الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

رسالة زيلينسكي يونيو 2026: مناورة النجاة الأخيرة وتفكيك رقعة الشطرنج العالمية

السفير د. محمد يوسف حسن
  1. الرسالة كتطور: من “حرب تحرير” إلى “دبلوماسية إنقاذ”
    رسالة 4 يونيو 2026 ليست دعوة سلام تقليدية، بل إعلان إفلاس استراتيجي. زيلينسكي انتقل رسمياً من خطاب “استعادة القرم” إلى عرض “وقف نار غير مشروط لمدة 30 يوم”. هذا أول تنازل أوكراني مكتوب عن شرط الانسحاب الروسي قبل التفاوض. الرسالة تحولت من “ساحة حرب” إلى “ساحة سلم” لأن الميدان حسم الأمر: روسيا على أبواب خاركوف، الدفاعات الجوية الأوكرانية تنفد، والاقتصاد ينهار. الرسالة هي محاولة أخيرة لتحويل الهزيمة العسكرية إلى “تعادل دبلوماسي” قبل أن تتحول إلى استسلام كامل.
  2. تفكيك الأهداف: أربع رسائل في خطاب واحد
    الرسالة الموجهة لبوتين تحمل في طياتها خطابات متعددة لأطراف أخرى. أولاً، هي محاولة لإحراج بوتين أمام العالم قبل قمة بريكس في قازان، فرفضه يجعله يظهر كرافض للسلام، وقبوله يوقف زحفه العسكري. ثانياً، هي رسالة طمأنة لترامب مفادها “نفذت طلبك بعرض وقف النار فلا توقف منظومات باتريوت”. ثالثاً، هي تهيئة للشعب الأوكراني لتقبل فكرة التنازل عن أراضٍ لاحقاً، عبر إظهار أن القيادة “حاولت كل سبل السلام”. رابعاً، هي ورقة ضغط على أوروبا: إذا انسحبت أمريكا، ستكون الرسالة مبرراً لمطالبة برلين وباريس بمواصلة تمويل الحرب. الهدف المركزي من كل ذلك هو شراء ثلاثة أشهر: ثلاثون يوماً لوقف النار، وستون يوماً للتفاوض، لتجاوز الصيف دون انهيار الجبهة.
  3. تفكيك التوقيت: لماذا 4 يونيو بالذات؟
    التوقيت مدروس بعناية ومرتبط بأربع ضغوط متزامنة. الضغط الأول من ترامب الذي نفد صبره وأعلن أن المهلة تنتهي بنهاية الصيف، وكان على زيلينسكي أن يثبت تعاونه قبل الرابع من يوليو حتى لا يصوره ترامب كعائق للسلام. الضغط الثاني عسكري، فشهر مايو 2026 كان الأسوأ على أوكرانيا بعد سقوط تشاسيف يار، ووقف النار بات المخرج الوحيد لمنع سقوط خاركوف. الضغط الثالث مالي وأوروبي، فالبرلمانات الأوروبية تدخل عطلة يوليو وأغسطس، وإذا لم يتم التوصل لتهدئة الآن فلن يُقر أي تمويل جديد قبل سبتمبر بينما خزانة كييف فارغة. الضغط الرابع دبلوماسي، فالرسالة جاءت قبل أحد عشر يوماً من قمة بريكس لإجبار بوتين على الرد وهو يستعد لتقديم نفسه كقائد لنظام عالمي جديد.
  4. الأثر على الانتخابات النصفية الأمريكية – نوفمبر 2026م
