الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

بين المذكرة والهدوء الهش وعودة النيران.. إلى أين تتجه الحرب الثلاثية!؟

السفير د. معاوية التوم

بعد مرور نحو ثلث مدة مذكرة التفاهم المؤقتة الممتدة لستين يوماً، يبدو أن التطورات الميدانية الأخيرة أعادت طرح السؤال الجوهري: هل كانت المذكرة بداية طريق نحو تسوية سياسية حقيقية، أم مجرد هدنة تكتيكية لإعادة التموضع قبل جولة جديدة من المواجهة؟

الضربات العسكرية التي نشهدها أمس واليوم، وما تبعها من رسائل متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، تؤكد أن الاتفاق لم يكن اتفاق سلام، وإنما إطاراً محدوداً لإدارة الأزمة ومنع الانزلاق الفوري إلى حرب شاملة. أما الملفات الأكثر تعقيداً كانت البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي، ومستقبل المليشيات الحليفة، ولبنان وأمن الملاحة في مضيق هرمز، كلها ما زالت خارج دائرة التوافق الحقيقي، الأمر الذي يجعل أي تهدئة عرضة للاهتزاز عند أول اختبار ميداني. فالوضع القائم معادلة خاسر خاسر،مرحلة صفرية دون مكاسب جوهرية لاي طرف.

مذكرة تفاهم لا تعالج جذور الصراعالمذكرة صيغت أساساً لوقف التصعيد، وليس لإنهاء أسباب الحرب. فهي تعالج النتائج المباشرة، لكنها لا تقدم حلولاً مستدامة للخلافات البنيوية التي تراكمت طوال عقود.

فالولايات المتحدة تريد ضمانات دائمة تتعلق بالبرنامج النووي، وحرية الملاحة، والحد من النفوذ العسكري الإيراني في الإقليم، بينما ترى طهران أن أي اتفاق لا يتضمن رفعاً حقيقياً للعقوبات، وفك الأصول، والاعتراف بدورها الإقليمي، وضمان أمنها القومي، لن يكون أكثر من هدنة مؤقتة.

أما إسرائيل، فتنظر إلى أي تعافٍ للقدرات العسكرية الإيرانية باعتباره تهديداً استراتيجياً لا يمكن التعايش معه، وهو ما يجعلها أكثر ميلاً إلى استمرار سياسة الاستنزاف والضربات الوقائية.

الواقعية في مواجهة الصقور داخل العواصم الثلاث لا يوجد موقف واحد، بل معسكران متوازيان.

هناك تيار واقعي يدرك أن استمرار الحرب يرفع الكلفة الاقتصادية والعسكرية والسياسية إلى مستويات يصعب تحملها، ويرى أن التسوية المرحلية أصبحت ضرورة استراتيجية.

وفي المقابل يقف تيار الصقور الذي يعتقد أن اللحظة الحالية تمثل فرصة تاريخية لتغيير ميزان القوى بصورة نهائية، ويرفض أي اتفاق لا يحقق مكاسب حاسمة، بل رغبة في فرض الاستسلام من وقبل واشنطن وحليفتها.

ولهذا فإن كل ضربة عسكرية لا تستهدف الخصم وحده، وإنما تستهدف أيضاً تعديل موازين القوى داخل مؤسسات صنع القرار لدى الطرف الآخر، وهو ما يفسر استمرار التصعيد رغم وجود إطار تفاوضي قائم.

هل أصبح التصعيد حتمياً؟

ليس بالضرورة، لكن احتمالاته من المؤشرات أصبحت أعلى من احتمالات التهدئة المستقرة.فالضربات الأخيرة تشير إلى أن الأطراف ما زالت تعتمد سياسة “التصعيد تحت سقف الحرب الشاملة”، وهي معادلة دقيقة تقوم على توجيه ضربات مؤلمة، مع الحرص على عدم تجاوز الخطوط التي تفرض رداً يقود إلى مواجهة مفتوحة.

غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في داخلها خطراً دائماً؛ إذ يكفي خطأ في الحسابات، أو سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، أو استهداف منشأة سيادية حساسة، حتى يتحول التصعيد المحدود إلى انفجار إقليمي واسع.

هرمز… العقدة التي لم تُحل

يبقى مضيق هرمز الحلقة الأكثر حساسية في المشهد.فالمذكرة حاولت تخفيف التوتر حول الملاحة، لكنها لم تحسم الخلاف حول طبيعة السيطرة الأمنية وآليات المرور، وهو ما جعل المضيق يعود مجدداً إلى واجهة الأزمة.

