الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

الجمعية العامة الحادية والثمانون: من استعادة الثقة إلى إعادة تعريف علاقة الأمم المتحدة بالسودان!؟

السفير د. معاوية التوم


تنعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين في سبتمبر 2026، في لحظة دولية تختلف بصورة جوهرية عن كثير من دوراتها السابقة؛ ليس فقط بسبب تعدد بؤر الصراع والحروب، أو اتساع الفجوة بين الشمال والجنوب في النظام الدولي، وإنما بسبب أزمة أعمق تتعلق بالثقة في المؤسسات متعددة الأطراف نفسها، وبمدى قدرة الأمم المتحدة على تحويل قراراتها وتعهداتها إلى نتائج ملموسة في عالم يتغير بسرعة تفوق قدرة مؤسساته التقليدية على الاستجابة.
تفتتح الدورة الحادية والثمانون أعمالها في 8 سبتمبر 2026، بينما يبدأ النقاش العام رفيع المستوى في 22 سبتمبر ويستمر حتى 26 سبتمبر، ثم يستأنف في 28 سبتمبر. ويرأس الدورة وزير خارجية بنغلاديش السابق خليل الرحمن، الذي انتخب لهذا المنصب في يونيو 2026. ويحمل شعار الدورة دلالة سياسية واستراتيجية بالغة الأهمية:
«استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة تُنجز للجميع»
Restoring Trust, Managing Transformation: A United Nations that Delivers for All.
وليس اختيار هذا الشعار مجرد صياغة دبلوماسية؛ فهو يكاد يلخص المأزق الذي تواجهه المنظومة الدولية اليوم: أزمة ثقة من جهة، وتحولات كبرى من جهة أخرى، وحاجة ملحة إلى أن تثبت الأمم المتحدة قدرتها على الإنجاز من جهة ثالثة.

أولاً: جمعية عامة مختلفة عن سابقاتها
إذا كانت الدورة الثمانون قد ركزت على فكرة «معاً بصورة أفضل» وعلى إحياء الالتزام بالتعددية والسلام والتنمية وحقوق الإنسان، فإن الدورة الحادية والثمانين تنتقل خطوة أخرى: من تأكيد الحاجة إلى التعددية إلى اختبار قدرتها على العمل والإنجاز.
وهنا تكمن أهم دلالات هذه الدورة.
فالأمم المتحدة تدخل عامها الحادي والثمانين في عالم لم يعد يشبه عالم 1945 الذي أنشئت من أجله. الحروب أصبحت أكثر تعقيداً، والصراعات الداخلية تتداخل مع المنافسة الجيوسياسية، والاقتصاد العالمي يعاني من اختلالات بنيوية، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل مفهوم القوة، بينما تتراجع قدرة كثير من الدول على تمويل التنمية والعمل الإنساني ومعالجة الأوضاع الطارئة.

وقد أشار الأمين العام أنطونيو غوتيريش، عقب انتخاب رئيس الدورة الحادية والثمانين، إلى أن أقل من خمس أهداف التنمية المستدامة تسير في المسار الصحيح، وأن العالم يواجه أزمة ثقة متصاعدة، إلى جانب مؤسسات لا تزال تعكس بدرجة كبيرة توازنات عام 1945، بما في ذلك مجلس الأمن والهندسة المالية الدولية.
ومن هنا، فإن السؤال المركزي للدورة الجديدة لن يكون فقط: ماذا تريد الدول من الأمم المتحدة؟ بل سيكون: كيف تستطيع الأمم المتحدة أن تستعيد ثقة الدول والشعوب بقدرتها على الفعل؟

ثانياً: ستة محاور ترسم أجندة الدورة
حدد رئيس الجمعية العامة الحادية والثمانين ستة مجالات واسعة للعمل، هي: السلام والأمن؛ تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ العمل المناخي وحماية البيئة؛ حقوق الإنسان؛ حوكمة التقنيات الناشئة والذكاء الاصطناعي؛ وإصلاح الأمم المتحدة. كما أكد اهتمامه بالدبلوماسية الوقائية وبناء السلام وحماية المدنيين، مستفيداً من خبرة بنغلاديش الطويلة في عمليات حفظ السلام.
وهذه المحاور تكشف أن الجمعية العامة المقبلة ستكون أكثر ارتباطاً بجوهر الصراعات الناشئة وبالتحولات البنيوية في النظام الدولي.

