الرواية الأولى

نروي لتعرف

خلاصة الأمر !! / الواثق كمير

مؤتمر برلين: زوبعة في فنجان أم ضجة بلا داعٍ؟

د. الواثق كمير

kameir@yahoo.com
تورونتو، 14 أبريل 2026

مقدمة

للمرة الثالثة منذ اندلاع الحرب في السودان، تعود عاصمة أوروبية لتستضيف في 15 أبريل الجاري مؤتمراً دولياً مخصصاً للأزمة السودانية، بعد باريس ثم لندن، في أبريل 2024 و2025، على التوالي. ورغم اختلاف المكان وتبدل بعض التفاصيل الإجرائية، فإن الإطار العام يكاد يظل هو نفسه: مسار وزاري سياسي، ومسار إنساني لحشد الدعم، ومسار ثالث يضم طيفاً من القوى السياسية والمدنية السودانية. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه هذه المرة لا يتعلق بحسن النوايا، ولا بقوة اللغة التي قد تصاغ بها البيانات الختامية، بل بالقيمة المضافة: ما الذي يمكن أن يضيفه مؤتمر برلين، بعد عامين من المؤتمرات والنداءات والتعهدات، إلى واقع لم يشهد تحولاً نوعياً لا في المسار الإنساني ولا في المسار السياسي؟

في الظاهر، يبدو مؤتمر برلين استمراراً مباشراً للمقاربة نفسها التي حكمت مؤتمري باريس ولندن. أما الفرق الأبرز في هذه النسخة، فيتمثل في الحضور الأوضح ل “اللجنة الخماسية، التي تضم الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، والإيقاد، وجامعة الدول العربية. وهذه اللجنة لم تنشأ من فراغ، بل جاءت امتداداً وتطوراً للمسار الذي انبثق عن “الآلية الموسعة” بشأن الأزمة السودانية، في سياق التحركات التي قادها الاتحاد الأفريقي عبر اجتماعاته الوزارية الاستثنائية، في يونيو 2024، قبل أن تتبلور لاحقاً في صيغة خماسية أكثر تحديداً. وقد تولت هذه الآلية خلال الفترة الماضية سلسلةً من المشاورات والاتصالات مع قوى سياسية ومدنية سودانية، بعضها تم عبر اجتماعات مباشرة في أديس أبابا والقاهرة، وبعضها الآخر عبر لقاءات افتراضية واتصالات تمهيدية متفرقة. لكن اللافت أن هذه الجهود، على امتدادها، لم تنجح في بناء قدر معقول من التوافق، بل إن الفرقاء أنفسهم لم يقبلوا، في مراحل سابقة، الجلوس معاً حول طاولة واحدة. ومن ثم، فإن إبراز دور الخماسية في مؤتمر برلين لا يكفي وحده للقول إننا أمام تطور حقيقي في المقاربة، بقدر ما قد نكون أمام إعادة تقديم الأدوات نفسها في صيغة جديدة.

وهنا تبرز أولى مشكلات مؤتمر برلين: غياب التقييم. فلا يتوقف كثيرون بجدية عند حصيلة المؤتمرين السابقين، ولا عند السؤال البسيط: ماذا حققا فعلاً؟ هل أحدثا اختراقاً في ملف المساعدات الإنسانية؟ هل قربا المسافة بين القوى السودانية المختلفة؟ هل أسهما في الدفع نحو وقف إطلاق النار، أو في إنتاج آلية ذات وزن لفرضه أو مراقبته؟ أم أن الحصيلة، في أفضل الأحوال، ظلت محدودة، بينما استمر تكرار اللغة نفسها عن فداحة الكارثة الإنسانية وضرورة التحرك العاجل، من دون أن ينعكس ذلك في تحول ملموس على الأرض؟ وإذا كانت النسختان السابقتان لم تفضيا إلى أثر نوعي، فمن الطبيعي أن يُطرح قبل انعقاد النسخة الثالثة سؤال بديهي ومشروع: أين الجديد؟ وأين القيمة المُضافة؟

صحيح أن هناك من يتمسك بأهمية المؤتمر من زاوية إنسانية مفهومة، ويرى أن أي جهد دولي يمكن أن يسهم في حشد الموارد، أو تحسين الوصول الإنساني، أو إبقاء السودان حاضراً في جدول الاهتمام الدولي، هو جهد لا ينبغي التقليل منه. وهذه حجة لها وزنها الأخلاقي والسياسي، لا سيما في ظل اتساع رقعة المعاناة الإنسانية، وتفاقم أوضاع المدنيين، واستمرار النزوح والانهيار الخدمي. غير أن الاعتراف بمشروعية هذا البعد الإنساني لا ينبغي أن يقود إلى المبالغة في تحميل المؤتمر أكثر مما يحتمل. فثمة فارق بين منصة هدفها الحشد والدعم والمناصرة، وبين مسار يُراد له أن يدفع عمليةً سياسيةً معقدةً في بلد بلغ فيه الاستقطاب السياسي والمجتمعي مدىً بالغاً وعميقاً.

