السودان بين آلية العقوبات وإدارة الحرب: هل تحوّل التفويض إلى أداة لإعادة الوصاية الدولية!؟

قراءة في دلالات استمرار فريق الخبراء، وتوسيع الحظر، ومحاولات إعادة السودان إلى منطق الفصل السابع
لا تكمن المسألة في أن الأمم المتحدة تراقب حرباً دامية ومتمددة ، ولا في أن مجلس الأمن يملك حق فرض العقوبات على من يهدد السلم والأمن الدوليين. المسألة الأعمق هي: متى تتحول آلية الرقابة من وسيلة لكشف الانتهاكات إلى بنية مؤسسية لإدارة الدولة من الخارج؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح عند قراءة التقرير الأممي الأخير، وعند النظر إلى مسار التمديدات المتعاقبة لفريق الخبراء، وإلى الدعوات التي تتزامن معه لتوسيع حظر السلاح ليشمل السودان كله.
فالسودان لا يواجه فقط حرباً على الأرض، بل يواجه أيضاً صراعاً على تعريف الأزمة داخل المؤسسات الدولية: هل هي حرب مركبة ذات أبعاد إقليمية، أم تهديد للسلم والأمن الدوليين يستدعي توسيع أدوات مجلس الأمن؟ وهل يكون الحل عبر تسوية سياسية سودانية، أم عبر إعادة بناء منظومة رقابة وضغوط تجعل القرار الوطني أكثر ارتهاناً للخارج؟
هذه ليست أسئلة نظرية. إنها تمس مباشرة حدود السيادة، وطبيعة التفويض الأممي، ومستقبل العلاقة بين السودان ومجلس الأمن.
أولاً: من آلية مؤقتة إلى بنية دائمة
أنشأ مجلس الأمن فريق الخبراء المعني بالسودان بموجب القرار 1591 لعام 2005، لمساعدة لجنة العقوبات على مراقبة تنفيذ التدابير، والتحقيق في تمويل الجماعات المسلحة، ورصد الانتهاكات، وتقديم التوصيات. وكان التفويض الأصلي لمدة ستة أشهر، قبل أن تتعاقب التمديدات وتصبح الولاية الحالية لمدة عام كامل، حتى 12 سبتمبر 2026.
وهنا تكمن المفارقة: الآلية التي أنشئت لمعالجة وضع استثنائي في دارفور أصبحت، بعد أكثر من عقدين، جزءاً ثابتاً من المشهد المؤسسي الدولي المتعلق بالسودان.
ولا يعني طول عمرها، في حد ذاته، أنها غير مشروعة. لكن طول المدة يفرض سؤالاً لا يجوز تأجيله: هل ما زال التفويض يؤدي وظيفة محددة وقابلة للقياس، أم أن استمراره أصبح غاية مؤسسية في ذاته؟
فحين تتحول التمديدات من ستة أشهر إلى عام، وحين يصبح استمرار الفريق هو الوضع الطبيعي، فإن عبء التبرير ينبغي أن ينتقل من الدولة المعنية إلى الآلية نفسها: ما الذي تحقق؟ وما الذي لم يتحقق؟ وما الذي يبرر استمرارها؟والأهم: هل جرى تقييم البدائل، أم أن التمديد أصبح مجرد استجابة تلقائية لاستمرار الحرب( Technical Roll-over )؟وقد سبق أن جرى الاتفاق بين الفريق و بعثة السودان الدائمة بنيويورك، بأن يكون مارس ٢٠٢٥ آخر تمديد لولايته دون الرجوع الي مجلس الامن ولم يحدث ذلك!؟
ثانياً: الحرب بوصفها فرصة لإعادة تعريف العلاقة مع الدولة
إن أخطر ما في الوضع الراهن ليس فقط استمرار القتال، بل أن الحرب توفر لبعض الفاعلين الدوليين فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين السودان والمؤسسات الدولية. ففي ظروف السلم، تكون السيادة الوطنية هي الأصل، ويكون التدخل الدولي استثناءً يحتاج إلى تبرير. أما في ظروف الحرب، فإن لغة حماية المدنيين، ومكافحة الإفلات من العقاب، ومنع تدفق السلاح، يمكن أن تتوسع تدريجياً لتصبح مدخلاً إلى إعادة تعريف ما يجوز للمجتمع الدولي أن يطلبه من الدولة، وما يجوز له أن يفرضه عليها.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين:
• المساءلة الدولية: وهي حق مشروع عندما تقع انتهاكات جسيمة.
• إعادة الوصاية الدولية: وهي مسار مختلف، يبدأ حين تصبح آليات الرقابة والعقوبات وسيلة للتأثير في بنية الدولة وقرارها السياسي، لا مجرد أداة لحماية المدنيين.
