الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

الحرب الثلاثية: من معركة الصواريخ إلى حرب الاقتصاد… إلى أين تتجه المواجهة!؟

السفير د. معاوية التوم


لم تعد المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد صراع عسكري يُقاس بعدد الغارات الجوية أو الصواريخ والمسيرات، بل أخذت تتحول تدريجياً إلى حرب استنزاف اقتصادية واستراتيجية ذات تداعيات تتجاوز أطرافها المباشرين لتطال الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة الدولية، وأمن الممرات البحرية، وحتى موازين القوة في النظام الدولي.
فبعد مرور ثلاثة عشر يوماً على انخراط الولايات المتحدة المباشر في العمليات العسكرية، واستمرارها في تنفيذ الضربات الجوية بالتنسيق مع إسرائيل، يتضح أن المعركة تجاوزت مرحلة “الردع السريع” إلى صراع مفتوح تحكمه حسابات أكثر تعقيداً من مجرد التفوق العسكري.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان تجارب حروب حديثة أثبتت أن امتلاك القوة العسكرية لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق الحسم السياسي، وأن الحروب كلما امتدت زمنياً ازدادت كلفتها الاقتصادية، وتراجعت قدرة الأطراف على التحكم في مساراتها.

الحسم العسكري… معضلة إسرائيلية
رغم التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي، وما تحظى به من دعم أمريكي غير مسبوق، فإن الوقائع الميدانية تشير إلى أن الحسم الكامل ضد إيران يظل هدفاً بالغ الصعوبة.
فإيران ليست تنظيماً مسلحاً محدود الإمكانات، وإنما دولة تمتلك عمقاً جغرافياً كبيراً، وقاعدة صناعية عسكرية، وقدرات صاروخية وشبكة واسعة من الحلفاء الإقليميين، وجوار متنوع، بما يجعل أي مواجهة طويلة الأمد مكلفة لجميع الأطراف.
ولذلك، فإن استمرار العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة اقتراب نهاية الحرب، بل قد يكون مؤشراً على تعثر تحقيق الأهداف الاستراتيجية المعلنة، وهو ما يدفع نحو انتقال مركز الثقل من الميدان العسكري إلى ساحات الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية.

الاقتصاد… ساحة القتال الجديدة
إذا كانت الصواريخ تستهدف المنشآت العسكرية، فإن الحرب الاقتصادية تستهدف قدرة الدولة على الصمود. ولهذا بدأت آثار المواجهة تظهر في عدة مستويات متزامنة:
• ارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري.
• اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
• زيادة التقلبات في أسواق الطاقة.
• ارتفاع المخاطر الاستثمارية في الشرق الأوسط.
• تنامي الضغوط على أسواق المال العالمية.
كما أن مجرد استمرار التوتر في الخليج والبحر الأحمر يكفي لرفع تكلفة التجارة الدولية، حتى دون حدوث إغلاق كامل للممرات البحرية.
ومن هنا فإن فاتورة الحرب لم تعد تدفعها الدول المتحاربة وحدها، بل أصبح الاقتصاد العالمي بأسره شريكاً في تحمل أعبائها.

واشنطن بين الحسابات العسكرية والضغوط الداخلية
تواجه الإدارة الأمريكية معادلة شديدة الحساسية. فمن ناحية، لا تستطيع التخلي عن دعم إسرائيل لما يحمله ذلك من تداعيات استراتيجية وسياسية، ومن ناحية أخرى فإن الانخراط العسكري الطويل يفرض أعباءً مالية وسياسية متزايدة، خاصة في ظل الاستقطاب الداخلي، وارتفاع الدين العام، وضغوط الرأي العام تجاه أي حرب قد تتسع رقعتها.
كما تدرك واشنطن أن أي توسع غير محسوب قد يؤدي إلى انخراط أطراف إقليمية أخرى، بما يهدد مصالحها الاقتصادية والعسكرية في المنطقة.
ولهذا تبدو الإدارة الأمريكية حريصة على استمرار الضغط العسكري دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة يصعب احتواؤها.

إسرائيل… بين الأمن والاستنزاف
أما إسرائيل، فرغم نجاحها في المحافظة على تفوقها العسكري، فإن استمرار الحرب يفرض عليها تحديات اقتصادية متزايدة.
فالاستنفار العسكري الطويل، وتراجع النشاط الاقتصادي، وانخفاض الاستثمارات، وارتفاع الإنفاق الدفاعي، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد الإسرائيلي بصورة متراكمة.
كما أن طول أمد الحرب يفتح الباب أمام تآكل الدعم الشعبي، ويزيد من الضغوط السياسية على الحكومة، خصوصاً إذا لم تتمكن من تحقيق نتائج استراتيجية واضحة يمكن تقديمها للرأي العام باعتبارها انتصاراً حاسماً.

إيران… استراتيجية الصمود
في المقابل، يبدو أن طهران تراهن على استراتيجية مختلفة، تقوم على امتصاص الضربات، وإطالة أمد الصراع، ورفع تكلفة المواجهة على خصومها.
وهي تدرك أن ميزان القوى التقليدي لا يميل لصالحها في مواجهة مباشرة، لكنها تراهن على عنصر الزمن، وعلى قدرة الاقتصاد العالمي على التأثر بالحرب، وعلى تنامي الضغوط الدولية المطالبة بوقف التصعيد.
وهذه المقاربة ليست جديدة في الفكر الاستراتيجي الإيراني، الذي طالما منح الأولوية لاستنزاف الخصم أكثر من البحث عن مواجهة خاطفة.

