف
لو ألقى لحظة إنسجام
بلقى الحروف حافيها خوف
خجلانه ما قدر المقام
احترت فيك و في الوصف
رقة و رزانة و احتشام
بسأل عليك و اشتقت ليك
و رسلت ليك حتى الغمام
مالو لو رديت علي
ظلم المحبين ما حرام ؟؟ ) ..

و ( عبدالله ) الذي يشغل موقعاً
متقدماً في ( الحزب الإتحادي الأصل )
لخلفيته ( الختمية ) ،
و الذي سبق له العمل عضواً فاعلاً
في ( مجلس إدارة نادي الهلال ) ،
هذا ( العبدالله ) أقبل على ( الدنيا )
في ( البسابير ) ،
هذه البلدة الوادعة التي تتنفس
( برئتين ) ،
إحداهما موصولة جنوباً بالعاصمة ( الخرطوم ) ،
و الأخرى شمالاً ( بشندي ) ، بلد الجمال عندي ،
و التي نسج ( عبدالله ) في حبها
كلمات مفعمة بالحنين و التذكر :
( طريت شندي و ربوع شندي
و طريت ناساً عُزاز عندي ) ..
و كان قد تلقى فيها تعليمه ( الثانوي ) ،
لينتهي به المطاف عند إقتصاد
( جامعة القاهرة ) ..
و بعد تخرجه ، و رغم أنه قد أتيحت
له فرصة العمل ( بوزارة الخارجية ) ،
ليرافق صديقنا الأديب الدكتور السفير
( معاوية التوم ) ، إلا أنه قد آثر
الانخراط في ( التجارة ) و ( التصنيع ) ..
و بالرغم من إنغماسه في هذه
( الأتون المحرقة ) ، إلا أنه ظل يهوى
المحاسن و المفاخر و الأقمار
الزواهر ،
و يمنحها من إحساسه ما يعَبِّر عن
ملذات التصافي و مرارة التجافي
بجميل القوافي ..

و ( عبدالله ) لا يطرح نفسه شاعراً
و لا يدَّعي ذلك ،
و كثيراً ما تجده ينفي عن نفسه هذه الصفة ،
فهو يتخذ من الشعر مُتَنفساً ..
و كنت أراه ، و نحن نتلازم لربع قرن ،
يؤانس روحه بما يتجلى له من مرائي
و محاسن و مباهج ،
فيتمثلها ( أشعاراً ) تُولَدُ في غَلَالاتٍ
من التلقائية و البساطة و المباشرة ،
لتشكل آياتٍ من السهل الممتنع ..
( أديني من ريدك مدد ) ،
و ( كيفن بخاصمك يا جميل
أنا عندي زيك كم ) ،
و ( الغلط منك أصلو ما مني ) ،
و ( ما أصلو قدري معاك
مكتوب علي هواك ) ،
و ( صدقني ما عارفك ضدي
و لا معاي !! ) ،
و ( كل الحاجات فيهو إتلموا )
و ( طليتي يا الراجيك سنين
الجية كانت صدفه و لا الحنين
زادك لي حنين ) ،
و ( الريده ما بتعرف حواجز
لما تدخل في الحنايا ) ..

و هذه بعض ( مطالع ) من عشرات ( القصائد ) التي تُسفِر عن ( مفردة ) تعبر ( عنك ) ، في بعض أحوالك ،
ذلك أن ( مفردة ) عبدالله دائماً تعبر عن إحساس ( عامل عمايلو ) ، على
حد وصفه ..
و قد وجد فيها عدد من المطربين
ضالتهم في مخاطبة الوجدان ..
( كمال ترباس ) ،
و ( الطيب مدثر ) ،
و ( عبدالقادر سالم ) ،
و ( إنصاف مدني ) ،
و ( سميرة دنيا ) ،
و ( أحمد الصادق ) ،
و ( علي الشيخ ) ،
و ( أحمد فتح الله البندول ) ،
و ( شكرالله عزالدين ) ،
و ( محمد عادل ود راوه ) ،
و بهاء الجنرال ،
و ( عماد يوسف ) ،
و ( نادية الطيب ) ،
و ( مأمون سوار الدهب ) ،،
( في عيون تخلي الزول لا شايف
و لا سامع
و فجأة تشيلك أمواجا توديك
للسما السابع ) ..

