الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

ترامب واتفاق إيران: لماذا يستعجل التوقيع قبل الموعد!؟هرمز في قلب المعادلة.. لا الملف النووي

السفير د. معاوية التوم


أعاد التسريب المتعلق بمسودة التفاهم الأمريكية – الإيرانية طرح تساؤلات عديدة حول الأسباب التي أجلت إعلان فحواها، و دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الدعوة لتوقيع الاتفاق قبل نحو 36 ساعة من الموعد المقرر، في وقت ما تزال فيه ملفات جوهرية عالقة، وما يزال وقف إطلاق النار الشامل في المنطقة، وخاصة على الجبهة اللبنانية، بعيد المنال.
ورغم أن الخطاب الرسمي يربط الاتفاق بالملف النووي الإيراني، إلا أن القراءة المتأنية للمسودة وما رافقها من تصريحات أمريكية تشير إلى أن الأولوية العاجلة للإدارة الأمريكية لا تتعلق بالتخصيب النووي بقدر ما تتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز واستعادة انسياب التجارة والطاقة العالمية وحركة أسواق الأسهم . فالمضيق يمثل الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي، وأي تأخير في استعادة الملاحة الطبيعية يضاعف الضغوط على الأسواق الدولية ويرفع تكاليف التأمين والشحن ويهدد استقرار أسعار النفط.

الحسابات الداخلية الأمريكية.. عامل لا يمكن تجاهله
لا يمكن فصل استعجال ترامب عن الحسابات الداخلية الأمريكية. فالإدارة الأمريكية تدرك أن استمرار التوتر في الخليج ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة داخل الولايات المتحدة، وعلى معدلات التضخم وكلفة المعيشة، وهي ملفات شديدة الحساسية سياسياً.
كما أن ترامب، الذي يقدم نفسه باعتباره رجل الصفقات القادر على إنهاء الأزمات بأقل تكلفة عسكرية، يحتاج إلى إظهار نجاح دبلوماسي سريع يوازي المكاسب العسكرية التي أعلنتها واشنطن خلال الأشهر الماضية. ومن ثم فإن توقيع اتفاق مع إيران، حتى وإن كان مؤقتاً أو انتقالياً، يمنح الإدارة الأمريكية فرصة لتقديم إنجاز سياسي واقتصادي للرأي العام الأمريكي.
وفي هذا السياق، تبدو السرعة مطلوبة أمريكياً أكثر منها إيرانياً، لأن تكلفة استمرار الأزمة على واشنطن وحلفائها الغربيين قد تكون أكبر من تكلفة استمرارها على طهران في المدى القصير.

لماذا تأخر الاتفاق أصلاً؟
إذا كانت واشنطن متعجلة إلى هذا الحد، فلماذا لم يتم التوقيع منذ البداية؟
الإجابة تكمن في أن ما جرى التوصل إليه ليس اتفاقاً نهائياً، وإنما إطار سياسي مؤقت يؤجل القضايا الأكثر تعقيداً إلى مرحلة لاحقة. فالخلافات المتعلقة بمستويات التخصيب النووي، وآليات الرقابة الدولية، والعقوبات الأمريكية، والأموال الإيرانية المجمدة، والترتيبات الأمنية الإقليمية، ما تزال جميعها قيد التفاوض.
كما أن طهران تدرك أن ورقة مضيق هرمز تمثل أحد أهم عناصر قوتها التفاوضية. لذلك فإنها تسعى إلى ضمان الحصول على أكبر قدر من المكاسب الاقتصادية والسياسية قبل تقديم التزامات نهائية قد تفقدها هذه الورقة لاحقاً.
ومن ثم فإن التأخير لم يكن نتيجة خلافات فنية فحسب، وإنما انعكاس لحسابات استراتيجية متبادلة تتعلق بتوازنات القوة ومراحل تنفيذ الالتزامات.

الجبهة اللبنانية.. الحلقة الغائبة في التفاؤل الأمريكي
أحد أبرز مواطن الضعف في السردية المتفائلة التي تروج لها واشنطن يتمثل في أن الاتفاق المقترح لا يعالج بصورة مباشرة ملفات الاشتعال الإقليمي، وعلى رأسها الجبهة اللبنانية.

