الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

لن نركع… من معركة الصمود إلى معركة بناء الدولة

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

تعلَّمْنا من الحروب الكبرى، أن المعارك لا تتحرك في الميدان وحده، فكلما تغيرت موازين القوة على الأرض تحركت حولها السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والإعلام، ودخلت أدوات الضغط الخارجي إلى المشهد محاولة التأثير في اتجاه الأحداث ونتائجها. ولهذا فإن بعض التصريحات السياسية تكتسب أهميتها من توقيتها ومكانها والظروف التي قيلت فيها، أكثر مما تكتسبها من الكلمات نفسها.

ومن هذا المنظور يمكن قراءة حديث رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، من مدينة المناقل، حين قال إن أعداء السودان يريدون تركيعه، وتوقع إمكانية فرض عقوبات على السودان وعلى قيادته خلال الأيام المقبلة، مؤكداً أن البلاد “لن تركع”، وأن «معركة الكرامة لم تنته»، وأن الحرب لن تنتهي حتى ينتهي التمرد في جميع أنحاء السودان.

هذه التصريحات تستحق أن تُقرأ باعتبارها مؤشراً على طبيعة المرحلة التي تدخلها الحرب، وعلى العلاقة المتزايدة بين ما يجري في الميدان وما يتحرك في المحيط السياسي والدبلوماسي الخارجي.

واختيار المناقل مكاناً لهذه الرسائل يضيف إليها دلالة مهمة. فالمدينة، وولاية الجزيرة عموماً، عاشتا جانباً قاسياً من الحرب، ودفع مواطنوهما أثماناً كبيرة من أمنهم واستقرارهم وممتلكاتهم وسبل عيشهم. ومن أرض عرفت معنى الحرب عملياً، جاءت رسالة البرهان بأن المعركة مستمرة، وأن الضغوط الخارجية المحتملة لن تغير موقف الدولة من إنهاء التمرد.

لكن العبارة التي تستحق التوقف عندها بعمق هي توقعه فرض عقوبات خلال الأيام المقبلة.

فالسؤال هنا يتجاوز احتمال العقوبات نفسها إلى توقيت الحديث عنها: لماذا يتوقع رئيس مجلس السيادة تصاعد الضغوط في هذه المرحلة تحديداً؟

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بعيداً عن التحولات التي تشهدها الحرب، وتغير موازينها، والحراك السياسي والدبلوماسي المتزايد حول السودان. وليس من الضروري افتراض وجود علاقة سببية مباشرة بين التطورات الميدانية وأي عقوبات محتملة، لكن تجارب الصراعات تؤكد أن ساحات الحرب والسياسة نادراً ما تتحرك بمعزل عن بعضها، وأن التحولات العسكرية كثيراً ما يصاحبها تحرك دبلوماسي يسعى إلى التأثير في شروط التسوية أو شكل النهاية.

وهنا تدخل العقوبات والضغوط السياسية والعزلة الدبلوماسية والحملات الإعلامية ضمن أدوات إدارة الصراع خارج الميدان.

ومن هذه الزاوية، تحمل عبارة “لن نركع” معنى يتجاوز التحدي، لتعبّر عن إرادة سياسية ترى أن القرار الوطني يجب أن يبقى بعيداً عن الإملاءات والضغوط.

غير أن حماية القرار الوطني تحتاج إلى أكثر من الإرادة والشعارات، مهما كانت قوتها. فالسيادة في عالم اليوم تحرسها الجيوش، وتحميها كذلك قوة الاقتصاد، وكفاءة مؤسسات الدولة، وفاعلية الدبلوماسية، واتساع شبكة المصالح والتحالفات، والقدرة على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة المصالح والقانون والحقائق.

ومن هنا فإن مواجهة أي ضغوط محتملة تضع أمام الدبلوماسية السودانية مسؤولية كبيرة في شرح موقف الدولة، وتوسيع دائرة علاقاتها، ومنع عزل السودان، وتحويل علاقاته الإقليمية والدولية إلى شبكة مصالح تجعل تكلفة الضغط عليه أكبر من مكاسب ذلك الضغط.

واستقلال القرار الوطني يصبح أكثر رسوخاً كلما أحاطت به الدولة بعناصر القوة الاقتصادية والمؤسسية والدبلوماسية التي تحميه من الضغوط.

وفي الجانب الآخر من تصريحات المناقل، تبدو عبارة البرهان بأن «معركة الكرامة لم تنته» تحديداً واضحاً لرؤية القيادة العسكرية لطبيعة نهاية الحرب: إنهاء التمرد واستعادة سلطة الدولة على كامل التراب السوداني.

وهنا نصل إلى أصل الأزمة التي انفجرت في الخامس عشر من أبريل 2023م.

فالحرب لم تبدأ يوم انطلقت الرصاصة الأولى وحدها؛ فقد سبقتها سنوات تراكمت خلالها اختلالات خطيرة داخل بنية الدولة، حتى أصبح في السودان جيش موازٍ يمتلك السلاح والمال والانتشار والنفوذ والعلاقات الخارجية. وكان ذلك اختلالاً في واحدة من أهم قواعد وجود الدولة نفسها: احتكارها المشروع للقوة المسلحة.

وقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً لهذه التجربة.

