الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

سنن النعم… بين الإصلاح والهدم

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾سورة النحل، الآية (112).

ليست هذه الآية الكريمة مجرد قصة عن قرية مضت وانقضى خبرها، وإنما هي بيان لسنّة ربانية تحكم حياة الأمم والدول. فالقرآن حين يضرب الأمثال لا يدعو إلى استحضار التاريخ لذاته، وإنما إلى قراءة الواقع في ضوء تلك السنن؛ لأن قوانين قيام الدول وسقوطها لا تتبدل بتبدل الأزمنة، وإنما تتكرر كلما تشابهت الأسباب.

تبدأ الآية بتصوير مجتمع ينعم بالأمن والطمأنينة، ويتدفق إليه الرزق من كل مكان، ثم تنتقل مباشرة إلى نقطة التحول الكبرى: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾. وليس المقصود بالكفر هنا مجرد الجحود اللفظي، وإنما سوء تقدير النعمة، وعدم استشعار قيمتها، والتعامل معها وكأنها حق مكتسب لا يزول، ثم الإخلال بالأسباب التي تحفظها. ولذلك جاءت النتيجة وفق السنّة الإلهية: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾؛ لأن الجوع يهدد حياة الناس، والخوف يهدم استقرارهم، وإذا اجتمعا تعطلت حركة المجتمع، وبدأت الدولة تفقد قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.

ومن هذا المنطلق، تبدو التجربة السودانية خلال السنوات الأخيرة جديرةً بالتأمل الهادئ، بعيدًا عن الانفعال أو المكايدات السياسية. فحق الشعوب في المطالبة بالإصلاح، والعدالة، ومحاربة الفساد، وتطوير نظم الحكم، حق أصيل لا ينازع فيه أحد، بل إن الإصلاح ذاته سنة من سنن العمران. غير أن الفارق كبير بين الإصلاح الذي يبني الدولة، والتغيير الذي يهدمها دون أن يمتلك تصورًا واضحًا لما سيقام مكانها.

وهنا تتجلى المفارقة التي يغفل عنها كثير من الناس؛ فالأمم لا تخسر نعمها لأنها احتاجت إلى الإصلاح، وإنما لأنها أخطأت الطريق إليه. فليست المشكلة أن تصيب الدولة عيوبٌ تحتاج إلى تقويم، وإنما تبدأ المأساة عندما يتحول إصلاح تلك العيوب إلى سببٍ في هدم الدولة، فتضيع النعمة كلها أثناء البحث عن إصلاح جزءٍ منها.

ولعل أخطر ما يواجه الأمم في لحظات التحول أن تختلط عليها الحدود بين الدولة والسلطة، وبين تداول السلطة والمحافظة على الدولة. ومن تلك اللحظة يتحول الخلاف السياسي من تنافس على إدارة الدولة إلى صراع يستهلك الدولة نفسها، فيدفع الوطن كله ثمن أخطاء التقدير. وكل نعمة يبدأ أفولها يوم ينشغل الناس بعيوبها أكثر من انشغالهم بقيمتها، ويصبح هاجس التغيير أكبر من الحرص على صيانة ما يستحق البقاء.

وفي ظل التحولات الكبرى، انصرف الجهد الوطني إلى سؤال تغيير السلطة أكثر من انصرافه إلى سؤال حماية الدولة. وهنا بدأت المعضلة الحقيقية؛ لأن بناء المستقبل لا يبدأ من تغيير من يحكم، وإنما من المحافظة على ما يجعل الدولة قادرة على الاستمرار مهما تبدلت الحكومات. وغاب عن كثيرين أن الدول تُبنى على ركيزتين متلازمتين: صيانة عناصر القوة، وإصلاح مواطن الخلل. وأي اختلال في إحداهما ينعكس على الأخرى، لأن المحافظة على المحاسن لا تتعارض مع معالجة المساوئ، بل هي الطريق الطبيعي لكل إصلاح راشد.

ويبدأ الخطأ الأكبر عندما تختزل الأمم الإصلاح في إسقاط السلطة، بينما يكون الامتحان الحقيقي في قدرتها على المحافظة على الدولة. فهدم السلطة قد يستغرق أيامًا، أما بناء الدولة فقد يحتاج إلى أجيال.

