الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

النموذج المعرفي الأمريكي كمدخل لفهم الحالة القحتية

الدكتور احمد عبدالملك الدعاك

عندما أراقب موقف «قحت–تقدم–صمود» تجاه الحرب الوجودية التي يواجهها الشعب السوداني، أرى أحد تجليات مقولة ماركيز إن (الواقع أكثر غرائبية من الخيال).

نعم، كيف لإنسان واعٍ، لديه قدر من العقلانية أو شيء من الحس الأخلاقي، أن يدّعي الحياد تجاه جماعات مسلحة مدعومة من دول خارجية تحركها أطماعها وأجنداتها الخاصة تجاه السودان وشعبه؟ ويزداد الواقع غرائبية عندما يصبح بعض هذه القوى أدوات نشطة في حصار وإضعاف المؤسسة الوحيدة (الجيش السوداني) القادرة على الحفاظ على السودان كدولة وشعب وتاريخ وثقافة.

هنالك بالطبع تفسيرات سهلة لهذه الظاهرة قد تصدق على البعض، لكنها قطعًا لا تفسرها بشكل كامل. إذ من الصعب قبول أن كل هذا المجموع من أبناء السودان قد وقع في أحابيل الخيانة، وباع شرفه وإنسانيته بثمن بخس، دراهم معدودات. لذلك أرى أن من المهم تفكيك هذه الظاهرة حتى نستطيع أن نضع الأسس السليمة لمشروع البناء الوطني. ولكي نفعل ذلك، من الضروري تجاوز التفسيرات التي ترتكز فقط على نظرية المؤامرة، أو التي ترى أن هذه المواقف ناجمة عن الضعف البشري أو الانحراف الأخلاقي لهذا الفرد أو ذاك الكيان. من المهم، في تقديري، محاولة استكناه النموذج المعرفي الإدراكي المفسر لهذا السلوك، الذي يبدو أحيانًا مفارقًا للفطرة السليمة، وأحيانًا حتى للنزعة العقلانية النفعية المحضة. وعندما أقول (النموذج المعرفي الإدراكي)، أقصد الصورة العقلية للعالم أو لظاهرة معينة، التي تشكل ما يمكن تسميته (الخريطة المعرفية) التي ينظر الإنسان من خلالها إلى الواقع، ويصدر على أساسها أحكامه وتتأسس مواقفه.

وبالنظر إلى مواقف مجموعة (قحت-صمود) تجاه الدولة السودانية ومؤسساتها، وفي مقدمتها القوات المسلحة، ثم موقفها من الحرب، أرى أن النموذج المعرفي الأمريكي للدولة يمثل أحد أهم المفاتيح لفهم هذه المواقف. وهذا ليس مستغربًا؛ فمعظم الفاعلين في الحياة السياسية السودانية الآن، وخاصة الأجيال الأحدث منهم، نشأوا في ظل هيمنة النموذج الأمريكي، خاصة في فترة انتصاره الشامل بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وإعلان «نهاية التاريخ». كما أن المجتمع السياسي السوداني المعارض للإنقاذ ظل منفتحًا بصورة واسعة على النموذج الأمريكي من خلال تعامله المباشر مع مؤسساته ومنظماته المدنية وورش التأهيل والتدريب، مما سمح للصياغات الفلسفية الكامنة خلف المنظور الأمريكي للدولة والسياسة بأن تتسرب إلى وعي قطاعات واسعة من النخبة السياسية؛ خاصة النخب العلمانية التي تتمتع بقدر من القطيعة النفسية تجاه منظوماتها القيمية التقليدية والسياق التاريخي المخصوص للدولة والمجتمع السوداني، وتنظر إلى بعض جوانبه باعتبارها ركامًا متخلفًا ينبغي تجاوزه باتجاه النموذج الحضاري الغربي.

ما دفعني إلى اعتماد هذه الفرضية هو أن النموذج المعرفي الأمريكي للدولة تشكل بدرجة كبيرة تحت تأثير الفلسفة الليبرالية الكلاسيكية، التي تنظر إلى الدولة أساسًا بوصفها ضرورة لحماية الحقوق وتنظيم المجال الذي يتحرك فيه الأفراد والجماعات. ووفق هذا التصور تصبح السياسة صراعًا تنافسيًا بين مجموعات وأفراد تحركهم مصالح مختلفة، اقتصادية ومادية في كثير من الأحيان، بينما تصبح الدولة في جانب مهم من وظيفتها فقط آلية لتنظيم هذا الصراع في إطار القانون. ومعلوم أن ما هو قانوني ليس بالضرورة عادلًا؛ فالقانون نفسه قد يكون نتيجة لتوازنات القوة والتحيزات البنيوية التي ينتجها الصراع داخل المجتمع.