  1. السلام والأمن الدولي
    ستظل الحروب الممتدة في أوكرانيا وغزة والسودان والشرق الأوسط وارتداداتها على دول الخليج وغيرها حاضرة بقوة، لكن المقاربة الدولية للصراعات تبدو آخذة في التحول من إدارة الأزمات إلى البحث عن منظومات منع النزاعات وبناء السلام واستعادة الدولة والامن الاقليمي وبروز قوى وآليات ردع جديدة .
    وهذا التحول مهم بالنسبة للسودان تحديداً.
    فالسودان لم يعد مجرد «ملف إنساني» أو «أزمة سياسية» أو «نزاع مسلح»، وإنما يواجه حرباً مركبة وأصبح اختباراً جدياً لمفهوم الدولة، ولقدرة النظام الإقليمي والدولي على منع تفكك دولة محورية في أفريقيا والبحر الأحمر.
  2. التنمية المستدامة
    الحرب التي فرضت عليه جعلت البلاد من أكثر البيئات تعقيداً في العالم أمام تحقيق أهداف التنمية المستدامة. لكن التحدي الحقيقي ليس فقط في حماية المدنيين وتوفير المساعدات، بل الانتقال من اقتصاد الإغاثة إلى اقتصاد التعافي وإعادة الإعمار.
    وهنا ينبغي للسودان أن يعيد تقديم نفسه في الأمم المتحدة باعتباره دولة واجهت وتواجه وضعا صعباً، تحتاج إلى شراكة دولية لحماية كيانها ولإعادة بناء مؤسساتها واقتصادها، لا مجرد دولة تنتظر المساعدات الإنسانية.
  3. المناخ والبيئة
    السودان من أكثر الدول تأثراً بتداخل النزاع مع الجفاف والتصحر والنزوح والأمن الغذائي والمائي والبيئي. وبالتالي فإن ملف المناخ يجب ألا يُتعامل معه في السودان باعتباره ملفاً بيئياً منفصلاً، وإنما باعتباره جزءاً من الأمن القومي والتنمية والاستقرار الاجتماعي.
  4. حقوق الإنسان وحماية المدنيين
    سيكون ملف حماية المدنيين وحقوق الإنسان حاضراً بقوة، خصوصاً في ظل النزاعات المسلحة الحالية. لكن السودان يحتاج إلى مقاربة دبلوماسية أكثر نضجاً في هذا الملف: الانخراط الفاعل مع المؤسسات الدولية، وتقديم المعلومات والردود الموثقة، وعدم ترك الساحة الدولية للروايات الأحادية والسرديات المدلسة ، مع التأكيد في الوقت ذاته على حماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي الجنائي والإنساني.وليس استخدام الجنائية بصفة انتقائية دون معاقبة التمرد ورعاته على الجرائم والانتهاكات الصارخة التي جرت وتجري بحق شعبه حتى يومنا هذا .
  5. الذكاء الاصطناعي والتحول التكنولوجي
    هذه واحدة من أكثر القضايا اختلافاً عن الأجندات التقليدية للجمعية العامة.
    فالأمم المتحدة تتجه إلى صياغة قواعد عالمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، بما يضمن ألا تكون فوائد الثورة التكنولوجية حكراً على الدول الأكثر تقدماً. ومن المقرر أن يكون التعاون الرقمي أحد مكونات أسبوع الجمعية العامة في 2026، بعد عام من اعتماد الميثاق العالمي الرقمي.
    وهنا ينبغي للسودان أن ينظر إلى التكنولوجيا باعتبارها جزءاً من إعادة بناء الدولة: الإدارة الرقمية، الخدمات الحكومية، التعليم، الصحة، الزراعة، الصناعة ، إدارة الموارد، وإعادة الإعمار.
  6. إصلاح الأمم المتحدة
    ربما يكون هذا هو المحور الأكثر أهمية في فهم الدورة الحادية والثمانين. فالأمم المتحدة نفسها تخضع لعملية إعادة هيكلة واسعة من خلال مبادرة UN80، التي تستهدف جعل المنظمة أكثر بساطة وفعالية واتساقاً وقدرة على تحقيق النتائج، في ظل الضغوط المالية والسياسية المتزايدة. وتشمل العملية إجراءات كفاءة وإعادة تنظيم داخل الأمانة العامة. وبذلك فإن دورة 2026 لا تناقش فقط إصلاح العالم؛ بل تناقش أيضاً إصلاح الأداة التي يفترض أن تساعد العالم على إدارة أزماته.

