تحرير كلبس.. هل بدأت معادلة الحرب في دارفور تتغير والمشهد الي تحول!؟

لم يكن الإعلان عن استعادة منطقة كلبس بولاية غرب دارفور حدثاً ميدانياً معزولاً، بل يحمل في طياته دلالات تتجاوز حدود السيطرة على رقعة جغرافية إلى إعادة رسم ميزان العمليات العسكرية في غرب السودان. ويكتسب هذا التطور أهمية مضاعفة إذا ما اقترن بالتقدم الذي أحرزته القوات المسلحة في عدد من المحاور الأخرى، خاصة منطقة النيل الأزرق التي سعى التمر لايجاد موطئ قدم فيها للإلهاء عن المناطق والعقد الاستراتيجية الأخرى غربي البلاد . آخذين في الاعتبار التصريحات التي صدرت عن والي غرب دارفور، والتي اعتبرت تحرير كلبس “نقطة تحول حاسمة وبداية الانطلاق لتطهير الولاية”، في وقت يتصاعد فيه الضغط الدولي للدفع نحو تسوية سياسية.
أولاً: لماذا تمثل كلبس أهمية استراتيجية؟
تكمن أهمية كلبس في موقعها الجغرافي على تخوم الحدود الغربية، حيث تعد إحدى البوابات التي تؤثر في خطوط الحركة والإمداد بين غرب دارفور والحدود مع تشاد، كما تشكل نقطة ربط بين مسار العمليات في غرب دارفور والمحاور المؤدية إلى الجنينة والمناطق الحدودية.ولها انعكاسات على مجمل الأوضاع في كردفان خاصة الأبيض التي تم التحشيد لأجلها من أسابيع.ولذلك فإن السيطرة عليها لا تعني مجرد استعادة مدينة، وإنما تعني:
• تقليص مساحة المناورة أمام قوات الدعم السريع المتمردة.
• الضغط على خطوط الإمداد العابرة للحدود.
• تعزيز قدرة الجيش على الانتقال من الدفاع إلى العمليات الهجومية.
• توفير قاعدة انطلاق نحو بقية مناطق غرب دارفور.
وإذا تزامن ذلك مع التقدم في محاور أخرى، فإن الصورة الميدانية تشير إلى محاولة إعادة تشكيل المسرح العسكري بأكمله، وليس تحقيق انتصار موضعي فحسب.
ثانياً: بين الميدان والسياسةجاء هذا التطور في توقيت بالغ الحساسية.ففي الوقت الذي تكثف فيه بعض القوى الإقليمية والدولية جهودها لإحياء مسار تفاوضي جديد، أعلن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان موقفاً أكثر وضوحاً، مؤكداً أن الحكومة لن تدخل في أي عملية سلام أو تفاوض لا تتضمن تفكيك قوات الدعم السريع وتسليم سلاحها.الامر الذي يلبي رغبة الشعب سند القوات المسلحة، رغم اكتوائه بنيران الحرب وويلاتها.
وهذا الموقف يعني عملياً أن الخرطوم تسعى أولاً إلى تحسين ميزان القوة على الأرض قبل الانتقال إلى أي مسار سياسي، انطلاقاً من قناعة بأن الاتفاقات التي تُبنى في ظل توازن مختل قد تعيد إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.
وبالتالي، فإن العمليات العسكرية الجارية أصبحت جزءاً من أدوات التفاوض نفسها، وليست بديلاً عنها.
ثالثاً: هل تغيرت معادلة الحرب؟
على امتداد العامين الماضيين اتسمت الحرب بحالة من الكر والفر، إلا أن الأشهر الأخيرة تشير إلى تغير نسبي في طبيعة العمليات، وتراجع في جبهة التمرد وحلفائه ومراعاته رغم الدعم الكثيف والتشوين والعتاد الخارجي.
فالجيش يحاول اليوم الانتقال من مرحلة استعادة المدن الكبرى إلى مرحلة تفكيك جيوب الانتشار في دارفور وكردفان، بينما تواجه قوات الدعم السريع المتمردة، تحدياً متزايداً في الحفاظ على أي امتداد جغرافي واسع يعتمد بدرجة كبيرة على خطوط الإمداد والانتشار السريع.
وإذا استمرت هذه الوتيرة، فقد تنتقل الحرب تدريجياً من معركة السيطرة على المدن إلى معركة استنزاف الموارد والقدرات اللوجستية.