وفق هذا المفهوم، يميل العقل الليبرالي إلى النظر للدولة باعتبارها “أحد” الفاعلين في الحقل العام، لا باعتبارها كيانًا ذا حقيقة مستقلة وطبيعة مفارقة للمجتمع المدني. فهي بنية سياسية وقانونية يفرزها المجتمع لتنظيم العلاقة بين مكوناته، وليست بالضرورة التجسيد النهائي لجماع ما هو اجتماعي وثقافي وسياسي وأيديولوجي. وهنا يظهر الاختلاف مع المفهوم الهيغلي للدولة، الذي أراه أكثر قدرة على تفسير حقيقة الدولة القطرية وأبعادها. فالدولة، وفق هذا المفهوم، ليست مجرد آلية إدارية للرأسمالية، وليست (اللجنة التنفيذية للطبقة البرجوازية) وفق التعبير الماركسي، وإنما منظومة ضرورية لتحقيق حرية الإنسان وإنسانيته؛ لأن الحرية نفسها تحتاج إلى إطار سياسي وقانوني واجتماعي يحميها. ومن هنا يصبح مفهومًا أن يضحي الإنسان من أجل بقاء الدولة، لأنها ليست مجرد حكومة عابرة أو جهاز إداري أو إطار لتحقيق المنفعة المادية المحضة، وإنما الإطار الذي يحفظ وجود المجتمع وتاريخه وثقافته واستمراره والمتجاوز ضرورة للفرد ومجموع مكوناته. وقد تجسد هذا المفهوم، بدرجات مختلفة، في التاريخ الأوروبي، خاصة مع نشوء الدولة القومية الحديثة وتعاظمها خلال القرن التاسع عشر، بينما ظلت التجربة الأمريكية مفارقة لهذا النموذج إلى حد كبير.

فالتجربة السياسية الأمريكية قامت منذ بداياتها على قدر كبير من الشك تجاه السلطة المركزية. وقد تأثرت بوضوح بفلسفة جون لوك، خاصة في ما يتعلق بالحقوق الطبيعية، والحكومة المقيدة. كما تأثرت بالتقاليد الجمهورية التي كانت تخشى تركّز السلطة وتبحث عن آليات لتوزيعها وموازنتها، وارتكزت إيضاً علي الفلسفة النفعية لبنتام التي ترى وظيفة الدولة هي تحقيق أكبر قدر من السعادة/ اللذة لأكبر قدر من الناس.

من هنا يتبدى أن السؤال المركزي في التجربة الأمريكية لم يكن في معظم مراحل التكوين: كيف نبني سلطة مركزية قوية؟ بقدر ما كان: كيف نمنع تركّز السلطة ونضع القيود التي تحول دون تحولها إلى تهديد للحرية؟ وهذا له أسبابه التاريخية بالطبع. فأمريكا قامت من اتحاد وحدات سياسية تمتلك أصلًا قدرًا كبيرًا من الاستقلال، وبدأ الاتحاد نفسه ببنية فيدرالية واهية نسبيًا، قبل أن يسعى الآباء المؤسسون إلى تقويتها. وتكشف (الأوراق الفيدرالية) بوضوح عن هذا الصراع بين الحاجة إلى حكومة اتحادية قادرة على حفظ الاتحاد وتنظيم العلاقة بين الولايات، وبين الخوف المستمر من تغول هذه الحكومة على حريات المواطنين والولايات.

كما أن أمريكا لم تواجه، خاصة في مراحلها الأولى، تحدي فرض وجود الدولة وسط محيط خارجي معادٍ بالصورة التي عرفتها أوروبا، أو التي تواجهها دول مثل السودان. فقد منحتها وضعيتها الجغرافية بين المحيطين قدرًا كبيرًا من الحماية، كما أن وفرة الموارد والامتداد الجغرافي جعلا تجربتها في بناء الدولة مختلفة عن مجتمعات تواجه باستمرار أسئلة البقاء والوحدة والحدود والصراع المسلح. لذلك ظل العقل السياسي الأمريكي مهتمًا بصورة أساسية ببناء إطار يسمح للفواعل الاجتماعية والسياسية المختلفة بتحقيق أهدافها، مع تأكيد الفردانية والشك الدائم في السلطة المركزية. ويمكن حتى النظر إلى الجدل الأمريكي التاريخي حول حق حمل السلاح في هذا السياق؛ أي باعتباره جزءًا من ثقافة سياسية عميقة لا ترى احتكار الدولة للقوة أمرًا ينبغي التسليم به بلا تحفظ، لأن الدولة نفسها يمكن أن تتحول، في المخيلة السياسية الأمريكية، إلى تهديد محتمل للحريات.