ومن هنا، فإن جوهر التحفظ على مؤتمر برلين لا يكمن في رفض أي جهد دولي من حيث المبدأ، بل في الخلط بين مستويين مختلفين: مستوى الدعم الإنساني والضغط السياسي العام، ومستوى العملية السياسية السودانية الشاملة. فالمؤتمر، في نسخته الثالثة، لا يقتصر على المسار الوزاري والمسار الإنساني، بل يضم كذلك مساراً سياسياً مدنياً. لكن هذا المسار ليس جديداً تماماً؛ إذ إن المؤتمرين السابقين كانا بدورهما يحملان طموحاً سياسياً مشابهاً، من دون أن ينجح أي منهما في إنتاج حد أدنى من التوافق أو الخروج ببيان مشترك ذي قيمة سياسية حقيقية. الجديد هذه المرة ليس وجود المسار السياسي في حد ذاته، وإنما مقدار الانخراط المباشر للخماسية في الإعداد والتحضير له، وفي إدارة أجندته، وفي طرح وثيقة أو نداء جامع على المشاركين بصورة مسبقة.
وهذه النقطة ليست تفصيلاً إجرائياً بسيطاً، بل تحمل دلالةً سياسيةً واضحة. فوجود وثيقة معدة سلفاً، أو نداء مطروح مسبقاً على القوى المشاركة، يوحي بأن المطلوب، في الحد الأدنى، هو انتزاع مخرج سياسي يمنح المؤتمر حصيلة قابلة للتسويق، ويتيح للجهات المنظمة والراعية أن تقول إنها لم تكتف بالحشد الإنساني، بل دفعت أيضاً خطوةً إلى الأمام في المسار السياسي. وهذا هو المقصود بـ”الأثر السياسي المعنوي”: أي إنتاج مكسب رمزي ودبلوماسي وإعلامي، يُظهر المؤتمر بوصفه منصة نجحت في جمع المدنيين السودانيين حول صيغة مشتركة، أو على الأقل حول نداء جامع، حتى لو ظل الأثر الفعلي لهذا المخرج محدوداً في واقع الأزمة وتعقيداتها.

ولا ينفصل ذلك عن سياق أوسع يتعلق بموقع الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي في ملف السودان. فثمة انطباع بأن الأطراف الأوروبية تشعر، بدرجات متفاوتة، بعزلة نسبية في هذا الملف، بعد أن تسيدت الولايات المتحدة مسارات أكثر تأثيراً، ولا سيما عبر اللجنة الرباعية، في سياق أضعف الحضور البريطاني على وجه الخصوص. وفي هذا الإطار، يكتسب الانخراط الأوروبي عبر اللجنة الخماسية دلالة إضافية، خاصة وأن الاتحاد الأوروبي ليس فقط عضواً فيها، بل يعد أيضاً الممول الرئيس لأنشطتها وتحركاتها. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الحرص الأوروبي على توظيف منصة مؤتمر برلين، كما مؤتمري باريس ولندن من قبله، ليس فقط لحشد الدعم الإنساني، بل أيضاً لإثبات حضور سياسي في الملف السوداني، وتسجيل دور دبلوماسي ظاهر عبر الخماسية ومخرجاتها، حتى لو ظل الأثرُ الفعلي لذلك محدوداً.

