الرواية الأولى

نروي لتعرف

خلاصة الأمر !! / الواثق كمير

المثقف أمام مرآته: المعيار الانتقائي

د. الواثق كمير


kameir@yahoo.com
القاهرة، 6 سبتمبر 2026

قرأت الجزء الأول المنشور من سلسلة الدكتور النور حمد، “المثقف في بلاط الديكتاتور: المصلحة وإعادة إنتاج الطغيان” (سودانايل، 29 أغسطس 2026)، وفيه أسئلة تستحق النقاش بالفعل، خاصة ما يتصل بعلاقة المثقف بالسلطة، وباستقلاله إزاء مراكز القوة، وباحتمال أن تتحول المكانة الأكاديمية أو الفكرية أو المهنية إلى مصدر شرعية لسلطة لا تستحقها.

ولا اختلف، من حيث المبدأ، مع ضرورة طرح هذه الأسئلة. بل لعل السؤال الأهم الذي يثيره المقال هو السؤال الذي صاغه النور نفسه: ما الوظيفة السياسية التي يؤديها موقف المثقف، بصرف النظر عن حسن نيته؟
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا السؤال المشروع من أداة للتحليل إلى معيار انتقائي؛ يُطبق بصرامة على المثقف الذي يقترب من سلطة لا يرضى عنها الكاتب، بينما يتوقف عمله حين نقترب من موقع الكاتب نفسه، ومن السلطة أو القوة المسلحة التي اختار الاصطفاف معها.

فالنور لا يكتفي في هذا الجزء الأول بمساءلة المبادرة التي أطلقتها مجموعة من السودانيين لتهيئة الحوار السوداني–السوداني، ولا بمساءلة استقلال اللجنة أو مدى قدرتها على مقاومة تدخل الدولة والتأثير على عملها، وهذه كلها أسئلة مشروعة. وإنما يمضي أبعد حين يرى أن مشاركة شخصيات أكاديمية وقانونية في هذه العملية يمكن أن تمنح السلطة العسكرية “رأس مال رمزياً”، ثم ينتقل من ذلك إلى القول إن العملية نفسها “يبدو” أنها صُممت أصلاً لإعادة إنتاج احتكار المؤسسة العسكرية للعملية السياسية. وبعد ذلك يتسع الاستنتاج من أفراد بعينهم ولجنة بعينها إلى “قطاعات من النخبة”، وإلى ما يسميه “احتواء النخبة السودانية”، قبل أن تدخل مصر وشبكات المؤتمرات والاستضافات والمنابر في تفسير الظاهرة كلها.

وهنا تختلط مستويات التحليل. فليس كل اتصال بالدولة احتواءً، وليست كل مشاركة في لجنة استتباعاً، ولا يكفي إطلاق مفهوم elite co-optation على ظاهرة ما لإثبات وقوعها. فالمصطلح النظري ليس بديلاً عن الدليل.

وكان يمكن للنور أن يكتفي بأسئلة مشروعة عن استقلال اللجنة وحدود علاقتها بالدولة وقدرتها على العمل خارج إرادة السلطة. أما الانتقال من هذه الأسئلة إلى استنتاجات واسعة عن إعادة إنتاج الديكتاتورية واحتواء النخب والنفوذ المصري، فيحتاج إلى روابط وأدلة أوضح مما يقدمه المقال.
ولكن ماذا عن المثقف نفسه؟
يقول النور إن النية الحسنة لا تكفي، وإن علينا أن نسأل عن “الوظيفة السياسية” التي يؤديها موقع المثقف. جميل ومنسق. فلنقبل بهذا المعيار ونطبقه على الجميع، بلا استثناء. فإذا كان دخول نبيل أديب أو قاسم بدري، وهما اللذان سمّاهما النور في مقاله، في لجنة تسعى إلى تهيئة حوار قد يمنح سلطة البرهان قدراً من الشرعية الرمزية، فماذا يمنح انضمام مثقف معروف مثل الدكتور النور حمد إلى قيادة تحالف “تأسيس”؟