    ترامب يحتاج من ملف أوكرانيا نتيجة واحدة من اثنتين: “أنهيت الحرب” أو “زيلينسكي هو السبب في استمرارها”. الرسالة تمنحه فرصة تحقيق الأولى. إذا قبل بوتين عرض اللقاء، سيدخل ترامب انتخابات نوفمبر وهو يعلن أنه “أنهى حرب أوروبا في ستة أشهر”، ما يسحب من الديمقراطيين ورقة اتهامه بـ”بيع أوكرانيا” ويمنح الجمهوريين تفوقاً كاسحاً في الكونغرس. أما إذا رفض بوتين، فسيقول ترامب: “منحت زيلينسكي فرصة وبوتين هو من رفض”، ليبرر بعدها وقف المساعدات ويحمّل الديمقراطيين مسؤولية “الحرب الأبدية”، مستقطباً بذلك أصوات الجناح الانعزالي. في الحالتين، زيلينسكي ليس أكثر من ورقة انتخابية، ورسالته محاولة يائسة ليكون ورقة رابحة لا ورقة محروقة.
  5. الأثر على المشهد الإيراني
    إيران تراقب سلوك واشنطن في أوكرانيا وتستخلص الدروس. غير أن الربط المباشر بين تخلي أمريكا عن كييف وتخليها عن إسرائيل يظل تبسيطاً مخلاً، لأن العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية تقوم على ارتباط عضوي وعقدي واستراتيجي عميق يتجاوز الحسابات المصلحية الظرفية التي تحكم العلاقة مع أوكرانيا. الأثر الأكثر واقعية هو أن طهران قد تستنتج أن إدارة ترامب تميل إلى خفض كلفة التورط الخارجي. لذلك، قد تستخدم واشنطن نفوذها للضغط على إسرائيل لتقليل التصعيد تحت ذريعة “إتاحة فرصة للسلام” وتجنب انزلاق لا تحمد عقباه، خصوصاً إذا ارتفعت كلفة الحرب الإقليمية. كما أن أي صفقة كبرى في أوكرانيا قد تتضمن مقايضات غير مباشرة في ملفات أخرى، مثل وضع بورتسودان، ما يدفع إيران للمطالبة بضمانات مماثلة في مضيق هرمز عبر حلفائها الصينيين.
  6. الأثر على مجموعة بريكس: اختبار ما قبل الولادة
    قمة قازان في 15 يونيو 2026 كان مخططاً لها أن تعلن “عملة بريكس” و”بنك تنمية بديل”. رسالة زيلينسكي وضعت القمة وبوتين شخصياً في موقف حرج. فكيف يمكن لموسكو أن تزعم قيادة “عالم متعدد الأقطاب أكثر عدلاً” بينما ترفض لقاء رئيس دولة تحتل جزءاً من أراضيها؟ هذا الموقف أحرج الصين والهند ودفع البرازيل وجنوب أفريقيا للضغط على بوتين للقبول بلقاء شكلي على الأقل، حتى لا يظهر التكتل كـ”نادي للأنظمة السلطوية”. في المقابل، تمنح الرسالة بوتين فرصة دعائية: إذا قبل بوقف النار، سيصعد منبر القمة ليقول “نحن جلبنا السلام، بينما الغرب جلب الحرب”، ويستخدم أوكرانيا كمنصة تسويق لـ”بريكس” بوصفه بديلاً أخلاقياً.

الخلاصة: الرسالة كاشفة، ليست صانعة سلام
رسالة يونيو 2026 كشفت ثلاث حقائق جوهرية. الأولى أن أوكرانيا خسرت القدرة على تحقيق نصر عسكري وتبحث عن مخرج سياسي. الثانية أن مفتاح الحرب والسلام بات في يد ترامب، وبوتين يفضل التفاوض معه مباشرة لا مع زيلينسكي. الثالثة أن ملامح النظام العالمي الجديد تُرسم بين واشنطن وموسكو، بينما ملفات مثل بورتسودان وإيران وبريكس ليست سوى بنود تفاوضية على الطاولة. الرسالة لن توقف الحرب بمفردها، لكنها ستحدد شكل ما بعدها: إما اتفاق كبير جديد لتقاسم النفوذ، أو فوضى متعددة الأقطاب تبدأ شرارتها من خاركوف ولا تنتهي في بورتسودان.

اترك رد

error: Content is protected !!