بين ضغوط الخارج ومعركة تعريف الحرب:ماذا تكشف تصريحات البرهان وعقار عن المرحلة المقبلة في السودان!؟

تكتسب تصريحات الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة، يوم أمس الجمعة، أهمية خاصة إذا ما قُرئت إلى جانب تصريحات نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار اليوم السبت لقناة الجزيرة ، والتي كشف فيها أن الحكومة السودانية تتعرض لضغوط كبيرة للقبول بالمبادرة الأمريكية.
فما قاله الرجلان، في تقديري، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد موقفين متزامنين، وإنما بوصفه مؤشراً على طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلتها الحرب في السودان والتحديات التي تواجهها ؛ مرحلة لم تعد فيها المعركة محصورة في ميادين القتال، وإنما انتقلت بصورة متزايدة إلى ميدان الإرادة السياسية، وصناعة القرار السيادي، وتعريف طبيعة الحرب وشروط إنهائها.
أولاً: البرهان يعلن رفض «التركيع» ويضع الضغوط في سياقها السياسي
حين يتحدث البرهان عن وجود محاولات لـ«تركيع السودان»، وعن ضغوط قد تتطور إلى عقوبات، مع تأكيده المضي في دحر مليشيا التمرد، فإن الرسالة تتجاوز الخطاب العسكري المباشر. إنها رسالة إلى الخارج قبل الداخل، مفادها أن الدولة السودانية تدرك أن أدوات التأثير على مسار الحرب لم تعد عسكرية فقط، وأن العقوبات والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية والإنسانية يمكن أن تصبح جزءاً من عملية تفاوض غير معلنة حول مستقبل السودان.
والأهم أن البرهان لم يقدّم الحرب باعتبارها صراعاً سياسياً عادياً بين طرفين متكافئين يمكن إنهاؤه بمجرد اقتسام السلطة، وإنما أعاد التأكيد على رواية الدولة بأن القضية الأساسية هي تمرد مسلح على الدولة ومؤسساتها مسنود من قوى خارجية.وهنا تكمن أهمية المعركة على تعريف الحرب؛ لأن تعريف الصراع يحدد تلقائياً طبيعة الحل.
فإذا جرى تعريف الحرب باعتبارها نزاعاً بين قوتين سياسيتين وعسكريتين متساويتين، يصبح تقاسم السلطة أحد المخارج الطبيعية. أما إذا عُرّفت باعتبارها تمرداً مسلحاً ومحاولة لإعادة تشكيل الدولة خارج مؤسساتها، فإن الأولوية تصبح استعادة الدولة، ثم فتح المسار السياسي أمام جميع القوى السودانية على أساس وطني.
ثانياً: تصريح عقار يكشف الجانب الآخر من الصورة
تصريح مالك عقار اليوم يضيف بعداً مهماً إلى خطاب البرهان. فهو يكشف بصورة مباشرة أن هناك ضغوطاً كبيرة على الحكومة للقبول بالمبادرة الأمريكية، وهو ما يجعل حديث البرهان عن الضغوط بالأمس أكثر قابلية للفهم ضمن سياق سياسي متكامل.
لكن أهمية تصريح عقار لا تكمن فقط في كشف حجم الضغوط، وإنما في أنه يوضح أن الحكومة لا تضع الحوار والسلام في مواجهة الحرب والسلامة الوطنية، بل تحاول التمييز بين السلام الذي ينهي الحرب والسلام الذي قد يكرّس نتائجها. فرفض صيغة تفاوضية معينة لا يعني رفض التفاوض من حيث المبدأ، كما أن القبول بالحوار لا ينبغي أن يعني القبول المسبق بالنتائج التي قد يفرضها ميزان القوى العسكري أو الضغوط الخارجية. وهذه نقطة جوهرية ينبغي أن تصل بوضوح إلى المجتمع الدولي:
السودان لا يحتاج إلى من يقنعه بأهمية السلام؛ السودان يحتاج إلى سلام لا يعيد إنتاج الحرب ولا أدواتها.