وكان بإمكان السودانيين أن يتوافقوا على ترسيخ ما هو صالح في مؤسسات الدولة، وأن يعملوا على إصلاح مواطن الخلل عبر القانون، والدستور، والمؤسسات، والانتخابات، وتوسيع المشاركة السياسية، وبناء أجهزة أكثر كفاءة واستقلالًا، حتى يصبح التغيير عملية تطوير للدولة لا قطيعة معها. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإزالة كل شيء، وإنما بحسن التمييز بين ما ينبغي الحفاظ عليه وما ينبغي تغييره.

إن قراءة ما أعقب ثورة ديسمبر ينبغي أن تكون مراجعة وطنية شجاعة، لا محاكمة للتاريخ ولا مصادرة لحق الناس في التطلع إلى مستقبل أفضل. فالوقائع تشير إلى أن البلاد دخلت في مرحلة من الاستقطاب السياسي الحاد، والفراغ المؤسسي، والتراجع الاقتصادي، وتدهور الخدمات، واتساع الضائقة المعيشية، وضعف المنظومة الأمنية، حتى انتهى الأمر إلى حرب مدمرة أرهقت الدولة والمجتمع، وأدخلت السودان في واحدة من أصعب مراحله الحديثة. وهذه النتائج تفرض على الجميع مراجعة كيفية إدارة التغيير، لا مبدأ التغيير نفسه.

ولم تكن النعمة في السودان مقتصرة على الأمن وحده، بل كانت تتمثل أيضًا في بقاء الدولة نفسها، ووحدة مؤسساتها، وتماسك جيشها، واستمرار الخدمة العامة، وقوة النسيج الاجتماعي، وتماسك الوحدة الوطنية، وهي نعم لا يشعر الناس بقيمتها إلا عندما تبدأ في التآكل، فيكتشفون أن إصلاحها كان أيسر بكثير من إعادة بنائها، وأن المحافظة عليها كانت أقل كلفةً من محاولة استعادتها بعد ضياعها.

إن أخطر صور كفران النعمة ليست إنكار وجودها، وإنما العجز عن إدراك قيمتها إلا بعد زوالها. فكم من نعمة لم يعرف الناس قدرها إلا عندما تحولت إلى ذكرى، وكم من وطن لم يشعر أبناؤه بعظمة الأمن والاستقرار إلا بعد أن أصبحا أمنية. فالأمن لا تظهر قيمته في أيام السكينة، وإنما حين يختفي، والدولة لا يدرك الناس ضرورتها إلا عندما تضعف مؤسساتها، والاستقرار لا يشعر المجتمع بثمنه إلا عندما يصبح الخوف جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.

وهنا تتجلى حكمة الآية الكريمة؛ فالنعم لا تزول دائمًا بسبب قلة الموارد، وإنما قد تزول بسبب سوء إدارتها، أو سوء تقديرها، أو التهاون في حماية أسباب بقائها. فالأمن نعمة، واستقرار الدولة نعمة، ووحدة المجتمع نعمة، ومؤسسات الدولة نعمة، وإذا فقدت هذه النعم فإن استعادتها قد تحتاج إلى سنوات طويلة، بينما لا يستغرق التفريط فيها إلا لحظات من الانفعال وسوء التقدير.

إن المستقبل السوداني لن يُبنى بتكرار دورة الهدم ثم البحث عن البناء، وإنما بترسيخ ثقافة الإصلاح المؤسسي، وإحياء قيمة التدرج، وتعظيم المصلحة الوطنية، وبناء التوافق حول الدولة قبل التنافس على السلطة. كما أن المستقبل يقتضي أن تتحول التجربة القاسية التي عاشها السودان إلى درس وطني دائم، يؤكد أن الإصلاح لا ينجح إلا إذا حافظ على الدولة، وأن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى صراع وجودي يهدم المؤسسات ويبدد مقدرات الأمة.

ولعل أعظم ما تهديه إلينا هذه الآية أن شكر النعمة لا يكون باللسان وحده، وإنما بحسن إدارتها، والمحافظة عليها، وإصلاحها دون التفريط فيها، ومن قبل ذلك كله الايمان بالنعمة واستشعارها وعدم اغفالها والكفر بها. فإذا استطاع السودانيون أن يحولوا محنة السنوات الماضية إلى مدرسة في المراجعة والتعلم، فإن المستقبل قد يحمل فرصة جديدة لاستعادة الدولة على أسس أكثر نضجًا وعدلًا واستقرارًا. أما إذا استمرت دورة الهدم تتكرر كلما اختلف الناس، فإن التاريخ سيعيد نفسه، وستظل السنن الإلهية تعمل كما أخبر القرآن، لأن الله لا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

اترك رد

error: Content is protected !!