ولهذا فإن إنهاء الحرب يجب أن يقود إلى قاعدة وطنية لا تحتمل المساومة مستقبلاً: جيش وطني واحد، وسلاح واحد تحت سلطة الدولة، ومؤسسات عسكرية وأمنية تعمل وفق الدستور والقانون، ونهاية كاملة لظاهرة الجيوش الموازية ومراكز القوة المسلحة.

ومن هذه الزاوية أيضاً يمكن فهم أهمية الأنباء المتعلقة بانشقاق عناصر من الدعم السريع واتجاه بعضها إلى القوات المسلحة، وما أعلن عن إجراءات لتوفيق أوضاع المنضمين منها.

فالحروب لا تحسمها أعداد الجنود والأسلحة وحدها؛ هناك ميزان آخر شديد الأهمية هو ميزان الإرادة والثقة.

وعندما تبدأ الثقة في المشروع الذي يقاتل من أجله المقاتلون في التراجع، وتبدأ الانشقاقات في التوسع، فإن ذلك قد يشكل مؤشراً مهماً على تحولات داخلية تتجاوز أثرها العددي المباشر. وتاريخ الحروب مليء بقوى ظلت تمتلك السلاح حتى اللحظات الأخيرة، لكنها فقدت قبل ذلك القدرة على إقناع مقاتليها بأن المعركة ما زالت تستحق الاستمرار.

ومن الحكمة أن تُدار هذه التحولات ضمن سياسة دولة مدروسة تشجع تفكيك البنية العسكرية للمليشيا، وتفتح المجال أمام الأفراد الذين يلقون السلاح للعودة إلى الحياة المدنية وفق إجراءات قانونية وأمنية واضحة، مع إخضاع كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم والانتهاكات للمساءلة والعدالة.

فالدولة القوية تعرف كيف تهزم خصمها في الميدان، وتعرف كذلك كيف تفكك قدرته على الاستمرار في الحرب.

لكن هنا تبدأ المسألة الأصعب.

فإذا كان إنهاء التمرد ضرورياً لاستعادة الدولة، فإن استعادة الدولة نفسها تحتاج إلى مشروع أكبر من الانتصار العسكري. فهناك مدن ينبغي إعمارها، ومؤسسات يجب إعادة بنائها، واقتصاد يحتاج إلى استعادة عافيته، وملايين السودانيين ينتظرون العودة إلى بيوتهم وأعمالهم، وخدمات تحتاج إلى النهوض، ونسيج اجتماعي أصابته الحرب بجراح عميقة، وثقة بين المواطن والدولة تحتاج إلى إعادة تأسيس.

وهنا تتحول عبارة «لن نركع» من شعار للحرب إلى رؤية للمستقبل، لأن السودان الذي يرفض الركوع للخارج ينبغي أن يكون قادراً أيضاً على الوقوف من الداخل.

والوقوف من الداخل يعني دولة مؤسسات، واقتصاداً منتجاً، وعدالة تحمي الحقوق، وخدمة مدنية تستعيد كفاءتها، وجيشاً وطنياً واحداً، وسياسة خارجية تعرف مصالح السودان وتدافع عنها، ومشروعاً وطنياً يمنع عودة الأسباب التي أوصلت البلاد إلى الخامس عشر من أبريل.

فالانتصار الحقيقي يمتد من استعادة المدن والطرق والمواقع إلى بناء دولة تجعل تكرار هذه الحرب أمراً مستحيلاً.

وهنا تحديداً تلتقي رسالتا المناقل: مقاومة الضغط الخارجي، وإنهاء التمرد في الداخل. الأولى تتعلق باستقلال القرار الوطني، والثانية باستعادة احتكار الدولة للقوة، وبينهما تقوم المهمة التاريخية الأكبر: بناء دولة تمتلك من عناصر القوة ما يجعل قرارها مستقلاً، ومؤسساتها راسخة، وسيادتها مصانة.

لقد دفع السودانيون ثمناً بالغ القسوة خلال هذه الحرب، ولهذا ينبغي أن تقود نهايتها إلى بداية مختلفة، تتجاوز العودة إلى السودان الذي كان قائماً قبل الخامس عشر من أبريل بكل اختلالاته وأزماته ومراكز القوة المتعددة داخله.

وعندما يقول البرهان من المناقل إن السودان لن يركع، فإن التحدي الأكبر أمام الدولة السودانية يمتد من الصمود أمام العقوبات والضغوط وحسم المعركة العسكرية، إلى بناء السودان الذي يمتلك أسباب قوته في داخله؛ سودان لا يستطيع أحد أن يركعه، بقوة جيشه، وتماسك شعبه، وعدالة دولته، وصلابة مؤسساته، وقوة اقتصاده، وفاعلية دبلوماسيته، واستقلال قراره الوطني.

فالحرب قد تحسم معركة التمرد، لكن الحكم الحقيقي على هذه المرحلة سيبدأ من نوع الدولة التي سيبنيها السودانيون بعد أن صمدوا.

وتلك هي معركة ما بعد المعركة؛ أن يتحول الصمود إلى قدرة، والتضحيات إلى دولة، والانتصار في الميدان إلى وطن لا تتكرر فيه أسباب الحرب.

اترك رد

error: Content is protected !!