
رغم الشهرة الواسعة التي حظي بها الدكتور أبكر آدم إسماعيل بوصفه أحد أبرز منظّري قضايا الهوية والهامش في السودان، فإن اطلاعي على إنتاجه الفكري ظل محدوداً في شذرات متناثرة من كتاباته، لم أجد فيها ما يجاوز الدعاوى المكرورة عن ظلم “الشمال العربي” واضطهاده لأصحاب البشرة السوداء. كما أنني لم أستمع إليه متحدثاً من قبل، حتى وقعت أمامي صباح أمس، بمحض المصادفة، كلمة مصوّرة له استمعت إليها باهتمام أملاً في الوقوف على أطروحاته بصورة مباشرة، فلم أجد فيها سوى الخطاب ذاته الذي أصبح، منذ زمن، علامة مميزة لتيار “المركز والهامش”!
في هذا المقطع (مرفق) يذهب أبكر إلى أنه ليس في السودان عرب. العروبة في السودان عنده ليست هوية حقيقية، وإنما مجرد ادعاء اجتماعي لجأ إليه سوادنة الشمال خشية أن يُنظر إليهم بوصفهم “عبيداً”، فهم يزعمون العروبة ويلتحفون رداءها درءاً للشبهات!
وفي الحقيقة، يصعب على المرء استيعاب هذا القدر من التبسيط والاختزال.. فأن تُختزل الأصول والثقافات العربية في السودان، بكل ما تحمله من تاريخ وتراكمات اجتماعية وثقافية ولغوية، في مجرد عقدة نفسية منشؤها الخوف من تهمة العبودية، هو طرح يفتقر إلى الحد الأدنى من العمق الذي تقتضيه قراءة الواقع السوداني.
ثم إن هذا الطرح يثير تساؤلاً مشروعاً: كيف يفسّر منظّرو الهامش تحالفاتهم السياسية المتكررة مع قوى وجماعات تعرّف نفسها بأنها عربية وتعتز بانتمائها العربي؟ دعك من أحزاب “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، ما القول في قوات الدعم السريع المتفاخرة بانتمائها إلى القبائل العربية، والتي يجاهر جنودها علناً أمام الكاميرات بقولهم: «اقتلوا العبيد… اقتلوا النوبة»! هل تجرأ يوماً فقال لهم وهم حلفاءه: انتم كذبة تدعون العروبة هرباً من وصمة العبودية؟ هل تصبح العروبة سُبّةً حين يتبناها الخصوم، ثم تغدو أمراً مشروعاً أو مقبولاً عندما تقتضيها حسابات السياسة ومقتضيات السعي إلى السلطة؟!
اختزال تاريخ السودان وأزماته المعقدة في معادلة تقول إن “العروبة مجرد ادعاء للهروب من العبودية” لا يفسّر الواقع بقدر ما يستبدله بسردية أيديولوجية جاهزة. الهويات السودانية، بما فيها الهوية العربية، لم تتشكّل بقرار فردي أو بدافع نفسي منفرد، وإنما تبلورت عبر قرون طويلة من التفاعل بين التاريخ والثقافة واللغة والمصاهرة والانتماءات الاجتماعية المتعددة. ولذلك يصعب ردّها كلها إلى سبب واحد أو تفسيرها باعتبارها مجرد محاولة للفرار من وصمة اجتماعية.
وتبقى حقيقة أن ما ظل يردده أبكر آدم إسماعيل وكثير من أتباعه مجرد تنظير سطحي قائم على التعميم والانتقائية والمصادرات الأيديولوجية. ولا يرقى إلى مستوى التحليل المتماسك للواقع السوداني بقدر ما يمثل إعادة إنتاج لأفكار مستعارة من أدبيات سياسات الهوية (Identity Politics) ونظرية العرق النقدية (Critical Race Theory)، جرى إسقاطها على السياق السوداني دون مراعاة كافية لخصوصياته التاريخية والاجتماعية!
الإشكال الحقيقي لا يكمن في هشاشة مثل هذه الأطروحات التي قُدِّمت بوصفها فكراً عميقاً، فافتتن بها فريق من الناس وأخذ يرددها وكأنها فتوحات فكرية. وهكذا تحولت أفكار فقيرة المحتوى إلى مسلمات متداولة، لا لقوة حجتها، وإنما لقلة ما تعرضت له من تمحيص ونقد.