ليس المقصود تجريم النور بسبب اختياره السياسي؛ فهذا حقه، وعليه أن يدافع عنه كما يشاء. ولكن إذا كانت أطروحته أن المثقف لا يُعفى من كشف وفحص علاقته بالسلطة المسلحة لمجرد حسن نيته، فلماذا لا نضع علاقته هو بالقوة المسلحة تحت الكشف والفحص نفسه؟
وإذا كانت المكانة الأكاديمية والقانونية تمنح مبادرة البرهان رأس مال رمزي، ألا تمنح المكانة الفكرية والأكاديمية للنور حمد بدورها رأس مال رمزي لتحالف يرأسه قائد إحدى القوتين الرئيسيتين اللتين تخوضان هذه الحرب؟
وإذا كان وجود المثقف داخل عملية ترعاها سلطة عسكرية قد يجعله، بوعي أو بغير وعي، جزءاً من إعادة إنتاجها، فما الذي يجعل وجود المثقف داخل قيادة تحالف يرتكز إلى قوة مسلحة خارج مؤسسات الدولة بمنأى عن السؤال نفسه؟
هذه ليست مغالطة “وأيضاً أنت ذاتك كده’. إنها ببساطة مطالبة بتوحيد المعيار.
النور حمد الآخر: السياسة فن الممكن
وهنا تبرز مسألة لا تتعلق باستدعاء مواقف قديمة لمجرد المقارنة، وإنما باختبار اتساق المعيار الذي يستخدمه النور اليوم. فالأكثر إثارة للتأمل أن للنور نفسه تاريخاً فكرياً قريباً يقدم معياراً مختلفاً عن اللغة التي يستخدمها الآن.

ففي يوليو 2021 أثار النور جدلاً واسعاً حين قال: “لا بد من مصالحة مع الإسلاميين”. وحين أسيء، في تقديره، فهم عبارته، لم يتراجع عنها، وإنما كتب سلسلة من سبع مقالات لشرحها.
قال إن “العمل السياسي لابد فيه من المساومات”، وإن “السياسة هي فن الممكن”، ثم طور فكرته إلى الدعوة إلى “مصالحة وطنية معرفية توعوية شاملة”، و”تسوية تاريخية شاملة”، و”توافق وطني عريض”، وانتهى إلى المطالبة بمشاركة القوى السياسية “دون استثناء”، بل دعا إلى مشاركة الأحزاب والقوى السياسية والقوى العسكرية والقوى المهنية ومنظمات المجتمع المدني والمتخصصين في وضع مشروع وطني للفترة الانتقالية.

كان منطقه يومئذ واضحاً: لا تستطيع أن تمحو قوة اجتماعية وسياسية موجودة بقرار، ولا تستطيع بناء الاستقرار من خلال الثأر والإقصاء، مع عدم إفلات من ارتكب جريمة من العدالة.

أنا لا أناقش هنا صحة ذلك الموقف أو خطأه. ما يعنيني هو المبدأ. إذا كان الحوار مع الإسلاميين بعد ثلاثين عاماً من الحكم الاستبدادي أمراً يقتضيه “فن الممكن”، فلماذا يصبح الحوار اليوم مع قوى سودانية أخرى، أو مجرد محاولة إنشاء مساحة تجمع المختلفين، دليلاً على الاستتباع للديكتاتورية؟
وإذا كانت شيطنة الخصم وإغلاق المجال أمامه في 2021 من علامات “الثأر السياسي”، فما الاسم الذي نعطيه للغة التي تحاكم اليوم مثقفين وسياسيين لمجرد أنهم قبلوا اختبار إمكانية الحوار من داخل البلاد؟

ما الذي تغير: الواقع، أم المعيار
وإذا كان هذا التناقض في المعيار يظهر في مواقف النور القريبة، فإن للسؤال جذراً تاريخياً أبعد، يتصل مباشرة بموضوع مقاله نفسه: علاقة المثقف بالسلطة العسكرية.
الجمهوريون ومايو: سؤال التاريخ الذي يعود إلى صاحبه
ليس من الإنصاف تحميل الدكتور النور حمد مسؤولية كل موقف اتخذه الجمهوريون أو الأستاذ محمود محمد طه. كما أنه ليس من الإنصاف تجاهل النهاية الشجاعة لمحمود محمد طه ومواجهته لقوانين سبتمبر ودفعه حياته ثمناً لذلك الموقف. لكن التاريخ يظل مهماً حين يكون موضوع المقال نفسه هو أخلاقيات علاقة المثقف بالنظام العسكري.
فأرشيف الجمهوريين نفسه يقر بأنهم أيدوا حركة مايو عند قيامها في 25 مايو 1969، وإن وصفوا موقفهم لاحقاً بأنه “تأييد سلبي”: لم يشاركوا في أجهزة النظام، لكنهم رأوا في مايو وقتها حاجزاً أمام الطائفية ومشروع الدستور الإسلامي، وأملوا أن تفتح طريقاً لحل مشكلة الجنوب.

