الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

من يخرج السودان من الخلاط ؟

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

لا تبدو أزمة السودان، بعد سبعة عقود من الاستقلال، نتاج خطأ سياسي عابر أو إخفاق حكومة بعينها، بقدر ما تبدو حصيلة مسارٍ طويل من الاختلالات المتراكمة، تشابكت فيه السياسة بالاقتصاد، والسلطة بالمجتمع، والسلاح بالدولة، حتى أصبح الوطن يعيش حالة دورانٍ مستمر لا يكاد يلتقط فيها أنفاسه قبل أن يُقذف إلى أزمةٍ جديدة.

منذ استقلال السودان في العام 1956م، ظلّ المشهد الوطني يتأرجح بين آمالٍ كبيرة وإخفاقاتٍ متكررة. تعاقبت الأزمات السياسية، وتبدلت أنظمة الحكم بين ديمقراطيةٍ وانقلاباتٍ عسكرية، ثم عودةٍ للديمقراطية يعقبها انقلابٌ جديد، حتى بدا وكأن البلاد لم تنجح في تثبيت معادلة حكم مستقرة، ولا في بناء عقدٍ سياسي قادر على إدارة التنوع وصيانة الدولة وتأمين التداول السلمي للسلطة.

وفي موازاة هذا الاضطراب السياسي، لم تشهد البلاد تنميةً حقيقية توازي ما تختزنه من ثرواتٍ طبيعية وموارد ضخمة وإمكاناتٍ بشرية وجغرافية استثنائية. فالسودان الذي يملك الأراضي الزراعية والمياه والمعادن والموقع الاستراتيجي، ظل يعاني ضعفًا واضحًا في الخدمات الصحية والتعليمية، وترديًا مزمنًا في البنى التحتية، وفجوةً واسعة بين الإمكانات المتاحة والواقع المعيش.

ولم يكن هذا التفاوت مجرد قصورٍ تنموي، بل تحول مع الزمن إلى بيئةٍ خصبة لإنتاج التوترات والانقسامات. فالنزاعات والحروب لم تغادر المشهد السوداني إلا لتعود بأشكالٍ جديدة، وتوالدت حركات التمرد والمليشيات، وتعددت مراكز القوة المسلحة، حتى أصبحت الدولة نفسها تواجه—في بعض مراحلها—إشكال السيطرة على أدوات العنف داخل حدودها.

أما الاقتصاد، فقد ظل أحد أكثر وجوه الأزمة قسوة. تدهورٌ متواصل، وارتفاع في معدلات الفقر، وتراجع في الإنتاج، واضطراب في قيمة العملة، وتآكل في مقدرات الناس المعيشية. وإلى جانب ذلك، تفاقمت النزاعات الاجتماعية، وبرزت العنصرية والجهوية بصورٍ مقلقة، وتعاظمت موجات النزوح واللجوء والهجرة، حتى أصبح كثيرٌ من السودانيين يعيشون حالة اقتلاعٍ مستمر من المكان ومن الاستقرار ومن اليقين نفسه.

ولذلك لم يكن الأمن والسلام في السودان حالةً مستقرة، بل أقرب إلى فترات هدوء متقطعة داخل سياقٍ عام من الهشاشة والاضطراب. وحتى حين أنجزت بعض الحكومات—وخاصة العسكرية منها—قدرًا من التنمية أو مشروعاتٍ بعينها، فإن تلك الإنجازات ظلت دون مستوى الطموح، ودون ما تسمح به موارد البلاد وإمكاناتها الحقيقية.

غير أن التحول الأخطر في المشهد السوداني جاء خلال السنوات التي أعقبت سقوط نظام الإنقاذ في العام 2019م. فبدل أن تشكل لحظة التغيير مدخلًا لإعادة بناء الدولة وترميم مؤسساتها، دخل السودان مرحلةً أكثر اضطرابًا وتعقيدًا. لم يؤدِّ انهيار النظام القديم تلقائيًا إلى ميلاد نظامٍ جديد أكثر كفاءة، بل كشف هشاشة البنية المؤسسية ذاتها، وفتح المجال أمام فراغات سلطةٍ تمددت داخلها المليشيات ومراكز النفوذ والتجاذبات المتصارعة، وفي تلك الفراغات تمدد الفساد، واهتزت مؤسسات الدولة، وتراجع الأداء التنفيذي، وتكاثرت المليشيات والحركات المسلحة، واتسعت ظاهرة تعدد الجيوش ومراكز القوة، حتى بدا المجال العام وكأنه يفقد تدريجيًا القدرة على الضبط والاتجاه.