والسؤال الذي يطرحه السودان هنا ليس: لماذا تراقبون الحرب؟ بل: هل تراقبون الحرب لإنهائها، أم لأن استمرارها يوفر مبرراً لإدامة آليات التدخل؟
ثالثاً: من دارفور إلى السودان كله
تظل هذه النقطة هي الأكثر حساسية في التقرير الأخير. فقد دعا فريق الخبراء إلى توسيع حظر السلاح ليشمل السودان كله، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تدفع نحو توسيع نطاق العقوبات والقيود على السلاح والطيران.
والحظر الحالي ليس حظراً شاملاً على السودان: فهو يتركز على دارفور، مع تدابير أخرى تشمل حظر السفر وتجميد الأصول، بينما تظل بعض القيود على الحكومة مرتبطة بمسائل محددة في الإقليم.ومن هنا فإن توسيع الحظر ليس مجرد تعديل فني. إنه نقلة في نطاق الاختصاص الدولي.
فإذا كان القرار 1591 قد انطلق من وضع خاص في دارفور، فإن توسيع الحظر إلى السودان كله يعني أن مجلس الأمن ينتقل من معالجة نزاع إقليمي إلى إعادة صياغة الإطار الدولي الذي تُدار من خلاله الحرب السودانية بأكملها.
وهذا يفتح سؤالاً استراتيجياً: هل التوسيع يستهدف فعلاً وقف الإمداد الخارجي، أم أنه قد يتحول إلى أداة لتقييد الدولة السودانية في ممارسة وظائفها الدفاعية بموجب القانون، بينما تستمر شبكات الإمداد غير المشروعة في العملات المليشيا دون كوابح!؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالاتهام وحده، وانما بالشواهد على الارض .
رابعاً: هل يصبح الفصل السابع غاية سياسية؟
الفصل السابع ليس مجرد عبارة قانونية. إنه الإطار الذي يتيح لمجلس الأمن اتخاذ تدابير ملزمة عندما يرى أن هناك تهديداً للسلم أو إخلالاً به أو عملاً من أعمال العدوان.
لكن العودة إلى الفصل السابع ليست بالضرورة عودة إلى نقطة الصفر القانونية؛ فالسودان أصلاً خضع لتدابير صادرة بموجب هذا الإطار منذ القرار 1591 الذي انتهت ولاية بعثته في ديسمبر ٢٠٢٠ بينما استمر فريق الخبراء!.
المسألة الأعمق هي ما إذا كان بعض الفاعلين الدوليين يسعون إلى توسيع نطاق استخدام الفصل السابع، أو إعادة تفعيل أدواته على نحو يجعل الحرب الحالية مدخلاً إلى ترتيبات دولية أكثر شمولاً.
وهنا ينبغي أن يكون السؤال السوداني واضحاً: هل المطلوب حماية المدنيين وإنهاء الحرب، أم إعادة بناء منظومة دولية تجعل الدولة السودانية نفسها موضوعاً دائماً للرقابة والعقوبات؟
فإذا أصبح كل تمديد جديد، وكل توسيع للحظر، وكل دعوة إلى تدبير إضافي، يُنظر إليه باعتباره خطوة طبيعية نحو مزيد من التدخل، فإن الخطر لا يعود في القرار الواحد، بل في تراكم القرارات الذي قد ينتج واقعاً سياسياً جديداً دون أن يُعلن عنه صراحة.
خامساً: التقرير الأخير وشبكات الإسناد الخارجي
تقرير 3 سبتمبر 2026 يكتسب أهمية خاصة لأنه يربط استمرار الحرب بشبكات إسناد عابرة للحدود. فقد أشار إلى شبكات مرتبطة بالإمارات وتشاد وليبيا والصومال، وإلى تمويل وتسليح وتدريب ونقل أفراد ومعدات لصالح مليشيا الدعم السريع، وحاول عبثا المساواة بالإشارة إلى أدلة أولية على دعم أجنبي للقوات المسلحة السودانية وكأن الدولة والتمرد طرفين متساويين . وهنا لا ينبغي التقليل من خطورة ما يورده التقرير. فانه بثبت وجود هذه الشبكات ، وأن استمرارها مرتبط بمنظومة إقليمية من المصالح والقدرات والتمويل.
لكن الخطورة الأخرى هي أن يتحول هذا الكشف إلى مبرر لتوسيع العقوبات على الدولة السودانية نفسها، بدلاً من توجيهها بدقة إلى شبكات الإسناد والتمويل والتهريب.
