الحوار السوداني–السوداني… من إنهاء الحرب إلى بناء الدولة(هل نتعلم هذه المرة من جذور الأزمة التي أوصلتنا إلى الحرب؟)

ليس أصعب على السودان اليوم من الحرب، سوى أن يخرج منها بالطريقة نفسها التي دخل بها إليها؛ دولة مثقلة بالانقسامات، ونخبة سياسية تتنازع تعريف الوطن قبل أن تتوافق على كيفية إدارته، ومجتمع أنهكته الصراعات، ومؤسسات تحتاج إلى إعادة بناء، وثقة وطنية تآكلت حتى أصبح الاتفاق على طاولة واحدة في بعض الأحيان أصعب من الاتفاق على القضايا الموضوعة فوقها.
لهذا تبدو مبادرة تهيئة الحوار السوداني–السوداني، التي أعلنت انطلاقها من الخرطوم، جديرة بأن تُقرأ أبعد من بيان التأسيس والأسماء واللقاء الأول. فالسؤال الحقيقي ليس متى يبدأ الحوار؟ ومن سيشارك فيه؟ وما الأجندة التي ستطرح على طاولته؟ السؤال الأسبق والأكثر أهمية هو: هل أصبح السودانيون مستعدين أخيراً لإدارة خلافاتهم بطريقة تمنعهم من العودة إلى الحرب؟
هذه هي المسألة التي ينبغي أن تبدأ منها أي قراءة جادة للمبادرة.
فالسودان لم يعانِ تاريخياً من غياب الحوارات والمؤتمرات والاتفاقيات. عرف موائد مستديرة ومؤتمرات دستورية ومفاوضات واتفاقات سلام ومبادرات داخلية وخارجية، وتعاقبت عليه مراحل انتقالية عديدة، ومع ذلك ظلت أزماته الأساسية تنتقل من مرحلة إلى أخرى، وتتغير أشكالها بينما تبقى جذورها حاضرة: أزمة بناء الدولة، وعلاقة المركز بالأطراف، وتوزيع السلطة والثروة، والهوية، والعدالة، والمؤسسة العسكرية، والحكم المدني، وكيفية إدارة التنوع السياسي والاجتماعي والإثني والثقافي.
ولعل واحدة من مشكلات التجربة السودانية أن السياسة كثيراً ما بدأت من الحلول قبل الاتفاق على تعريف المشكلة، ومن تقاسم المواقع قبل بناء الدولة، ومن السؤال عمّن يحكم قبل السؤال عن كيفية الحكم. ولذلك انتهت بعض التسويات إلى تأجيل الأزمات بدلاً من حلها، وأصبح الانتقال السياسي جسراً إلى انتقال آخر، حتى جاءت حرب أبريل لتكشف حجم الاختلال الذي تراكم تحت سطح الدولة.
من هنا تكتسب عبارة «تهيئة الحوار» معناها الحقيقي.
فالتهيئة ليست مرحلة بروتوكولية تسبق جلوس المتحاورين، وإنما قد تكون أصعب مراحل العملية كلها. وهي تعني الاتفاق على قواعد العملية قبل الشروع فيها: من يشارك؟ وبأي صفة؟ وتحت أي ضمانات؟ وكيف تُبنى الثقة؟ ومن يحدد الأجندة؟ وكيف تُدار الخلافات؟ وما حدود دور الدولة؟ وما حدود الدور الخارجي؟ وكيف نضمن ألا تتحول منصة الحوار إلى إعادة إنتاج لموازين القوة السياسية القديمة بأسماء جديدة؟
ولذلك تبدو إفادة عضو اللجنة الأستاذ عثمان ميرغني، بشأن صعوبة التكهن بتفاصيل الحوار في هذه المرحلة، ورفض استباق المشاورات حتى لا يصبح الحوار «معلباً» أو مسبق الصنع، منسجمة مع جوهر فكرة التهيئة. فالخطأ الأكبر سيكون أن تعلن لجنة التهيئة الإجابات قبل أن تستمع إلى الأسئلة، أو تحدد المشاركين قبل الاتفاق على معايير المشاركة، أو تضع الأجندة ثم تطلب من القوى السودانية الحضور لمناقشتها.