وفي ظل هذا المناخ، تصاعدت الاحتجاجات والعصيان والتظاهرات بصورة عطلت كثيرًا من مفاصل الحياة العامة، وتوقفت مسارات عديدة في الخدمات والإنتاج والإدارة، بينما كانت الدولة تزداد وهنًا وتفككًا وتراجعًا في قدرتها على إدارة التناقضات وحماية المجال الوطني.

ثم جاءت الحرب.

الحرب التي دخلها السودان لم تكن مجرد مواجهةٍ عسكرية عابرة، بل واحدة من أكثر الحروب تدميرًا في تاريخه الحديث؛ حربًا اتسعت فيها الانتهاكات والفظائع، وتعرضت خلالها المدن والبنى التحتية والممتلكات العامة والخاصة لتخريبٍ ودمارٍ غير مسبوق، بينما ظل المواطن السوداني يدفع الثمن الأكبر من أمنه ومعيشته ومستقبله وكرامته.

ولا يزال الوطن ينزف، ولا يزال المواطن يعاني.

لقد فقد السودان في العام 2011م جزءًا عزيزًا من جسده الوطني بانفصال جنوب السودان، ومع استمرار الهشاشة والانقسام والصراعات المسلحة، لا يزال شبح التمزق حاضرًا بوصفه خطرًا لا يجوز الاستهانة به ولا التعامل معه باعتباره احتمالًا بعيدًا.

وهنا ربما يمكن استعارة صورةٍ مجازية لفهم ما جرى ويجري.
وكأن السودان، منذ 1956م، يعيش بالكامل داخل خلاطٍ وطني ظل يدور لعقود.
المكونات داخله ليست أشياء جامدة، بل حياة الناس نفسها؛ السياسة والاقتصاد والتعليم والصحة والأمن والعلاقات الاجتماعية والهوية والأحلام والفرص والمستقبل. أما الفاعلون والأحداث والتحولات، فقد ظلوا يرفعون أحيانًا سرعة دوران هذا الخلاط أو يبطئونها أحيانًا أخرى، دون أن تتوقف الحركة بما يكفي لإعادة الترتيب أو التقويم أو البناء.

ومنذ 2019م، بدا وكأن سرعة تشغيل هذا الخلاط قد ازدادت بصورةٍ كبيرة، حتى دخل السودان مرحلة دورانٍ أكثر عنفًا واضطرابًا، انتهت إلى الحرب والانهيار والإنهاك الوطني الواسع.

وهنا تستقر القضية المركزية.
فالأمم لا تخرج من الفوضى بالمزيد من الدوران داخل أسبابها، ولا تنتقل من الاختلال إلى الاستقرار بمجرد تبدل الأشخاص أو تبديل الشعارات. إن استمرار السودان داخل هذا الخلاط السياسي والاجتماعي والعسكري لن يقود إلا إلى مزيدٍ من الاستنزاف والضياع، لأن المشكلة لم تعد في الأزمة وحدها، بل في نمط إدارتها وإعادة إنتاجها جيلاً بعد جيل.

لهذا تبدو الحاجة اليوم أكبر من مجرد تسويةٍ سياسية عابرة أو معالجاتٍ جزئية مؤقتة.
نحتاج إلى من يوقف الخلاط.
نحتاج إلى لحظة “شدّ نفس” وطني؛ لحظة مراجعةٍ وإعادة تنظيم، تستعيد للدولة نبضها، وللمجتمع توازنه، وللسياسة معناها، وللقانون هيبته، وللمؤسسات وظيفتها.
نحتاج إلى رؤيةٍ تتجاوز إدارة الأزمة إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس الاستقرار والعدالة والكفاءة ووحدة السلاح واحتكار الدولة للقوة ووضوح المشروع الوطني.

فالخروج من الخلاط ليس قرارًا إداريًا، ولا شعارًا تعبويًا، ولا أمنيةً تُقال في لحظة يأس؛ بل مشروع إرادةٍ وعقلٍ وترتيب، يحتاج إلى قيادةٍ تبصر حجم الخطر، وتمتلك الشجاعة لإيقاف الدوران العبثي الذي استنزف السودان طويلًا.

إن أخطر ما يمكن أن يواجهه السودان اليوم ليس الأزمة وحدها، بل الاعتياد عليها، والتكيّف مع دورانها حتى تصبح الفوضى أمرًا طبيعيًا. ولهذا فإن معركة السودان الحقيقية لم تعد فقط مع الحرب أو الانقسام أو الانهيار الاقتصادي، بل مع القدرة على إيقاف هذا الدوران الطويل، واستعادة فكرة الدولة نفسها قبل أن يصبح الخروج من الخلاط أكثر كلفةً وأشدّ تعقيدًا.

الإثنين 25 مايو 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!