ثالثاً: «من التعهدات إلى التنفيذ»
ثمة تحول مهم آخر ينبغي الانتباه إليه.
لقد أنتجت السنوات الأخيرة عدداً كبيراً من المواثيق والإعلانات والالتزامات، وعلى رأسها Pact for the Future، لكن المشكلة أصبحت في التنفيذ.
ولهذا فإن العلاقة بين الدورة الحادية والثمانين ومبادرة UN80 ستكون محورية: كيف تتحول الالتزامات إلى سياسات، والسياسات إلى برامج، والبرامج إلى نتائج؟
وقد وصف الأمين العام «ميثاق المستقبل» و«مبادرة UN80» بأنهما يمثلان إطاراً للعمل والحلول والإصلاحات الجريئة التي ينبغي أن تنقل الأمم المتحدة إلى المستقبل. وهذا تحديداً هو المدخل الذي يمكن للسودان أن يستفيد منه ازاء ما يواجهه من تحديات.

رابعاً: السودان أمام لحظة لإعادة تعريف علاقته بالأمم المتحدة
في هذا السياق الدولي الجديد، ينبغي للسودان ألا يدخل الدورة الحادية والثمانين بعقلية الدفاع عن الملف السوداني والحرب التي فرضت عليه فقط، وإنما بعقلية إعادة بناء العلاقة السودانية–الأممية والتعاطي مع تبعات قراراتها على الدولة والشعب. فالعلاقة الحالية ما زالت تحمل آثار ترتيبات دولية نشأت في سياقات مختلفة تماماً عن واقع السودان اليوم، وتبين فشلها وآثارها التي جلبتها الضغوط والقرارات الجائرة.
لقد انتهت ولاية يوناميد UNAMID في دارفور في 31 ديسمبر 2020، بعد أن كانت قد حملت لسنوات مسؤوليات حفظ السلام وحماية المدنيين. بينما ظل فريق الخبراء المنبثق عن القرار ١٥٩١ يمارس وصايته على البلاد دون سقف زمني لإنهائه!؟
ثم انتهت ولاية يونيتامس UNITAMS بعد قرار مجلس الأمن 2715، وأغلقت البعثة فعلياً في 29 فبراير 2024، مع نقل المهام القابلة للنقل إلى الممثل الشخصي للامين العام لدورتين بين العمامرة وهافيستو، دون مسعى جدي لاعادة فريق الأمم المتحدة القطري ووكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها بصورة عاجلة اتساقا مع ميثاقها ومبادئه. وبذلك يفترض أن يكون انتهى عملياً الإطار الذي كان يمثل الوجود السياسي الأممي الخاص بالسودان.لكن المفارقة أن بعض الأطر التي نشأت في سياقات سابقة ظلت قائمة وتسعى أطراف لإستدامتها !؟.

خامساً: فريق الخبراء والقرار 1591 — منطق الاستثناء إلى منطق المراجعة
أُنشئ نظام العقوبات الخاص بالسودان بموجب القرار 1591 لعام 2005، ومن بين أدواته فريق الخبراء الذي يقدم الدعم للجنة العقوبات.
وقد مُددت ولاية الفريق أخيراً حتى 12 أكتوبر 2026 بموجب القرار 2791 لعام 2025، بالتوازي مع استمرار نظام العقوبات حتى 12 سبتمبر 2026. وهنا تبرز مسألة استراتيجية لا ينبغي أن تغيب عن الدبلوماسية السودانية:
هل يمكن أن تستمر ترتيبات استثنائية نشأت لمعالجة أزمة دارفور في عام 2005 تحت البند السابع بالآليات نفسها بعد أكثر من عقدين، وبعد انتهاء يوناميد، وبعد انتهاء يونيتامس، وفي ظل تحول طبيعة الأزمة السودانية من نزاع دارفوري ذي طبيعة محددة إلى حرب مركبة بالوكالة ذات أبعاد إقليمية ودولية مختلفة؟
السؤال لا يعني تجاهل حماية المدنيين أو الإفلات من المساءلة أو تعطيل القانون الدولي.
بل يعني شيئاً أكثر جوهرية:إعادة مواءمة أدوات الأمم المتحدة مع طبيعة الأزمة الراهنة.
وهذه هي فلسفة الإصلاح الجوهري التي تتحدث عنها الدورة الحادية والثمانون نفسها.
فإذا كانت الأمم المتحدة تريد «إدارة التحول»، فإن السودان ينبغي أن يكون من الملفات التي يُختبر فيها هذا التحول نصاً وروحاً.