رابعاً: ماذا يعني ذلك إقليمياً؟
أي تغير في غرب دارفور لا يبقى شأناً داخلياً.فالمنطقة تتداخل حدودياً مع تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا، كما ترتبط بمسارات التجارة والهجرة والسلاح.
لذلك فإن أي تحول في ميزان السيطرة ستكون له انعكاسات مباشرة على:
• أمن الحدود.
• حركة اللاجئين والنازحين.
• نشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود.
• شبكات التهريب بأنواعها المختلفة والأسواق غير النظامية.
كما أن استعادة الدولة لمزيد من المناطق الحدودية ستعزز قدرتها على ضبط الحدود، وهو مطلب ظلت تطالب به دول الجوار منذ اندلاع الحرب، رغم غياب الالية التي شملتها مصر باكرا منذ ايام الحرب الاولى لهذه الغاية.
خامساً: كيف ستتعامل الأطراف الخارجية؟
من المرجح أن تدفع التطورات العسكرية الأخيرة بعض الوسطاء إلى تكثيف جهودهم لإيقاف القتال قبل أن تفرض الوقائع الميدانية معادلة جديدة.وهذا ما أعتاده المشهد عندما يكون الميدان لصالح الجيش السوداني.
فالعديد من المبادرات الدولية كانت تقوم على افتراض وجود توازن نسبي بين ما يسمونه تواطؤًا (طرفي النزاع) لشرعنة التمرد وتجسير التسوية، لكن استمرار تغير الخريطة العسكرية قد يدفع تلك الأطراف إلى مراجعة حساباتها السياسية.
وفي المقابل، فإن الخرطوم تبدو حريصة على تثبيت معادلة جديدة مفادها أن أي عملية سياسية ينبغي أن تأتي بعد معالجة الملف الأمني، وتفكيك التمرد كلية وليس قبله.
يمكن أن تأتي الخاتمة بصياغة أكثر تماسكًا، مع إبراز العلاقة بين التطورات الميدانية والضغوط الخارجية، من دون أن تفقد طابعها التحليلي
:سادساً: بين الحسم والتسوية
رغم أهمية الإنجازات الميدانية، فإن إنهاء الحرب لا يتحقق بالعمل العسكري وحده، كما أن أي تسوية سياسية لا تستند إلى واقع أمني مستقر واحتكار الدولة للسلاح ستظل تسوية هشة، قابلة للانهيار عند أول اختبار.
غير أن التجربة السودانية خلال هذه الحرب كشفت أيضاً عن معادلة لافتة؛ فكلما تقدمت مؤسسات الدولة والقوات المسلحة على الأرض، تصاعدت الضغوط الخارجية الداعية إلى وقف العمليات والعودة إلى تسويات عاجلة، بينما تتراجع تلك الضغوط أو تتخذ منحى مختلفاً كلما حقق التمرد اختراقاً ميدانياً، ولو كان محدوداً أو مؤقتاً. وقد أفرز هذا السلوك انطباعاً راسخاً لدى قطاعات واسعة من السودانيين بأن بعض الأطراف المنخرطة في ملف الأزمة لا تنطلق من مبدأ الحياد، وإنما من مقاربة تقوم على “الطرفانية” وإدارة توازن هش بين الدولة والتمرد، بما يطيل أمد الأزمة ويُبقي السودان ساحة مفتوحة للمساومات والتجاذبات الإقليمية.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم تمسك الدولة السودانية بموقفها الرافض لأي تسوية تسبق إنهاء التمرد وتفكيك بنيته العسكرية والأمنية، ورفضها كذلك لأي ضغوط أو اشتراطات خارجية تُبقي السلاح خارج إطار الدولة أو تمنح الجماعات المسلحة وضعاً سياسياً يكرس واقع القوة الذي فرضته الحرب.
وعليه، فإن تحرير كلبس يتجاوز كونه استعادة لمدينة ذات أهمية استراتيجية؛ فهو يمثل مؤشراً على انتقال الحرب إلى مرحلة جديدة، عنوانها إعادة تشكيل ميزان القوى على أسس ميدانية أكثر وضوحاً. وإذا استمرت القوات المسلحة في تحقيق مكاسب متتالية في دارفور وكردفان، فإن ذلك لن يعيد رسم خريطة العمليات العسكرية فحسب، بل سيعيد أيضاً صياغة شروط أي عملية سياسية مقبلة، بحيث تصبح التسوية ثمرةً لاستعادة الدولة لزمام المبادرة، لا وسيلةً لإدامة الهشاشة أو إعادة إنتاج أسباب الصراع.