من هنا تتبدى خطورة نقل هذا النموذج بصورة ميكانيكية إلى جهود بناء الدولة في مجتمع مثل السودان؛ دولة تواجه تحديًا حقيقيًا في وجودها، وتعيش في محيط إقليمي مضطرب، ومجتمع شديد الانقسام، ولا تزال تعاني أصلًا من عدم اكتمال سيطرة الدولة على السلاح وعلى كامل المجال الوطني. فمثل هذا النموذج، إذا نُقل من غير اعتبار للسياق، يمكن أن يعزز بيئة الصراع ويمنح الفواعل الاجتماعية والسياسية مشروعية موازية، بل أحيانًا متجاوزة، لمشروعية الدولة؛ لأنه يعلي من حقوق الأفراد وجماعات الضغط والمنظومات السياسية على حساب سؤال الدولة ذاتها، وبقائها، وحماية بنيتها المؤسسية والقانونية. وهنا يمكن إلي حد ما فهم موقف قحت مقارنة بالكيانات الوطنية الأخرى التي تنطلق من منطق أولوية الدولة وسيادتها.

وكذلك يمكننا أن نفهم لماذا نرى دائمًا انفعالًا صارخًا عندما تعتقل الدولة فردًا، بغض النظر عن أسباب الاعتقال ومدى سلامة الإجراء القانوني، بينما لا نرى ذات الاهتمام والتجييش الإعلامي عندما يتم تهديد مؤسسة الدولة نفسها، كالدعوة إلى تفكيك الجيش السوداني، أو عندما تُدمَّر الجامعات، أو تُنهب الذاكرة القومية ممثلة في دار الوثائق وغيرها من مؤسسات الدولة. كما يصبح من الطبيعي، وفق هذا المنظور، الدعوة إلى مؤتمر دولي لمناقشة القضية السودانية في غياب الدولة السودانية نفسها، كما حدث في عدد من المنابر الخارجية كان آخرها مؤتمر برلين؛ لأن الدولة هنا ينظر إليها باعتبارها أحد (أطراف الصراع) بينما يُمنح ما يسمى (المجتمع المدني) مكانة تكاد تكون موازية لها، وربما أعلى منها في بعض الأحيان، وكأن وجود مجموعة من المنظمات والفاعلين المدنيين يكفي لتمثيل السودان ومعالجة أزمته.

خطورة النموذج الأمريكي، في تقديري، ليست فقط في تهميشه النسبي لمفهوم الدولة، وهو أمر له تفسيره في السياق الثقافي والتاريخي الأمريكي، وإنما في أن نقله إلى السودان والدول الناشئة عموماً خاصة في أفريقيا لأنه يسمح للجماعات والأفراد بالتحرك وفق أجنداتهم الذاتية ومصالحهم الخاصة من غير إعطاء الوزن الكافي لمفهوم السيادة والمصلحة الوطنية العليا.

فإذا أصبحت سيادة الدولة مشروطة دائمًا برضا ما يسمى المجتمع المدني، يصبح من المقبول أن تتعامل الدول الأجنبية مباشرة مع مجموعات داخل الدولة، وأن تتجاوز في بعض الأحيان مؤسساتها الرسمية وسيادتها. وربما يساعد ذلك في تفسير تماهي كثير من مجموعات (قحت) مع مواقف دول أخرى، حتى عندما تتعارض تلك المواقف مع ما تراه الدولة السودانية من مصالحها العليا. وهنا لا نحتاج بالضرورة إلى تفسير هذا السلوك دائمًا بالخيانة أو العمالة، وأن كان بعضه يقع تحت هذا التوصيف من ناحية قانونية. فقد يكون الإنسان مخلصًا تمامًا لما يفعل، ولكنه ينطلق من نموذج معرفي يرى فيه أن شرعية الفاعل المدني لا تقل عن شرعية الدولة، وأن مواجهة الدولة أو الاستعانة بالخارج عليها يمكن أن تكون فعلًا مشروعًا متى ما اعتقد أن الدولة لا تعبر عن رؤيته أو مصالحه أو قيمه. وهذا، في ظني، هو المستوى الأعمق الذي ينبغي أن يدور حوله النقاش.

إذا أردنا أن نبني دولة سودانية ناجحة وفاعلة، فعلينا أولًا أن نتفق على مفهوم للدولة يتناسب مع تحديات السودان الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأن نعمل على تبني نموذج معرفي واعٍ يسمح ببناء دولة سودانية قوية وفاعلة وعادلة. وربما ينبغي أن يكون أحد الموضوعات الأساسية لأي حوار وطني قادم هو سؤالًا جوهري يتعلق بماهية نموذج الدولة التي نريد.

اترك رد