والنقطة المهمة في البيان أن اللجنة لا تمنح نفسها تفويضاً سياسياً، وإنما تقدم دورها بوصفه تهيئة وتيسيراً واستماعاً وتقريباً لوجهات النظر. والمحافظة على هذا الحد الفاصل ستكون واحدة من أهم اختبارات المبادرة؛ لأن الميسّر يفقد قدرته على جمع المتخاصمين في اللحظة التي يصبح فيها طرفاً في خصومتهم.
غير أن نجاح التهيئة يحتاج أيضاً إلى بيئة سياسية وقانونية مختلفة.
فالضمانات التي طالبت بها المبادرة، بما فيها حماية مقار الحوار، وتهيئة مناخ الحريات، والحصانة الإجرائية المؤقتة للمشاركين، وضمان حرية الرأي المتصل بالمشاورات، ومنع استخدام سلطة الدولة للتأثير على النتائج، تفتح قضية شديدة الحساسية: كيف نحقق أكبر قدر من الحرية الضرورية للحوار، مع المحافظة في الوقت نفسه على مبدأ العدالة وعدم تحويل العملية السياسية إلى مظلة للإفلات من المسؤولية؟
وهنا ينبغي رسم الحد الفاصل بوضوح بين ما يستوجب الحماية باعتباره رأياً وموقفاً سياسياً، وما يخضع للقانون باعتباره فعلاً جنائياً لا تسقط مسؤوليته بمجرد الدخول إلى قاعة الحوار. حماية الحق في الاختلاف ضرورة لأي حوار ذي معنى، لكن الحوار لا يستطيع إلغاء حقوق الضحايا، ولا تعطيل العدالة في الجرائم التي لا علاقة لها بالتعبير السياسي. والمصالحة الوطنية التي لا تستند إلى العدالة قد توقف خصومة سياسية مؤقتاً، لكنها تترك بذور الصراع كامنة تحت الأرض.
أما الحديث عن مشاركة القوى السياسية والمدنية والمجتمعية «دون إقصاء»، فيحتاج بدوره إلى تعريف دقيق. فالشمول لا ينبغي أن يعني تحويل الحوار إلى حشد ضخم للأسماء والتنظيمات، بقدر ما يعني بناء تمثيل حقيقي للمجتمع السوداني. السودان الذي سيدخل أي حوار بعد هذه الحرب ليس السودان الذي كان قبل الخامس عشر من أبريل؛ ملايين النازحين واللاجئين، وأسر الضحايا، والنساء، والشباب، والمجتمعات التي دمرت الحرب مدنها وقراها، والإدارات الأهلية، والمهنيون، والأكاديميون، وأصحاب الأعمال، والمزارعون والرعاة ومجتمعات الأطراف، جميعهم أصبحوا أصحاب مصلحة مباشرة في شكل الدولة القادمة.
وهنا تحديداً ينبغي أن نتعلم من الماضي: السودان أكبر من طبقته السياسية.
فالغاية النهائية من الحوار تتجاوز مصالحة القوى السياسية مع بعضها إلى استعادة المواطن لدولة تحمي حياته وكرامته وحقه في الأمن والخدمة والعمل. وإذا لم يشعر بأن الحوار يتصل بحياته ومستقبله، فسوف يبقى بالنسبة إليه اجتماعاً آخر للنخب، مهما اتسعت دائرة المشاركين فيه.
وهنا تبرز مسألة تتصل باستقلال المبادرة ومصادر تمويلها. فترحيب الدولة بها، واستعدادها لتوفير الضمانات والحماية وتهيئة المناخ السياسي والقانوني لانعقاد الحوار، يمثل عاملاً إيجابياً ومطلوباً؛ إذ يصعب تصور حوار واسع داخل البلاد من دون تعاون مؤسسات الدولة في توفير الأمن والتسهيلات اللازمة. غير أن توفير الضمانات والتسهيلات يختلف عن الارتباط المالي المباشر؛ فكلما كانت اللجنة مستقلة مالياً عن أطراف العملية السياسية، ازدادت قدرتها على بناء الثقة بينها وبين المختلفين مع الدولة، وتراجعت الشكوك حول استقلال قرارها، بصرف النظر عن صحة تلك الشكوك من عدمها.