سادساً: المطلوب ليس الانسحاب من الأمم المتحدة، بل العودة إليها بصورة مختلفة
في سياق تعاطيه مع المنظمة الدولية،فالخطأ الاستراتيجي سيكون أن ينظر السودان إلى إنهاء بعض الأطر الدولية باعتباره هدفاً بحد ذاته.
المطلوب هو العكس تماماً:
إنهاء العلاقة الاستثنائية لا يعني إنهاء العلاقة الدولية.
بل ينبغي أن يتحول السودان من علاقة يغلب عليها منطق البعثات الخاصة والعقوبات والتقارير الاستثنائية والإحاطات الموجهة من حامل القلم إلى علاقة تقوم على:
• الشراكة التنموية؛
• بناء المؤسسات؛
• إعادة الإعمار؛
• دعم السلام الوطني؛
• تعزيز سيادة القانون؛
• التنمية المستدامة؛
• بناء القدرات الوطنية؛
• التعاون الاقتصادي والمالي؛
• الحوكمة الرقمية؛
• حماية المدنيين وفق القانون الدولي؛
• ودعم العودة الطوعية والآمنة للنازحين واللاجئين.
وهنا تأتي أهمية عودة الوجود الأممي المؤسسي الطبيعي إلى الخرطوم.
فبعد انتهاء يونيتامس، ينبغي ألا يكون البديل فراغاً أممياً، وإنما الإنصاف والعدل يقتضي إعادة تموضع للوجود الأممي بما يتناسب مع المرحلة الجديدة وبدعم أكبر .
والسودان بحاجة إلى مكتب قطري أممي قوي وفاعل في الخرطوم، بالتنسيق مع الحكومة السودانية، يربط بين وكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها وبين أولويات الدولة في التعافي وإعادة البناء والتنمية وكفكفة آثار الحرب وتعزير الشرعية القائمة .
ذلك أن الأمم المتحدة نفسها تؤكد أن فريق الأمم المتحدة القطري في السودان ما زال يعمل مع الشركاء الوطنيين والدوليين، وأن مكتب المنسق المقيم يشكل جزءاً من الهيكل الأممي الموجود في البلاد. ومن ثم فإن المطلوب ليس اختراع علاقة جديدة من الصفر، بل إعادة مركز ثقلها المؤسسي والسياسي إلى الداخل السوداني، وبما يحترم سيادة الدولة واحتياجاتها الوطنية.

سابعاً: الخرطوم يجب أن تجعل الجمعية العامة منصة لإعادة التموضع
ينبغي أن يحمل السودان إلى نيويورك في سبتمبر 2026 رسالة سياسية متكاملة، لا مجرد خطاب عن الحرب. هذه الرسالة يمكن أن تقوم على أربعة مطالب استراتيجية:
أولاً: الانتقال من إدارة الأزمة إلى دعم استعادة الدولة.
فالسودان يحتاج إلى مؤسسات وطنية فاعلة أكثر مما يحتاج إلى هياكل دولية موازية.
ثانياً: مراجعة الأطر الاستثنائية القديمة.
وهنا يأتي ملف القرار 1591 وفريق الخبراء، باعتباره إطاراً يحتاج إلى مراجعة سياسية وقانونية شاملة، وصولاً إلى إنهائه أو إعادة صياغته بما يتناسب مع الظروف الراهنة.
ثالثاً: إعادة الوجود الأممي التنموي والمؤسسي إلى الخرطوم.
فالسودان يحتاج إلى الأمم المتحدة في مرحلة ما بعد الحرب أكثر مما احتاج إليها في مراحل كثيرة سابقة، ولكن يحتاجها كشريك في إعادة البناء، لا كبديل عن مؤسسات الدولة.
رابعاً: ربط السلام بإعادة الإعمار.
لا ينبغي أن يكون وقف الحرب نهاية العملية، بل بداية مشروع دولي لإعادة بناء السودان، على غرار التجارب التي انتقلت فيها الأمم المتحدة من حفظ السلام إلى بناء السلام والتنمية.