والدقة هنا مهمة. فقد حل نظام مايو الأحزاب السياسية عقب استيلائه على السلطة، وشمل ذلك الحزب الجمهوري بوصفه حزباً سياسياً. لكن حل الحزب لم يعنِ اختفاء الجمهوريين من المجال العام. فقد واصلوا، خلال السنوات الأولى من مايو، نشر كتبهم ومنشوراتهم وإقامة المحاضرات وأركان النقاش، ولم يُمنع الأستاذ محمود محمد طه من إلقاء المحاضرات العامة إلا في عام 1975، بينما استمر تلاميذه بعد ذلك في جانب من نشاطهم العلني. أي أن الحركة الجمهورية استطاعت أن تعمل فكرياً ودعوياً في مساحة أتاحها لها نظام عسكري كان قد أغلق، في الوقت نفسه، باب التعددية الحزبية.

ولا تقف المسألة عند مجرد تأييد الانقلاب أو الاستفادة من هذه المساحة. فبعد أحداث الجزيرة أبا وود نوباوي في مارس 1970، لم يتغير التقييم الجمهوري الأساسي لمايو. وفي مقابلة موثقة مع الأستاذ محمود محمد طه في ديسمبر 1972، وصف مايو بأنها قد “ضربت الطائفية ضربة كسرت شوكتها”، وميز بين العقيدة التي لا تُحارب بالسلاح والتنظيم الذي يمكن أن يُحارب بالسلاح. كما تكشف وثائق جمهورية من تلك الفترة أنهم ظلوا يرون في تقويض الطائفية غرضاً كبيراً يبرر عدم الدخول في مواجهة مع النظام.

وهذه الوقائع تجعل السؤال الذي يطرحه النور اليوم أكثر، لا أقل، إثارة للاهتمام. فألم يكن نظام مايو نظاماً عسكرياً جاء بانقلاب أطاح حكومة منتخبة؟ وإذا كان يجوز لحركة فكرية أن تؤيد ذلك النظام، ولو :تأييداً سلبياً”، لأنها قدرت أن البديل أسوأ أو أن النظام الجديد قد يحقق أهدافاً وطنية تراها مهمة، وأن تتقبل استخدامه القوة في كسر تنظيم سياسي رأت فيه خطراً على مستقبل البلاد، وأن تستفيد في الوقت نفسه من المساحة المتاحة لها للعمل في ظله، فلماذا يصبح مجرد دخول شخصيات مستقلة اليوم في لجنة لتهيئة الحوار قرينة محتملة على خدمة السلطة العسكرية وإعادة إنتاجها؟
بل إن منطق الجمهوريين يومئذ، بصرف النظر عن اتفاقنا معه، كان قريباً جداً من الحجة التي يرفضها النور اليوم: التعامل مع واقع غير مثالي ومحاولة استخدام المساحة المتاحة لتحقيق غرض أفضل.

وهنا تحديداً يعود معيار النور إلى صاحبه. فإذا كان اقتراب المثقف من سلطة عسكرية، واستفادته من المساحة التي تتيحها له، ينبغي أن يُفحص من زاوية “الوظيفة السياسية” التي يؤديها ذلك الاقتراب، فمن حقنا أن نقرأ تجربة الجمهوريين مع مايو بالأداة نفسها.

القضية ليست إعادة محاكمة محمود محمد طه بعد أكثر من نصف قرن، وإنما السؤال الأبسط: هل المعيار واحد حين يتعلق الأمر بتاريخنا نحن وحين يتعلق بالآخرين؟

وماذا عن مصر؟
خصص النور مساحة معتبرة لمصر، ومن حقه بالطبع أن ينتقد السياسة المصرية وأن يحذر من أي نفوذ إقليمي على القرار السوداني. لكن مصر ليست الدولة الوحيدة ذات المصالح في السودان، وليست القاهرة وحدها التي تقيم علاقات مع السياسيين والمثقفين والحركات المسلحة.

السودان أصبح، للأسف، ساحة تنافس إقليمي واسع. فلا يستقيم أن تصبح الاستضافة في القاهرة أو العلاقة بمؤسسات مصرية قرينة محتملة على “احتواء النخبة”، بينما لا يخضع للمجهر نفسه ما أصبح مكشوفاً من دعم مادي وعسكري إماراتي لأطراف في الحرب، إلى جانب استضافة أبوظبي لقيادات من القوى المدنية المعارضة للجيش وتوفير المجال السياسي والدبلوماسي لها.