ولذلك ربما كان الأنسب البحث عن صيغة تمويل سودانية مستقلة وشفافة، تقوم على مساهمات وطنية معلنة وفق ضوابط تمنع احتكار التمويل أو تحوله إلى أداة للتأثير، مع الإفصاح الكامل عن مصادر الأموال وأوجه صرفها. فاستقلال المبادرة لا ينبغي أن يكون قائماً في الواقع وحده، وإنما يجب أن يكون ظاهراً ومقنعاً لكل الأطراف أيضاً؛ لأن الثقة في مثل هذه العمليات تُبنى على الممارسة وعلى الصورة التي تعكسها تلك الممارسة في آن واحد.
ثم إن الضمانات المتعلقة بعودة السودانيين المقيمين بالخارج وتعليق بعض الإجراءات المرتبطة بالمواقف والآراء السياسية تظل مهمة، لكنها تطرح سؤالاً عملياً آخر: هل ينبغي أن يكون الحضور الشخصي إلى السودان شرطاً للمشاركة في مرحلة المشاورات والتهيئة؟ لقد أتاحت تقنيات الاتصال الحديثة إمكان إدارة اجتماعات ومشاورات واسعة وآمنة مع أشخاص موجودين في مختلف أنحاء العالم، ويمكن للمبادرة أن تستفيد منها للوصول إلى من يترددون في العودة أو يتعذر عليهم الحضور لأسباب أمنية أو سياسية أو لوجستية.
ولا ينتقص ذلك من قيمة الحوار المباشر عندما تنضج العملية وتصل إلى مراحلها الأساسية، لكنه يوسع دائرة الاستماع في مرحلة التهيئة ويزيل أحد الحواجز أمام المشاركة. كما أن إدارة مشاورات حضورية وافتراضية متوازية قد تمنح اللجنة فرصة للوصول إلى طيف سوداني أوسع، وتجعل معيار المشاركة هو الرغبة في الإسهام في الحوار وقبول قواعده، لا القدرة على الوصول الجغرافي إلى قاعاته.
ويبقى السؤال الأهم: إلى من تذهب لجنة التهيئة أولاً؟ فمن الطبيعي أن تبدأ الاتصالات بالقوى السياسية والمدنية والشخصيات العامة باعتبارها أطرافاً فاعلة في المجال السياسي، لكن الاقتصار على هذه الدائرة يعيدنا إلى واحدة من مشكلات الحوارات السودانية السابقة؛ إذ كثيراً ما تبدأ بالنخب وتنتهي بالنخب، بينما يصل المواطن إلى مخرجاتها بعد أن تكون الأسئلة والأجندات والتسويات الكبرى قد تحددت.
ولهذا تحتاج المبادرة، بالتوازي مع مشاورات النخب، إلى مسار مجتمعي واسع يصل إلى الولايات والمحليات والقرى والأحياء ومعسكرات النزوح ومجتمعات اللاجئين، وإلى الشباب والنساء والإدارات الأهلية والمزارعين والرعاة والمهنيين وأصحاب الأعمال وممثلي المجتمعات التي عاشت الحرب مباشرة. ويمكن أن تتحول مرحلة التهيئة نفسها إلى عملية استماع وطني واسعة، تُجمع خلالها تصورات السودانيين حول الأمن والسلام والعدالة وشكل الدولة وأولويات المرحلة المقبلة، ثم تنعكس خلاصاتها على أجندة الحوار.
فأصحاب المصلحة الأعظم في السلام ليسوا بالضرورة الأكثر حضوراً في المنابر السياسية، والمتضرر الأكبر من الحرب قد لا يملك حزباً أو منصة إعلامية أو مقعداً على طاولة التفاوض. وإذا كانت المبادرة تقول إن السودان لا يمكن أن ينهض إلا بإرادة مواطنيه، فإن الاختبار الحقيقي لهذه العبارة سيكون في مقدار ما يصل صوت هؤلاء المواطنين إلى طاولة الحوار قبل أن تبدأ، لا بعد أن تنتهي.