ثامناً: السودان وفرصة «استعادة الثقة»
المفارقة المهمة أن شعار الجمعية العامة الحادية والثمانين يصلح أيضاً ليكون عنواناً للاستراتيجية السودانية الجديدة:
استعادة الثقة.السودان يحتاج إلى استعادة الثقة داخلياً، وإقليمياً، ودولياً.
والأمم المتحدة تحتاج هي الأخرى إلى استعادة الثقة في قدرتها على التعامل مع الأزمات بصورة أكثر عدالة وفعالية. ومن هنا يمكن أن تلتقي مصلحة السودان مع أجندة الجمعية العامة.
فالسودان يستطيع أن يقول للمجتمع الدولي:
إذا كانت الأمم المتحدة تريد إدارة التحول، فإن السودان يريد أن يكون شريكاً في هذا التحول، لا مجرد موضوع له.
وإذا كانت الأمم المتحدة تريد الانتقال من إدارة الأزمات إلى تحقيق النتائج، فإن السودان يريد الانتقال من إدارة الحرب إلى إعادة بناء الدولة.
وإذا كانت المنظمة تريد إصلاح أدواتها، فإن السودان يريد مراجعة الأطر الاستثنائية التي لم تعد تعكس واقع السودان الجديد وتطلعات شعبه وحقهم بموجب الميثاق.

الخاتمة:
من «ملف السودان» إلى «مشروع السودان»
الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة ليست مجرد دورة جديدة في التقويم الدبلوماسي للأمم المتحدة؛ إنها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المنظمة الدولية والعالم الذي تغير من حولها.
ولهذا فإن السودان أمام فرصة استراتيجية نادرة.
فبعد انتهاء يوناميد، ثم إغلاق يونيتامس في فبراير 2024، وبعد التحولات العميقة التي أحدثتها الحرب، لم يعد منطقياً أن تظل علاقة السودان بالأمم المتحدة أسيرة البنية الدولية التي تشكلت في مرحلة سابقة.
آن الأوان للانتقال من منطق الاستثناء إلى منطق الشراكة، ومن منطق الرقابة إلى منطق بناء المؤسسات، ومن منطق إدارة الأزمة إلى منطق استعادة الدولة.
وفي هذا الإطار، ينبغي أن تتحول دورة سبتمبر 2026 إلى مناسبة لإطلاق حوار سوداني–أممي جديد حول طبيعة الوجود الأممي في السودان، ومراجعة نظام العقوبات المرتبط بالقرار 1591، ووضع حد تدريجي للترتيبات التي فقدت مبررات استمرارها، وفي مقدمتها استمرار فريق الخبراء بالصيغة القديمة، بالتزامن مع تعزيز الوجود القطري للأمم المتحدة في الخرطوم.
ولا ينبغي أن يكون الهدف مجرد «إغلاق بعثة وفتح مكتب»؛ فهذه ستكون معالجة إدارية لمسألة استراتيجية.
المطلوب هو إعادة هندسة العلاقة السودانية–الأممية بكاملها: علاقة تقوم على السيادة والشراكة، وعلى دعم السلام وإعادة الإعمار والتنمية، وعلى احترام المؤسسات الوطنية، وعلى انتقال السودان من موقع «الحالة الدولية» إلى موقع «الدولة الشريكة».
وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل العلاقة بين السودان والأمم المتحدة لا ينبغي أن يُقاس بعدد البعثات الدولية الموجودة في البلاد، وإنما بقدرة المنظمة الدولية على مساعدة السودانيين في استعادة دولتهم، وقدرة السودان على بناء مؤسساته بحيث يصبح شريكاً فاعلاً في النظام الدولي لا موضوعاً دائماً لجلسات استماعه وإحاطتها و قراراته. والخاصة الاستراتيجية:
«إذا كانت الجمعية العامة الحادية والثمانون تريد استعادة الثقة وإدارة التحول، فإن السودان مطالب بأن يستثمر هذه اللحظة للانتقال من علاقةٍ تُدار فيها أزمته دولياً إلى علاقةٍ تُبنى فيها دولته بالشراكة مع المجتمع الدولي؛ فالسودان الجديد لا يحتاج إلى أممٍ متحدةٍ تدير استثناءه، بل إلى أممٍ متحدةٍ تساعده على استعادة دولته، وإلى دولةٍ سودانيةٍ قادرةٍ على إدارة علاقتها بالعالم من موقع الشراكة لا الوصاية.»

اترك رد

error: Content is protected !!