فإذا كان الهدف هو وقف الحرب، فإن السؤال المنطقي هو: لماذا لا تكون الأولوية لتجفيف شبكات التمويل، وملاحقة المتورطين، وفرض عقوبات محددة على الجهات التي تثبت مسؤوليتها، بدلاً من توسيع الحظر على نحو قد يطال الدولة كلها ويمنعها حقها في الدفاع عن سيادتها وأمنها وحماية شعبها ضد متمردين؟
سادساً: أزمة الثقة في الفريق
إن الفريق الأممي لا يستمد مشروعيته من كونه فوق النقد، بل من كونه يعمل وفق تفويض محدد ومعايير مهنية قابلة للفحص. ولذلك فإن أي تغيير جوهري في مواقفه أو استنتاجاته يجب أن يكون قابلاً للتفسير. فما يثار بشأن تراجع الفريق عن اتهامات سابقة للإمارات، فإن ذلك يحتاج إلى مقارنة مباشرة بين التقارير الصادرة عنه قد سبق «سحب» ما أورده في العام 2024 دون مراجعة مما يجعل مهنيته وحيدته في محك. هذا التراجع الجوهري غير مفسر، ويثير سؤالاً مشروعاً حول اتساق المنهجية، ومدى استقلالية التقييم، وتأثير الضغوط السياسية على عمل الفريق. وهنا لا يكفي أن تقول الأمم المتحدة إن الفريق مستقل. فالمهنية لا تُقاس بالصفة المؤسسية، بل بقدرة الآلية على تفسير استنتاجاتها، وتحديد مصادرها، والتمييز بين الأدلة والقرائن.
سابعاً: هل التمديد هو الحل؟
كل المؤشرات والتجارب تدلل على اهمية توقف السودان عن اتجاه التمديد ، كما أن إنهاء المهمة لاعتبارات الامن القومي أسوة بفريق حقوق الإنسان اولوية قصوى.و أن يكون قراراً مؤسسياً قابلاً للتقييم، لا مجرد استمرار تلقائي كما اثبتت المواقف امكانية استغلاله لغايات قد تعيد البلاد الي ارضية الفصل السابع. ومن هنا فإن الموقف السوداني الأكثر قوة ليس الاكتفاء بالمطالبة بإنهاء الفريق، بل طرح مراجعة شاملة للتفويض:
• هل ما زالت مهامه متناسبة مع طبيعة الأزمة؟
• هل يلتزم بالحياد في تقييم الانتهاكات؟
• هل يحقق نتائج قابلة للقياس؟
• هل توجد آليات مستقلة لمراجعة منهجيته؟
• هل ينبغي أن تكون ولايته محددة زمنياً وبشروط واضحة؟
• هل يمكن استبداله بآلية أكثر دقة وأقل قابلية للتسييس؟
فإذا ثبت أن الفريق أدى تفويضه بكفاءة، فليقدم الأدلة التي تبرر استمرار مهمته. وإذا ثبت أنه أخفق في المهنية أو الحياد، فإن إنهاء ولايته أو إعادة تشكيله بحاجة لدراسة عن مدى خروجه على الشرعية الدولية، ومن ثم تصحيحا المسار.
الخلاصة: السودان لا يرفض المساءلة، بل يرفض تحويلها إلى وصاية
إن أخطر ما ينبغي أن يحذر منه السودان هو أن تتحول الحرب إلى مظلة دائمة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع الدولي.
فالحرب قد تبرر الرقابة، لكنها لا تبرر بالضرورة الوصاية. وقد تبرر العقوبات، لكنها لا تبرر تلقائياً توسيعها بلا تقييم. وقد تبرر التحقيق، لكنها لا تبرر تحويل آلية التحقيق إلى مؤسسة دائمة لإدارة الأزمة او تقييد يد الدولة وجيشها النظامي وإطلاق يد التمرد والمرتزقة في التسليح ومساواته بالجيش .
ومن هنا فإن الموقف السوداني ينبغي أن يقوم على قاعدة واضحة:
نعم للمساءلة الدولية، لكنه يجب التمييز بين الدولة وطرف متمرد !؟ لا للانتقائية. نعم لحماية المدنيين، لا لإدارة الدولة من الخارج. نعم لتجفيف شبكات تمويل الحرب، لا لتوسيع العقوبات على نحو يضعف الدولة ويترك شبكات الإسناد الحقيقية خارج المساءلة.
وفي النهاية، فإن الشرعية الدولية لا تُقاس بطول بقاء الآليات، بل بقدرتها على حماية المدنيين، وكشف الحقيقة، ومنع الإفلات من العقاب، دون أن تتحول إلى طرف في الصراع والهروب من جوهر الأطراف الفاعلة في التمويل والإسناد ورعاية الشبكات الي التعميم والمساواة المخلة.
فإذا كان الهدف إنهاء الحرب، فإن الطريق ينبغي أن يقود إلى تسوية سياسية سودانية، ومؤسسات وطنية قادرة على حماية الدولة، ومساءلة عادلة تشمل الطرف المتمرد والراعي الاقليمي، وشبكات الإسناد الخارجي دون استثناء.
أما إذا أصبح استمرار الحرب مبرراً لاستمرار التدخل، فإن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً هو: هل تعمل الآليات الدولية من أجل إنهاء الأزمة، أم أن الأزمة أصبحت شرطاً لاستمرار الآليات؟