إن أكثر ما يدهشني فيه ، و قد ضمنا
نُرُلُ واحدُ ، قرابة العامين ، تلك الذاكرة المُتَّقِدة ،
فهو يحفظ من أشعار العرب السهل
و الصعب ،
و أعذب أشعار شعراء السودان ،
و ما التبست عليَّ كلماتُ أغنية ،
إلا و وجدته يحملها عن ظهر قلب ..
و لإلتصاقي بهم فإن هذه ( السجِيَّة ) ،
كنت ألحظها في ( أشقائه ) و الذين
أُطْلِقُ عليهم هنا ( العبادِلة ) ..
( عبد الوهاب البشير ) ،
زاملته في ( الدامر الثانوية ) ،
أذكر في ليلة إلقاء شعري ، كنت
مقدمها ، كيف أنه ألهب المشاعر ،
و هو يلقي قصيدة
الشاعر ( هاشم الرفاعي ) :
( أبتاه ماذا قد يخط بناني
و الحبل و الجلاد ينتظرانِ ) ..
و لم أجد يومها مناصاً من الاستجابة
لإلحاح الحضور على إعادتها ..
و ( عبدالعزيز البشير ) ،
أخطأ طريقه إلى التجارة ، و قد
يراه البعض أفلح و نجا ، و هو
مرجع في الثقافة و فنونها ،
و لفترة أشكل علي فهم ما قصد إليه
( ود الرضي ) من ( فاطرو ) :
( وين الفاطرو في شان خاطرو
أموت و اتلقن ) ،
فحجبت مقالي مدةً ، حتى أسعفني
( عزيز ) بأن ( الفاطر ) هو ( الناب ) البارز من الأسنان ..
و الأنيق ( عبدالحليم البشير ) ،
و نحن في ( عِزّ الجمر ) كان يأتينا بالخبر اليقين فنهدأ و نرتاح
و نتفاءل ،
و كنا عندما نجلس ( ثلاثتنا ) ،
نتسامر ، كان يفاجئني بتلاوة
( نصوص شعرية ) فأحتار ، متى
و كيف تأتَّى له ذلك ..
و في إتجاهات أخري يتجلى ،
النبيه ( عبد الرحمن البشير ) ،
و المريخابي الصميم
( عبدالمنعم البشير ) ..

و ( يا أمي بس شيلي الصبر
ما أصلو ليل الغربة مر ) ..
هذا هو ( عبدالله ود العافية ) يربت على قلب والدته ، و التي اقتلعوها
من دارها ، و كانت تنازعهم العودة
إلى حيث مهدها ، و بإصرار ، و إلحاح ،
فما أن عادت ، و قرَّت عينها برؤية دارها و أحبابها ، حتى اصطفاها
( الله ) إلى جواره ، قبل شهرين ..
و بكاها في مُعلقة نازفة :
( الله يدينا الصبر
يا أمي فقدك و الله مُر
جرحك ما بداوي طبيب
حيبقى في جواي لي آخر العمر
كنت عايش على رضاك
و على حنانك و دعاك
و الليلة أصبحت في أمر كُتُر ) ..

و ظل يواسي ( الخرطوم ) مسرح
مجده و مناط آماله ، و هي تحترق تحت أقدام ( التتار ) ،،
( يا الخرطوم ما تشيلي هم
رغم الجراحات و الألم ) ،
و لعلها كانت آخر أعمال الراحل
( عبدالقادر سالم ) ..
و ها هو يُنادي موجوعاً :
( الحصة وطن ) ،،
( الحصة لما تكون وطن
أعلن إنحيازك للوطن
عشان فيهو ناس
دفعوا أرواحن تمن
الحصة لما تكون وطن
أنساني من بيت أو سكن
القصة قصة أرِض و عرِض
و تاريخ مدون من زمن
الحصة لما تكون وطن
ما تبيع إرادتك أو كرامتك
لأي كائن لو رطن
خلي قلبك مليان يقين
و خليك على أهلك مؤتمن
الحصة لما تكون وطن
أمسح دموع كل البكن
و ساعد الناس في المحن
باكر يعود سودان جديد
يعيش على مر الزمن ) ..

هذا بعضُ ( عبد الله البشير ) ،
حِصَّة حنين ،
و حِصَّة أنين ،
و حِصَّة شجن ،
و حِصَّة وطن ،
و حِصَّة :
( قَبُل ما تاخد قرارك
حقو تتريث شوية ..
و قَبُل ما تاخد قرارك
حقو تتريث شوية ..
و قَبُل ما تاخد قرارك
حقو تتريث شوية .. ) ..

و تحياتي ..
٣ يوليو ٢٠٢٦ ..

اترك رد

error: Content is protected !!