ويدرك الجميع أن أي اضطراب طويل في هرمز لا يهدد دول الخليج وحدها، بل يطال الاقتصاد العالمي بأسره وحركة الطاقة والتجارة.

ارتفاع تكاليف التأمين البحري، واضطراب سلاسل الإمداد، وتقلب أسعار النفط والغاز، كلها بدأت تظهر بوصفها نتائج مباشرة لهذا الشد والجذب، وهو ما يدفع القوى الاقتصادية الكبرى إلى تكثيف الضغوط لمنع انهيار التفاهمات الحالية، بالعودة للخيار الدبلوماسي.

الاقتصاد… اللاعب الصامت

إذا كانت الصواريخ ترسم المشهد العسكري، فإن الأسواق ترسم المشهد السياسي.

فالولايات المتحدة تواجه ضغوطاً مرتبطة باستقرار أسواق الطاقة والتضخم العالمي، فضلا عن المشاغل الداخلية.

وأوروبا لا ترغب في أزمة طاقة جديدة.ودول الخليج ترى أن استمرار التوتر يهدد مشاريعها الاقتصادية الكبرى.

أما إيران، فتعلم أن استمرار العقوبات والحصار الاقتصادي يستنزف قدرتها على الصمود طويل الأمد.

لهذا يصبح الاقتصاد، أكثر من القوة العسكرية، العامل الأكثر تأثيراً في دفع الجميع نحو العودة إلى طاولة التفاوض، حتى وإن استمرت الضربات الميدانية.

إلى أين تتجه الأزمة؟

السيناريو الأول يتمثل في احتواء الضربات الحالية، ثم العودة إلى استكمال المفاوضات قبل انتهاء مهلة الستين يوماً.

أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في توسع دائرة الردود المتبادلة، بما يؤدي إلى انهيار مذكرة التفاهم بالكامل، وعودة الحرب الإقليمية المفتوحة.

ويبقى السيناريو الثالث، وهو الأقرب في المدى المنظور، استمرار حالة “اللاحرب واللاسلم”، حيث تستمر الضربات المحدودة، وتتواصل الاتصالات الدبلوماسية في الوقت نفسه، بحيث تستخدم العمليات العسكرية وسيلة لتحسين شروط التفاوض، لا بديلاً عنه.

السيناريو الأكثر ترجيحاً

في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس الانفجار الإقليمي الشامل ولا التسوية النهائية، وإنما استمرار التصعيد المنضبط دون المواجهة المباشرة؛ أي تبادل الضربات العسكرية المحدودة والمتقطعة، بالتوازي مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.

فالأطراف الثلاثة تدرك أن الحرب المفتوحة ستكون باهظة الكلفة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في تقديم تنازلات جوهرية قبل تحسين مواقعها التفاوضية عبر الضغط الميداني. لذلك ستظل العمليات العسكرية أداة لرفع سقف التفاوض، بينما تتحرك الدبلوماسية لاحتواء التصعيد ومنع تجاوزه إلى مواجهة شاملة. غير أن هذا السيناريو يبقى هشاً؛ إذ إن أي خطأ في الحسابات، أو استهداف منشأة استراتيجية، أو سقوط عدد كبير من الضحايا، قد ينقل الأزمة سريعاً من مرحلة “إدارة الصراع” إلى مرحلة “انفجار الصراع”، بما يعيد المنطقة إلى دائرة حرب إقليمية واسعة تتجاوز أطرافها المباشرين.

الخلاصة

بعد مرور ثلث مدة مذكرة التفاهم، يمكن القول إن الاتفاق نجح في منع الانفجار الكبير، لكنه لم ينجح في بناء السلام، واتساع دائرة الصراع تظل قائمة.

فالخلافات الجوهرية ما زالت قائمة، والثقة بين الأطراف تكاد تكون معدومة، والصقور ما زالوا يمتلكون قدرة كبيرة على التأثير في القرار والضغط السياسي.

ولهذا فإن المشهد الراهن لا يعكس نهاية الحرب، بل انتقالها من حرب مفتوحة إلى صراع متعدد الأدوات، تتداخل فيه الضربات العسكرية، والضغوط الاقتصادية، والمفاوضات الدبلوماسية، والحرب النفسية في وقت واحد.وحتى انتهاء مهلة الستين يوماً، سيظل السؤال مفتوحاً: هل تتحول المذكرة إلى اتفاق دائم، أم تصبح مجرد محطة قصيرة تسبق جولة أشد اتساعاً وأعلى كلفة من الحرب ذاتها!؟

اترك رد

error: Content is protected !!