كما أن دعوة الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الإقليمية والدولية إلى دعم المسار مع احترام ملكيته السودانية تضع معادلة أخرى دقيقة. فالسودان يحتاج إلى محيطه الإقليمي والدولي، ويحتاج إلى الدعم السياسي والاقتصادي والإنساني والفني، لكن صناعة التسوية الوطنية ينبغي أن تبقى في يد السودانيين. التجارب التي تُكتب تفاصيلها خارج الحدود ثم تُنقل إلى الداخل غالباً ما تحمل معها أولويات الوسطاء بقدر ما تحمل أولويات أصحاب الأزمة.
والحوار، في نهاية الأمر، ليس فضيلة قائمة بذاتها، ولا يصبح ناجحاً لمجرد اجتماع المختلفين حول طاولة واحدة. قيمته فيما ينتجه من قواعد جديدة لإدارة الاختلاف، وفي قدرته على نقل الصراع من السلاح والشارع والتحالفات الخارجية إلى المؤسسات والقانون وصندوق الانتخابات. فالسودان لا يحتاج إلى مجرد اتفاق سياسي جديد يضاف إلى أرشيف الاتفاقيات، بقدر حاجته إلى تأسيس قواعد مستقرة تجعل الاختلاف السياسي جزءاً طبيعياً من حياة الدولة، بدلاً من أن يتحول في كل مرة إلى أزمة تهدد وجودها.
وإذا نجحت المبادرة في الوصول إلى «العتبة الأولى» التي تحدث عنها عثمان ميرغني، أي التوافق على بدء الحوار نفسه، فإن المرحلة التالية يجب ألا تتحول سريعاً إلى سباق حول السلطة الانتقالية. الفترة الانتقالية الآمنة والمستقرة التي تتطلع إليها المبادرة ينبغي أن تكون نتيجة لتوافق حول وظائفها ومهامها، لا غنيمة سياسية جديدة تتنافس عليها القوى.
فالسؤال الذي ينتظر السودانيين بعد الحرب أكبر من تشكيل حكومة: كيف يعاد بناء مؤسسات الدولة؟ كيف يُستعاد الأمن؟ كيف يعود النازحون واللاجئون؟ كيف يُعالج الاقتصاد؟ كيف تُبنى منظومة العدالة؟ كيف تُحسم قضايا السلاح والتشكيلات العسكرية؟ وكيف نصل إلى انتخابات حرة ونزيهة دون أن تكون الفترة الانتقالية نفسها مصنعاً لأزمة جديدة؟
وهنا ربما يقف السودان أمام السؤال الذي تأخر كثيراً: هل نريد حواراً لإنهاء الأزمة الحالية فحسب، أم حواراً يؤسس للدولة السودانية التي ظللنا نؤجل الاتفاق عليها منذ الاستقلال؟
الفارق بين السؤالين كبير. الأول قد ينتج تسوية توقف الصراع وتعيد ترتيب السلطة، أما الثاني فيذهب إلى أصل الأزمة: شكل الدولة، ومؤسساتها، وعلاقة المواطن بها، وقواعد تداول السلطة، وإدارة التنوع، وتوزيع الموارد، وسيادة القانون، وحدود القوة المسلحة داخل المجال السياسي. وإذا لم يصل الحوار إلى هذه الجذور، فقد نعالج نتائج الحرب ونترك أسباب الحروب المقبلة قائمة.
إن إطلاق مبادرة تهيئة الحوار خطوة يمكن أن تفتح نافذة في جدار الأزمة، لكنها لن تنجح بالنوايا الحسنة وحدها. ستحتاج إلى استقلال حقيقي، وصبر طويل، وشفافية، وقدرة على الاستماع إلى من نختلف معهم، وإلى شجاعة في مواجهة محاولات الاختطاف السياسي من أي جهة جاءت.
والأهم أن نتذكر أن جذور الحرب لم تولد في الخامس عشر من أبريل؛ فقد سبقتها سنوات طويلة من الأخطاء والتراكمات والانقسامات وفشل إدارة الانتقال وعجز النخب عن إنتاج عقد وطني مستقر.
ولهذا فإن القيمة التاريخية لأي حوار قادم لن تكون في قدرته على إنهاء هذه الحرب فحسب، وإنما في قدرته على إغلاق الأبواب التي تدخل منها الحروب إلى السودان مرة بعد أخرى.
عندها فقط يصبح الحوار طريقاً إلى المستقبل، لا استراحة قصيرة بين حربين.