غير أن الإشكال الأعمق من ذلك هو أن هذه المقاربة تبدو، مرةً أخرى، وكأنها “تتجاوز” أصل المشكلة بدل أن “تقترب” منها. فالمعضلة السودانية لا تكمُن في غياب بيان إضافي، أو في نقص النداءات العامة، بل في وجود خلافات تأسيسية وعميقة بين القوى السياسية والمدنية حول قضايا مفصلية لا يمكن القفز فوقها بصياغات توفيقية عامة. فثمة تباعد واضح في المواقف من الدعم السريع، ومن الجيش، ومن قيادة الجيش، ومن الإسلاميين، ومن دور المجتمعين الإقليمي والدولي. وهذه ليست خلافات هامشية، بل هي العقد الرئيسية التي تعوق الوصول إلى قدر معقول من التفاهم. بل إن التباين يمتد، في كثير من الأحيان، إلى تعريف الحرب نفسها، ووصف أطرافها، وتحديد طبيعة الحل المطلوب لها. ولذلك فإن الرهان على انتزاع توافق حول وقف الحرب أو إنهائها من دون المرور عبر هذه العقد، أو من دون تحريرها وبحثها بصراحة، يبدو رهاناً غير واقعي.
واللافت هنا أن الوسطاء، ومن ضمنهم الخماسية، يتعاملون في أحيان كثيرة مع هذه الخلافات وكأنها مسائل يمكن تجاوزها مؤقتاً من أجل إنتاج صيغة عامة، بينما توحي التجربة بأن العكس هو الصحيح: كلما جرى الالتفاف على مكامن الخلاف الحقيقية، عاد الفشل في صورة جديدة. فالمنهج الأجدى ليس القفز إلى مخرجات توافقية جاهزة، بل تفكيك مناطق النزاع السياسي، ووضعها على الطاولة، والاشتغال عليها بصبر ووضوح، حتى لو كان ذلك أبطأ وأقل جاذبية من حيث الصورة الدبلوماسية. أما الاستعجال في البحث عن “نداء جامع” أو “وثيقة مشتركة” في ظل هذا القدر من التباعد، فهو أقرب إلى إدارة المظهر منه إلى مخاطبة ومعالجة الجوهر.
وتتأكد هذه المعضلة أكثر إذا نظرنا إلى الخلافات التي أحاطت بالمؤتمر نفسه. فالاعتراضات على مؤتمر برلين لم تصدر عن طرف سياسي واحد أو معسكر متجانس، بل جاءت من قوى متباينة في مواقعها وتقديراتها ومواقفها من الحرب. وهذا في حد ذاته مؤشر مهم، لأنه يعني أن التحفظ على المؤتمر لا يختزل في اصطفاف ضيق، بل يرتبط أيضاً بطبيعة المؤتمر نفسه، ومنهجه، وسؤال التمثيل فيه. فإحدى أعقد نقاط الخلاف لا تتعلق فقط بالحضور أو المقاطعة، وإنما بتحديد من يشارك، وبأي صفة، وبأي نسبة تمثيل، ومن يُستبعد، ومن يملك الادعاء بأنه يمثل هذا القطاع أو ذاك. كما أن القوى المناهضة للدعم السريع، في كثير من الحالات، لا تقبل الجلوس مع من تعتبرهم قريبين من الحكومة أو الإسلاميين، فيما ترفض هذه الأطراف بدورها الجلوس مع من تراهم جزءاً من المعسكر المقابل أو غطاءاً سياسياً له. وفي ظل هذا الانقسام الحاد، يصبح مجرد جمع هذه الأطراف في مكانٍ واحدٍ إنجازاً محدوداً، وليس كمُقدمةٍ طبيعيةٍ لتوافق سياسي.

ويزداد هذا الاستنتاج قوةً إذا استُحضرت تجربة مؤتمر القاهرة للقوى السياسية والمدنية السودانية، في 6 يوليو 2024. فقد كان ذلك الاجتماع، من حيث المبدأ، أكثر اتصالاً بالسياق السوداني، وأكثر قابليةً لفتح كوة أولى في جدار الانقسام، بحكم قبول طيف واسع من الفرقاء للدعوة إليه من قِبلِ الحكومة المصرية. ومع ذلك، لم ينجح في إصدار بيان مشترك. فإذا كان هذا قد حدث في سياق أقل احتقاناً مما هو قائم اليوم، فمن أين يأتي الظن بأن اجتماع برلين، في ظل استقطاب أشد وبيئة سياسية أكثر تعقيداً، يمكن أن يحقق ما لم يتحقق في القاهرة ولا في غيرها؟ الأغلب أن سقف التوقعات هنا أعلى من الوقائع، وأن الرهان على “لمة” الخارج لإنتاج حد أدنى من التوافق السوداني يظل رهاناً مُتعجلاً.

