
يحتاج السودان في هذه المرحلة المفصلية من تاريخه إلى أكثر من مجرد إدارة مؤقتة للأزمة يحتاج إلى عنوان واضح للسلطة ومركز محدد للقرار وإلى مؤسسة رئاسية تستمد شرعيتها من ترتيبات دستورية وسياسية معلنة
ومن هنا تأتي مسألة ترشيح الفريق أول عبدالفتاح البرهان لرئاسة جمهورية السودان بصورة رسمية باعتبارها واحدة من الخيارات السياسية التي تستحق النقاش الجاد بعيدا عن الحسابات الحزبية الضيقة.
البرهان شئنا أم أبينا أصبح أحد أبرز رموز المرحلة الراهنة. فمنذ اندلاع الحرب وجد نفسه في مواجهة أخطر تهديد تعرضت له مؤسسات الدولة السودانية وقاد القوات المسلحة في معركة مفتوحة للدفاع عن بقاء الدولة ووحدتها وسيادتها. ولذلك فإن الحديث عن ترشيحه لا ينبغي أن يختزل في شخص الرجل وإنما يجب أن يرتبط بطبيعة المرحلة والظرف الاستثنائي الذي تمر به البلاد.
لقد أفرزت الحرب واقعا جديدا وأصبح من الضروري التفكير في كيفية الانتقال من الشرعية الانتقالية المرتبطة بظروف الحرب إلى شرعية سياسية ودستورية أكثر وضوحا. فاستمرار الوضع الحالي بما يحمله من تعدد في مراكز التأثير وتداخل في دوائر القرار ليس أمراً يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.
السودان يحتاج إلى رئيس واضح ومؤسسات واضحة ومسؤولية واضحة.
وترشيح البرهان للرئاسة يمكن أن يمثل في حال جرى عبر مسار سياسي ودستوري وقانوني واضح محاولة لإنهاء ما يمكن وصفه بـ حالة اللارئيس حيث تتداخل السلطات وتتعدد الجهات المؤثرة في صناعة القرار الأمر الذي يفتح الباب أمام الشائعات والحديث عن مراكز نفوذ غير رسمية سواء داخل مؤسسات الدولة أو خارجها.
والأهم أن أي رئيس قادم أيا كان اسمه يجب أن يكون محكوماً بالمؤسسات والقانون لا بالعائلة أو الأصدقاء أو المقربين أو أصحاب المصالح. وهذه النقطة تحديدا تجعل تحويل البرهان إلى رئيس منتخب أو متوافق عليه وفق ترتيبات دستورية معلنة أكثر أهمية من مجرد استمرار وضع انتقالي مفتوح.
أما البرهان نفسه فقد أصبح بحكم موقعه ودوره خلال الحرب جزءا من المعادلة الوطنية الأساسية. فالقائد الذي تحمل مسؤولية قيادة الجيش والدولة خلال واحدة من أعقد مراحل التاريخ السوداني الحديث لا يمكن تجاوزه عند رسم مستقبل البلاد السياسي.
لكن دعم ترشيحه لا يعني منحه تفويضا مفتوحا ولا يعني أن شخصه فوق النقد أو المساءلة. على العكس فإن انتقال البرهان إلى منصب الرئاسة بصورة رسمية يجب أن يقترن بمؤسسات قوية ورقابة حقيقية وتحديد واضح للصلاحيات ومسار سياسي يضمن مشاركة السودانيين في تحديد مستقبل دولتهم.
وفي تقديري فإن اللحظة التاريخية كثيراً ما تفرض خياراتها على الشعوب. وقد لا تكون الخيارات المتاحة هي الخيارات المثالية لكنها قد تكون الأكثر واقعية وقدرة على التعامل مع الظرف القائم.
واليوم فإن البرهان يمثل خيارا واقعيا بالنسبة إلى شريحة واسعة من السودانيين الذين يرون في القوات المسلحة رمزاً لبقاء الدولة ويرون أن المرحلة المقبلة يجب أن تبنى على استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الحرب ثم الانتقال إلى إعادة الإعمار والاستقرار السياسي.
كما أن التحركات المجتمعية والسياسية التي تشهد حضور البرهان ولقاءاته مع قطاعات اجتماعية ودينية وأهلية في عدد من المناطق تعكس وجود مساحة شعبية يمكن أن تشكل قاعدة سياسية لأي مشروع رئاسي قادم. غير أن هذه القاعدة لا ينبغي أن تدار بمنطق الحشد المؤقت بل عبر برنامج سياسي واضح يخاطب المواطن السوداني في قضايا الأمن والاقتصاد والخدمات والإعمار والعدالة.
وفي المقابل إن القوى السياسية بما فيها التيارات الإسلامية والأحزاب القديمة والجديدة مطالبة بالتعامل مع فكرة رئاسة البرهان بواقعية سياسية. فالمطلوب ليس استبدال تحالف سياسي باخر ولا إعادة إنتاج التجارب السابقة وإنما بناء دولة تتسع للجميع يكون فيها الاحتكام إلى المؤسسات لا إلى الولاءات.
وهنا تحديداً ينبغي التوقف عند تجربة القوى السياسية التي ظلت تتعامل مع المشهد بمنطق الممكن والمستحيل وفق حساباتها الحزبية. فالسياسة لا تدار دائما بما نرغب فيه وإنما بما تسمح به موازين الواقع واللحظة التاريخية.
ولذلك إن السؤال الحقيقي ليس فقط هل البرهان هو أفضل من يمكن أن يحكم السودان؟
بل السؤال الأهم هو هل يمكن أن يكون ترشيح البرهان جزءا من تسوية وطنية تنقل السودان من حالة الحرب والمرحلة الانتقالية إلى دولة مستقرة ذات مؤسسات وشرعية سياسية واضحة؟
إذا كانت الإجابة نعم فإن الفكرة تستحق النقاش.
أما تحويلها إلى معركة بين أنصار البرهان وخصومه فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الاستقطاب الذي دفع السودان ثمنا باهظا له.
السودان اليوم لا يحتاج إلى رئيس يحكم وحده وإنما إلى رئيس تقف خلفه مؤسسات دولة قوية وتراقبه مؤسسات دستورية وتحكمه القوانين ويستمد شرعيته من الشعب.
وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى ترشيح الفريق أول عبدالفتاح البرهان باعتباره خيار اللحظة التاريخية لا باعتباره نهاية التاريخ السياسي للسودان.
فالمرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة إنهاء الحرب وحسم التمرد وتوحيد القرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة وإطلاق الإعمار ثم تأسيس حياة سياسية مستقرة تسمح للسودانيين باختيار من يريدون عبر صندوق الاقتراع.
وإذا كان البرهان هو الرجل الذي قاد البلاد والجيش في أصعب مراحلها فإن التحدي الحقيقي أمامه ليس فقط الوصول إلى القصر الجمهوري وإنما إثبات أن الدولة السودانية بعد الحرب يمكن أن تكون أقوى من الأشخاص وأن المؤسسات يمكن أن تكون أقوى من الولاءات وأن السودان يستطيع أخيرا أن ينتقل من شرعية الضرورة إلى شرعية الاختيار.






