اثر الرقمنة في تنظيم الدورة المالية.

(٣/٢)
إذا كان التحول نحو المدفوعات الرقمية يسهم في خفض تكلفة التعامل بالنقد الورقي، فإن أهميته تتجاوز ذلك إلى قضية أكثر أهمية، تتمثل في السيطرة على الدورة المالية، وهي قضية مهمة لكل دولة تحتاج إلى معرفة حجم النشاط الاقتصادي من أجل تحسين الخدمات، وتوسيع المظلة الضريبية بصورة متوازنة، حتى يشارك الجميع في تحمل المسؤولية وفقا لقدراتهم، بدلا من أن تتحملها قطاعات محدودة بينما تعمل أنشطة اقتصادية واسعة خارج المنظومة الرسمية.
والنظام الرقمي الشفاف يساعد على تبسيط الإجراءات، وتقديم خدمات ذات جودة، وإقناع للمواطن بأن التعامل مع الدولة عبر القنوات الرسمية يحقق له منافع، من حماية قانونية وخدمات أفضل وفرص أكبر للنمو والتمويل والاستثمار، فالعلاقة بين الدولة والمواطن تقوم على الثقة قبل أن تقوم على الجباية.
في كثير من دول العالم، أصبحت المدفوعات الحكومية تتم إلكترونيا بصورة شبه كاملة، كما اتجهت بعض الدول إلى وضع ضوابط على السحب النقدي للمبالغ الكبيرة، وتشجيع المعاملات الإلكترونية عبر الحوافز والتسهيلات، حتى أصبحت المدفوعات النقدية (الورقية) تمثل نسبة محدودة من إجمالي المعاملات اليومية.
وللسودان تجارب وطنية جديرة بالبناء عليها، فقد شكل تطبيق نظام “أورنيك 15 الإلكتروني” قبل سنوات خطوة مهمة في مسيرة التحصيل والسداد الإلكتروني الحكومي، وأسهم في تطوير عمليات التحصيل الحكومي وتقليل التعامل المباشر بالنقد، واليوم تتواصل هذه الجهود من خلال نظام “إيصالي”، الذي يمثل مرحلة جديدة في مسار الخدمات الحكومية الرقمية.
غير أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مفهوم التحصيل الإلكتروني المنفصل إلى مفهوم المنظومة الرقمية المتكاملة، بحيث يتم ربط أنظمة التحصيل الحكومية، ومعاملات المواطن اليومية مع امواله، بتطبيقات الدفع الإلكتروني التي توفرها المصارف، ليتمكن المواطن من سحب وايداع امواله، وسداد رسوم الخدمات بسهولة عبر التطبيقات التي يستخدمها يوميا، دون الحاجة إلى تعدد الأنظمة أو تعقيد الإجراءات.
ومن المهم أن تقوم هذه المنظومة على التشجيع والتحفيز لا على الإلزام. فمن الممكن منح تخفيضات على بعض الرسوم لمن يستخدم وسائل الدفع الإلكتروني، وتقديم مزايا إضافية للمواطنين الذين يفضلون القنوات الرقمية. كما يمكن تشجيع الأسواق والمراكز التجارية والتجار الذين يوفرون وسائل الدفع الإلكتروني، ومنحهم حوافز مناسبة، باعتبارهم شركاء في بناء الاقتصاد الوطني.
كما أن ربط الخدمات الحكومية بمنظومة دفع موحدة يسهم في رفع كفاءة التحصيل، وتقليل الفاقد المالي، والحد من المعاملات النقدية المباشرة، وتوفير بيانات دقيقة تساعد متخذي القرار على التخطيط بصورة أفضل، وتعزيز الإيرادات العامة دون الحاجة إلى فرض أعباء جديدة على المواطنين.
إن السودان وهو يعيد بناء اقتصاده ومؤسساته، أمام فرصة تاريخية للانتقال إلى نموذج اقتصادي يقوم على الثقة والتبسيط والتحفيز، لا على التعقيد والإجراءات التقليدية والإكراه. وقد يكون الوقت مناسبا لتبني برنامج وطني شامل للمدفوعات الرقمية، باعتباره أحد أهم مشروعات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب.
في العمود القادم نتناول اهم ثمار الاقتصاد الرقمي.
١٦ يونيو ٢٠٢٦م