أما على المستوى الإنساني، فإن المسألة بدورها تحتاج إلى قدر من الصراحة. فالمشكلة لم تكن يوماً في قلة المؤتمرات أو ضعف اللغة المستخدمة في وصف المأساة، بل في الفجوة المستمرة بين التعهدات والاحتياجات، وفي غياب الآليات القادرة على ضمان وصول المساعدات بعيداً عن حسابات الأطراف المتقاتلة، وفي ضعف المتابعة والتنفيذ. ولذلك فإن السؤال المشروع لا يزال قائماً: إذا كانت المؤتمرات السابقة قد أكدت جميعها حجم الكارثة، فلماذا لم يتحول هذا الإدراك المعلن إلى أثر أكبر في التمويل، وفي الوصول الإنساني، وفي الضغط الفعلي على معرقلي الإغاثة؟ إن تكرار الاعتراف بالمأساة لا يكفي، ما لم يصحبه تغير حقيقي في أدوات التعامل معها.

كما أن عريضة الاعتراض على المؤتمر لا تنطلق فقط من زاوية السيادة أو من التحفظ على غياب الحكومة عن ترتيباته، على أهمية هذه النقطة، بل أيضاً من الشك في جدوى الحلول المستجلبة من الخارج ما لم تنبع من الداخل وتستند إلى إرادة سياسية سودانية أوسع. وهذه نقطة تكاد تتقاطع حولها قوى شديدة التباين، رغم اختلاف دوافعها وتقديراتها. فبعضها يرى أن تجاوز مؤسسات الدولة لا يخدم مساعي الحل، وبعضها يرفض من الأساس منطق التسويات الخارجية المفروضة من أعلى، وبعضها يتحفظ على طبيعة الدعوات وتمثيل المشاركين، وبعضها ينظر إلى المؤتمر كله باعتباره إعادة إنتاج لمسار ثبت عجزه. وبين هذه المواقف كلها، يظل القاسم المشترك هو الشك في أن يحقق المؤتمر اختراقاً حقيقياً في ظل غياب الأسس السياسية التي تجعل أي عملية ذات معنى.

وبناءاً على ذلك، فإن الدلالة الأهم لمؤتمر برلين لا تكمن في كونه يحمل اختراقاً جديداً، بل في كونه يكشف مرةً أخرى حدود المقاربة الدولية السائدة تجاه السودان. فبعد ثلاث سنوات من الحرب، لا يزال المجتمع الدولي، في جانب مهم منه، يتعامل مع الأزمة كما لو أن بالإمكان احتواء تعقيدها بتكرار المنصات نفسها، واللغة نفسها، والرهان نفسه على توافق غير ناضج. بينما تشير الوقائع إلى أن الحرب لن تقترب من نهايتها إلا إذا جرى التعامل مع أسباب الانقسام السوداني نفسها، لا مع أعراضها فقط، وإذا أُتيح حوار سوداني شامل لا يقصي أحداً إلا من أجرم وأفسد، عبر تهيئة البيئة السياسية المواتية، بدونِ استعجال النتائج، ويكون دور الوسطاء فيه هو التيسير والتسهيل لا إنتاج البدائل غير الواقعية.

الخاتمة: حدود المقاربة الدولية

ربما لا يكون مؤتمر برلين بلا معنى على الإطلاق، لكنه بالتأكيد أقل كثيراً من التوقعات المعلقة عليه، وأقل من الضجيج المصاحب له. وقد تكون له قيمة في إبقاء المأساة السودانية ضمن دائرة الاهتمام الدولي، أو في تجديد الضغط من أجل المساعدات والحماية الإنسانية، لكن هذا شيء، والادعاء بأنه بوابة لاختراق سياسي شيء آخر تماماً. فالمؤتمر، في نهاية المطاف، لا يستطيع أن يعوض غياب التوافق السوداني، ولا أن يتجاوز عقد الخلاف الأساسية بين القوى السياسية والمدنية، ولا أن يحل محل حوار جاد يواجه هذه الخلافات بدل الالتفاف عليها. ولهذا، فإن أقصى ما يمكن قوله عن برلين هو أنه يعكس استمرار العجز الدولي عن الانتقال من إدارة الأزمة إلى التأثير الحاسم في مسارها. أما السلام الحقيقي، فلن تصنعه المؤتمرات الموسمية، بل مسار سوداني جاد، شامل، وممهد له سياسياً، يجد من الخارج من ييسره ويدعمه، لا من يتوهم أنه يستطيع أن يصنعه بالنيابة عن أصحابه.

اترك رد

error: Content is protected !!