المجتمع الدولي… الخاسر الأكبر
ورغم أن أطراف الحرب ثلاثة، فإن آثارها تمتد إلى الجميع. فالدول النامية تواجه ارتفاعاً في أسعار الغذاء والطاقة، بينما تتعرض الاقتصادات الصناعية لمزيد من الضغوط التضخمية، في حين تتزايد المخاوف من دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة جديدة من عدم اليقين.
كما أن استمرار الحرب يهدد بإعادة رسم أولويات الإنفاق العالمي، بحيث تتراجع مخصصات التنمية لصالح الأمن والدفاع، وهو ما ستكون له انعكاسات بعيدة المدى على أهداف التنمية المستدامة.

السيناريوهات المحتملة
إذا استمرت الحرب بالوتيرة الحالية، فإن السيناريوهات الأكثر ترجيحاً تتمثل في:
• استمرار الاستنزاف العسكري والاقتصادي دون حسم حقيقي.
• انتقال متزايد للمواجهة إلى أدوات العقوبات، والهجمات السيبرانية، والحرب الاقتصادية.
• تصاعد الضغوط الدولية للوصول إلى وقف إطلاق نار أو تسوية مؤقتة تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف.
• بقاء احتمال التصعيد الإقليمي قائماً إذا وقع خطأ في الحسابات أو توسعت دائرة الاشتباك.
أما سيناريو الحسم العسكري الكامل، فيظل الأقل احتمالاً في ضوء طبيعة التوازنات القائمة وتعقيدات البيئة الإقليمية.

التعقيدات المحتملة عالميا
لقد تجاوزت الحرب في هذه المرحلة حدود الاشتباك العسكري لتصبح عاملاً ضاغطاً على بنية الاقتصاد العالمي بأسره. فكل يوم إضافي من التصعيد يرفع علاوة المخاطر الجيوسياسية، ويزيد من تقلبات أسواق النفط والغاز، ويرفع تكاليف التأمين على ناقلات الطاقة والشحن البحري، ولا سيما إذا اقتربت العمليات من الممرات الاستراتيجية في الخليج أو مضيق هرمز أو البحر الأحمر. كما تنعكس هذه التطورات على أسواق المال العالمية عبر تراجع شهية المستثمرين للمخاطرة، واتجاه رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة كالذهب والسندات الحكومية، بما يفرض ضغوطاً على العملات والأسواق الناشئة. وفي الوقت نفسه، تزداد مخاوف البنوك المركزية من عودة موجة تضخمية جديدة إذا ارتفعت أسعار الطاقة لفترة ممتدة، الأمر الذي قد يؤخر خفض أسعار الفائدة ويضعف وتيرة التعافي الاقتصادي العالمي. ومن ثم، فإن المعركة لم تعد تُقاس فقط بما يتحقق على الجبهات العسكرية، بل أيضاً بما تُحدثه من اضطراب في أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة الدولية، وتكاليف التمويل، وهي عوامل قد تجعل الاقتصاد العالمي الخاسر الأكبر حتى وإن لم تتسع رقعة الحرب جغرافياً.

خاتمة
تكشف هذه الحرب أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لصناعة النصر. فالتاريخ الحديث يبين أن كثيراً من الحروب تبدأ بالصواريخ وتنتهي على طاولات الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية. واليوم تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة عنوانها “حرب الاستنزاف الشامل”، حيث تتداخل الجبهات العسكرية مع أسواق المال والطاقة والتجارة، ويصبح الزمن عاملاً حاسماً لا يقل أهمية عن السلاح.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تنجح الضغوط الداخلية والخارجية في دفع الأطراف الثلاثة نحو مخرج سياسي قبل أن تتحول الحرب الاقتصادية إلى أزمة عالمية أوسع، أم أن منطق التصعيد سيظل هو الحاكم حتى يفرض الاستنزاف نفسه على الجميع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل هذه الحرب فحسب، بل قد ترسم أيضاً ملامح النظام الإقليمي والدولي في السنوات المقبلة.. “ومن هنا، فإن السؤال لم يعد من سينتصر عسكرياً، بل من يستطيع تحمّل الكلفة الاقتصادية الأطول، لأن التاريخ يؤكد أن كثيراً من الحروب انتهت عندما عجزت الاقتصادات عن مواصلة تمويلها، لا عندما نفدت الذخائر.”
ومن اللافت أن هذه الحرب تكشف أن النظام الدولي دخل مرحلة جديدة، لم تعد فيها القوة العسكرية وحدها كافية لفرض الإرادة السياسية. فكل صاروخ يُطلق في الميدان، يقابله ارتداد في أسواق المال والطاقة والتجارة العالمية، حتى بات الاقتصاد هو الجبهة الرابعة في الحروب الحديثة. ومن ثم، فإن مستقبل هذه المواجهة لن تحدده القدرة على تدمير الأهداف العسكرية فحسب، بل قدرة كل طرف على تحمّل كلفة الاستنزاف المالي، والحفاظ على تماسك جبهته الداخلية، وإدارة الضغوط الدولية المتزايدة. فالحروب الكبرى في القرن الحادي والعشرين لا تُحسم فقط في ساحات القتال، وإنما أيضاً في البورصات، والبنوك المركزية، وممرات التجارة العالمية.

اترك رد

error: Content is protected !!