ثالثاً: المعركة الحقيقية انتقلت من «من ينتصر؟» إلى «من يعرّف النصر والسلام؟»
ربما تكون هذه هي المسألة الأكثر خطورة في المرحلة الراهنة. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد السؤال الاستراتيجي محصوراً في معرفة الطرف الذي يستطيع تحقيق مكاسب عسكرية أكبر، وإنما أصبح: من يمتلك القدرة على تعريف شكل التسوية التي ستأتي بعد الحرب؟وهنا تتقاطع الضغوط الدولية مع الميدان العسكري.
فكل طرف يحاول أن يدخل طاولة التفاوض حاملاً معه أكبر قدر ممكن من المكاسب العسكرية والسياسية، بينما تسعى بعض الأطراف الدولية إلى دفع السودان نحو تسوية سريعة قد تكون ضرورية من منظور وقف المعاناة الإنسانية، لكنها قد تصبح خطرة إذا لم تعالج جذور الأزمة أو تجاهلت طبيعة الدولة السودانية ومؤسساتها.
ولهذا فإن الاستعجال في إنتاج اتفاق سياسي قبل معالجة الأسئلة الجوهرية قد يحوّل السلام إلى هدنة مؤجلة للحرب.
رابعاً: الخطر الأكبر هو تزوير تعريف العدو الحقيقي للبلاد
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة هو أن يجري التعامل مع الحرب باعتبارها مجرد صراع على السلطة بين «طرفين»، بما يؤدي إلى طمس الفارق بين الدولة ومؤسساتها من جهة، والقوة المسلحة المتمردة عليها من جهة أخرى.
او أن تنسب الأزمة التي خلفتها الحرب الي طرف داخلي لاجل التعمية ، وهي موجهة بالأساس الي تفكيك الجيش وفناء الدولة والجغرافيا والموارد، مع الابقاء على حالة الهشاشة والا استقرار.
وهذا لا يعني أن الدولة فوق النقد، أو أن مؤسساتها لا تحتاج إلى إصلاح، أو أن القوى السياسية الأخرى لا تملك حق المشاركة في صياغة المستقبل. على العكس تماماً.
إن استعادة الدولة لا تعني العودة إلى ما قبل الحرب، وإنما تعني إعادة بناء دولة أكثر شمولاً وعدالة ومؤسسية.
لكن الوصول إلى هذه الدولة الجديدة لا ينبغي أن يتم عبر شرعنة السلاح كأداة للوصول إلى السلطة، وإلا فإن أي اتفاق سيكون مجرد تأسيس لدورة جديدة من النزاع.
خامساً: الضغط الخارجي لا يُواجه بالرفض وحده
وفي المقابل، فإن التعامل مع الضغوط الدولية بمنطق الرفض المطلق ليس استراتيجية كافية.
السودان يحتاج إلى إدارة سياسية ودبلوماسية للضغط، لا مجرد مقاومته.
وهذا يتطلب أن تقدم الحكومة والقوى الوطنية رؤية واضحة ومكتوبة للحل، وأن تدخل في تفاعل جاد مع المبادرات الوطنية بصفة أساسية وتستفيد من العون الإقليمي والدولي، ولكن من موقع صاحب المصلحة لا من موقع المتلقي للإملاءات والاستجابة للمشروع الاجنبي.
فالخيار الأكثر ذكاءً ليس:
إما قبول المبادرة الأمريكية أو رفضها.
وإنما:
إعادة صياغة مسار المبادرة بما يتوافق مع الثوابت والمصالح السودانية.
وهنا تبرز الحاجة إلى مبادرة سودانية سياسية متكاملة تستطيع أن تخاطب واشنطن والرياض والقاهرة وأنقرة وأفريقيا والأمم المتحدة، وتشرح بوضوح أن إنهاء الحرب يتطلب معالجة أمنية وسياسية وإنسانية متزامنة، وليس مجرد وقف لإطلاق النار يعيد إنتاج الأزمة.ولهذا جاءت الدعوة للحوار الوطني الداخلي.
سادساً: الحوار الوطني هو المخرج الذي يجب ألا يُغلق بذرائع الحرب
ومن هنا تأتي أهمية المشاورات الأولية للحوار الوطني.فالحوار ليس بديلاً عن إنهاء التمرد، كما أنه ليس مكافأة لأي طرف عسكري.
إنما هو المسار الذي يمكن من خلاله أن ينتقل السودان من منطق الحرب إلى منطق الدولة.