فإذا كان النفوذ الخارجي محل مساءلة، فينبغي أن يكون المعيار واحداً في جميع الاتجاهات. ولا تقف مسألة ازدواج المعيار عند علاقة المثقف بالقوى الخارجية، بل تمتد أيضاً إلى القوة المسلحة التي يدعمها سياسياً.

هل سيأتي حميدتي بالديمقراطية؟
فلا يكتمل اختبار هذا المعيار من دون النظر إلى الرهان السياسي الذي اختاره النور لنفسه اليوم. فإذا كان يطالب بمساءلة علاقة المثقف بسلطة البرهان، فمن المشروع أيضاً أن نسأل عن رهانه على “تأسيس” والقوة المسلحة التي تقف في قلبها: ما الذي يجعله واثقاً من أنها ستقود السودان إلى الديمقراطية ودولة المواطنة و”السودان الجديد”؟
فشعارات الهامش والتهميش ومقاومة المركز، على أهميتها، لا تحول الحركة المسلحة تلقائياً إلى قوة ديمقراطية حين تبلغ السلطة.

وتجربة جنوب السودان قريبة منا: فقد ناضلت الحركة الشعبية لعقود تحت شعارات “السودان الجديد” ومقاومة التهميش، ثم آلت إليها السلطة بعد الاستقلال، من دون أن يقود ذلك تلقائياً إلى نظام ديمقراطي مستقر.

لا أساوي بين التجربتين، لكن التاريخ يذكّرنا بأن المظلومية والشعار التحرري ليسا ضمانة ضد الاستبداد. لذلك يظل السؤال مشروعاً: بأي معيار نطمئن إلى أن القوة المسلحة التي نضع عليها آمال التغيير ستتصرف ديمقراطياً حين تمسك بمقاليد السلطة؟

وهكذا نعود إلى السؤال الذي بدأ منه النور نفسه: إذا كان اقتراب المثقف من سلطة مسلحة يقتضي مساءلة استقلاله والوظيفة السياسية التي يؤديها موقعه، فلا بد أن يطبق السؤال على جميع السلطات والقوى المسلحة، وعلى المثقف أينما اختار أن يقف.
فالمعيار يفقد قيمته حين يُستخدم ضد الخصوم ويُعطَّل عند الحلفاء.
ليس دفاعاً عن اللجنة
ولهذا فإن ما سبق ليس دفاعاً عن لجنة التهيئة للحوار، ولا منحاً لها شيكاً على بياض.
فالأسئلة المتعلقة باستقلالها، وبعلاقتها بالدولة، وبقدرتها على التواصل مع جميع الفرقاء، وعلى رفض الإقصاء والتدخل، تظل أسئلة مشروعة. بل إن اللجنة ستفقد صدقيتها إذا تحولت إلى واجهة للسلطة، أو سمحت للدولة بتحديد من يشارك ومن يُقصى، أو قبلت أن يصبح الحوار مجرد وسيلة لإعادة ترتيب المعسكر المؤيد لها.
واستقلال اللجنة لن تثبته البيانات وإنما الممارسة: قدرتها على الوصول إلى المختلفين، والدفاع عن الضمانات، وقول “لا” للدولة حين يلزم، والإقرار بالفشل إذا عجزت عن توفير الشروط الدنيا لحوار جاد.

لكن هناك فرقاً بين مساءلة تجربة قبل أن نمنحها الثقة، وإدانتها قبل أن تبدأ.
وأحسب أن واجب المثقف ليس أن يدخل كل تجربة، ولا أن يقاطع كل تجربة؛ وإنما أن يحتفظ بحقه في النقد أينما وقف، وأن يطبق المعيار نفسه على القوة التي يحبها والقوة التي يعارضها.

وهذه هي النقطة التي افتقدتها في الجزء الأول من مقال الدكتور النور حمد. فقد نصب مرآة أمام المثقفين، لكنه وقف خارجها. ولعل من المفيد، قبل أن تكتمل بقية السلسلة، أن يقف صاحب المرآة أمامها هو أيضاً.
فالسؤال الذي طرحه صحيح تماماً:
أي مصلحة يخدمها المثقف؟
لكن الإجابة تبدأ حين يصبح السؤال شاملاً لصاحبه أيضاً.

اترك رد