فحتى إذا تم التوصل إلى تفاهم أمريكي – إيراني بشأن هرمز والملف النووي، فإن ذلك لا يعني تلقائياً التوصل إلى وقف إطلاق نار مستدام في لبنان أو احتواء بؤر التوتر الأخرى في المنطقة. وما تزال الحسابات الأمنية والعسكرية بين إسرائيل وحزب الله أكثر تعقيداً من أن تُختزل في اتفاق ثنائي بين واشنطن وطهران.
ولهذا تبدو المراهنة على أن الاتفاق سيقود فوراً إلى تهدئة إقليمية شاملة أمراً سابقاً لأوانه، خاصة أن العديد من ملفات الصراع الإقليمي لم تُدرج أصلاً ضمن بنود التفاهم الأولي.

هاجس الاقتصاد العالمي
وراء الاستعجال الأمريكي تقف أيضاً اعتبارات دولية أوسع. فاستمرار اضطراب الملاحة في الخليج والبحر الأحمر يهدد سلاسل الإمداد العالمية في لحظة يعاني فيها الاقتصاد الدولي أصلاً من تباطؤ النمو وارتفاع مستويات الدين العام وتزايد المخاطر الجيوسياسية.
كما أن الدول الأوروبية والاقتصادات الآسيوية الكبرى تضغط باتجاه إعادة الاستقرار إلى ممرات التجارة والطاقة بأسرع وقت ممكن، وهو ما يفسر وجود دعم دولي واسع لأي تفاهم يفضي إلى إعادة فتح هرمز وخفض احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة.

الموقف الإسرائيلي وحسابات حزب الله
لا تبدو إسرائيل متحمسة بالكامل لأي اتفاق يمنح إيران انفراجاً اقتصادياً أو سياسياً قبل معالجة ما تعتبره مصادر التهديد الرئيسية المرتبطة بالنفوذ الإيراني الإقليمي. فبالنسبة لتل أبيب، لا يقتصر التحدي على البرنامج النووي، بل يمتد إلى شبكة الحلفاء الإقليميين وفي مقدمتهم حزب الله في لبنان. ومن هذا المنظور، تخشى إسرائيل أن يؤدي رفع العقوبات وتدفق الموارد المالية إلى تعزيز القدرات الإيرانية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، دون الحصول على ضمانات كافية بشأن السلوك الإقليمي لطهران. وفي المقابل، ينظر حزب الله إلى أي تفاهم أمريكي–إيراني من زاوية تأثيره على ميزان الردع القائم مع إسرائيل، وليس باعتباره تسوية ملزمة للجبهة اللبنانية. لذلك فإن وقف إطلاق النار الدائم في لبنان سيظل رهيناً بحسابات أمنية وسياسية خاصة بالطرفين، تتجاوز حدود الاتفاق النووي أو التفاهمات المتعلقة بمضيق هرمز. ولهذا قد تنجح واشنطن وطهران في تخفيف التوتر بينهما، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء احتمالات التصعيد بين إسرائيل وحزب الله، خاصة إذا استمرت الخلافات حول قواعد الاشتباك ومستقبل الترتيبات الأمنية على الحدود اللبنانية الجنوبية.

بين إدارة الأزمة وحلها
في المحصلة، يبدو أن استعجال ترامب لا يعكس اقتراب التوصل إلى تسوية شاملة بقدر ما يعكس رغبة أمريكية عاجلة في احتواء التداعيات الاقتصادية والأمنية للأزمة. فواشنطن تريد فتح هرمز سريعاً، وخفض أسعار الطاقة، وتهدئة الأسواق، وتقديم إنجاز سياسي للرأي العام الداخلي قبل الانتخابات، وتجاوز الضغوط التشريعية.
أما إيران فتسعى إلى تحويل أوراق الضغط التي تمتلكها إلى مكاسب اقتصادية واستراتيجية قبل الانتقال إلى الملفات الأصعب.
لذلك فإن الاتفاق المرتقب، إذا تم توقيعه يوم الجمعة بسويسرا، لن يمثل نهاية الصراع بقدر ما سيشكل بداية مرحلة جديدة من التفاوض. وستظل القضايا الجوهرية، من البرنامج النووي إلى العقوبات، ومن الترتيبات الأمنية الخليجية إلى المواجهات غير المباشرة في لبنان والمنطقة، هي الاختبار الحقيقي لمدى قدرة الطرفين على الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها.
وبعبارة أخرى، فإن ما يجري اليوم قد يفتح مضيق هرمز، لكنه لا يفتح بالضرورة أبواب السلام الشامل في الشرق الأوسط، لكنه يبقى خطوة أولية في طي صفحة الحرب.
————
١٧ يونيو ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!