وهذا الحوار ينبغي ألا يكون محصوراً في القوى التي كانت جزءاً من المشهد السياسي السابق، ولا في أطراف الحرب وحدها، وإنما ينبغي أن يفتح المجال أمام القوى السياسية والمجتمعية والأهلية والشباب والمرأة والمثقفين والمهنيين والقطاع الخاص وقوى المجتمع المدني، وفق معايير واضحة للتمثيل والشرعية. والأهم أن الحوار الناجح يحتاج إلى قدر من التنازلات المتبادلة.
فلا يمكن لأي طرف أن يدخل الحوار وهو يعتقد أنه سيخرج منه منتصراً بالكامل، كما لا يمكن بناء دولة جديدة بعقلية «إما أنا أو الآخر».
التنازل السياسي ليس هزيمة؛ الهزيمة الحقيقية هي أن يعجز السودانيون عن إنتاج تسوية وطنية لأن كل طرف يطالب الآخر بالتنازل وحده.
سابعاً: من الحرب إلى هندسة المستقبل
إن قراءة تصريحات البرهان وعقار معاً تقود إلى استنتاج بالغ الأهمية: السودان يدخل مرحلة قد يكون فيها التفاوض على مستقبل الدولة أهم من التفاوض على وقف إطلاق النار وحده.
فالسؤال لم يعد فقط: كيف تتوقف الحرب؟
بل:
• كيف تستعاد الدولة؟
• كيف ينتهي وجود الجيوش الموازية؟
• كيف يعاد بناء المؤسسة العسكرية والأمنية؟
• كيف تتم معالجة المظالم السياسية والاجتماعية؟
• كيف تتم حماية المدنيين؟
• كيف تتم إعادة الإعمار؟
• وكيف يُنتج نظام سياسي جديد لا يعيد أسباب الحرب؟
هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تكون في قلب أي مبادرة سلام. أما محاولة اختزال الأزمة في وقف إطلاق النار أو في صيغة لتقاسم السلطة، فلن تكون سوى تأجيل للمشكلة.
الخلاصة: لا للتركيع ولا للانغلاق
إن المغزى الاستراتيجي لتصريحات البرهان وعقار معاً هو أن السودان يواجه في هذه المرحلة معركة إرادة بقدر ما يواجه معركة عسكرية وحرب مركبة مفروضة عليه.
والمطلوب هو الجمع بين الصلابة في حماية الدولة ووحدتها وسيادتها، والمرونة السياسية التي تفتح أبواب الحوار، والذكاء الدبلوماسي الذي يحوّل الضغوط الخارجية إلى مساحة للتفاوض، بدلاً من أن تتحول إلى أدوات إكراه.
فالصلابة وحدها قد تقود إلى العزلة، والانفتاح غير المحسوب قد يقود إلى التنازل، أما المعادلة الصحيحة فهي صلابة في الثوابت ومرونة في الوسائل والأدوات .
ولذلك فإن أفضل استجابة سودانية للمبادرة الأمريكية ولغيرها من المبادرات ليست إغلاق الباب، وليست فتحه بلا شروط؛ وإنما الجلوس إلى الطاولة برؤية سودانية واضحة، وتحديد ما يمكن التفاوض حوله وما لا يمكن التفريط فيه، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام التسوية الوطنية الشاملة والاستمرار فيها.
فالسلام الذي يحتاجه السودان ليس سلاماً يُفرض عليه تحت ضغط العقوبات التي جرب فشلها، ولا سلاماً يُنتزع منه تحت وطأة الحرب؛ وإنما سلام يصنعه السودانيون، يحفظ الدولة، ينهي التمرد، ويعيد السياسة إلى موقعها الطبيعي بوصفها وسيلة لإدارة الاختلاف لا بديلاً عن الدولة أو بوابة إلى الحرب. وتبقى المقولة الاستراتيجية
«حين تنتقل الحرب من الميدان إلى طاولة التفاوض، تصبح معركة السودان الحقيقية هي ألا يُعاد تعريف الدولة بنتائج الحرب؛ فالسلام المستدام لا يُبنى على موازين القوة وحدها، وإنما على استعادة الدولة، وتوسيع قاعدة المشاركة، وتنازل الجميع عن جزء من مطالبهم من أجل أن يربح السودان كله.»



