الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

ما بعد الحرب: الدروس الاستراتيجية للصراع في الشرق الأوسط وإعادة تشكيل الأمن الإقليمي والدولي(٣-٣)!

السفير د. معاوية التوم

بعد الوقوف في المقالين السابقين على أوجه التشابه والاختلاف بين البحر الأحمر ومضيق هرمز، وتحليل الكيفية التي أعادت بها الحرب (الثلاثية ) في الشرق الأوسط رسم خرائط المخاطر والفرص في أهم الممرات البحرية العالمية، يتضح أن أهمية هذه الحرب لا تكمن في حجم القوة المستخدمة أو اتساع نطاقها الجغرافي فحسب، وإنما فيما أفرزته من تحولات عميقة في فلسفة إدارة الصراعات الإقليمية والدولية. فقد كرّست واقعًا جديدًا تجاوز المفاهيم التقليدية للأمن والردع، وأثبتت أن أمن الممرات البحرية، واستقرار الدول المشاطئة، وسلامة الاقتصاد العالمي أصبحت حلقات مترابطة في معادلة استراتيجية واحدة، وأن أي خلل في أحدها ينعكس مباشرة على بقية العناصر.

لقد كشفت الحرب أن موازين القوى لم تعد تُقاس فقط بحجم الترسانات العسكرية والأساطيل ، وإنما بالقدرة على التحكم في الجغرافيا الاستراتيجية، وإدارة سلاسل الإمداد، وتوظيف التكنولوجيا، وبناء التحالفات المرنة، وامتلاك زمام المبادرة السياسية والدبلوماسية. كما أكدت أن مفهوم الأمن الإقليمي لم يعد قابلاً للانفصال عن الأمن الدولي، وأن الأزمات المحلية سرعان ما تتحول إلى تحديات عابرة للحدود تمس التجارة والطاقة والاستقرار العالمي.

ومن هذا المنطلق، لا يسعى هذا المقال إلى إعادة توصيف وقائع الحرب، بل إلى استقراء الدروس الاستراتيجية التي أفرزتها، واستشراف الكيفية التي يمكن أن تعيد بها تشكيل منظومات الأمن الإقليمي والدولي في السنوات المقبلة. فالتاريخ يثبت أن الحروب الكبرى لا تنتهي عند لحظة وقف إطلاق النار، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر تأثيرًا، وهي مرحلة إعادة تعريف قواعد اللعبة، وصياغة توازنات جديدة، وبناء منظومات أمنية تتلاءم مع واقع لم يعد يشبه ما كان عليه قبل اندلاع الحرب. أبرزها على النحو التالي:

1. تراجع مفهوم الردع المطلق

• أثبتت الحرب أن التفوق العسكري لا يمنع اندلاع الصراع، ولا يضمن حسمه سريعًا.

• الردع أصبح متعدد الأبعاد: عسكري، اقتصادي، سيبراني، وإعلامي.

2. الممرات البحرية أصبحت جزءًا من المعركة

• البحر الأحمر وهرمز لم يعودا ساحتي عبور، بل أدوات ضغط استراتيجية.

• أمن التجارة العالمية بات مرتبطًا باستقرار الأقاليم أكثر من ارتباطه بالقوة البحرية وحدها.

3. عودة الجغرافيا السياسية بقوة

• أثبتت الأزمة أن الموقع الجغرافي لا يزال أصلًا من أصول القوة الوطنية.

• الدول الواقعة على المضائق والممرات البحرية أصبحت تمتلك وزنًا سياسيًا يفوق حجمها الاقتصادي أو العسكري.

4. الحروب بالوكالة تدخل مرحلة جديدة

• الفاعلون غير الدول باتوا قادرين على إحداث آثار استراتيجية عالمية.

• تكلفة تعطيل الاقتصاد العالمي أصبحت أقل بكثير من تكلفة الحروب التقليدية.

5. تحول الاقتصاد إلى سلاح

• التأمين البحري، وسلاسل الإمداد، وأسعار الطاقة، والعقوبات أصبحت أدوات ردع لا تقل تأثيرًا عن القوة العسكرية.

• الأسواق المالية أصبحت جبهة من جبهات الصراع.

6. حدود القوة العسكرية

• العمليات العسكرية قد توفر مكاسب تكتيكية، لكنها لا تكفي لإنتاج استقرار سياسي دائم.

• التجربة تؤكد أن غياب التسوية السياسية يطيل أمد النزاعات ويزيد كلفتها.

7. إعادة تعريف الأمن الإقليمي

• لا يمكن تحقيق أمن البحر الأحمر دون استقرار السودان واليمن والقرن الإفريقي.

• ولا يمكن ضمان أمن الخليج دون ترتيبات أمنية جماعية تتجاوز منطق الاستقطاب

• أمن الدول الأخرى المطلة على البحر الأحمر جزءً مهما في اي منظومة ترتيبات أمنية حاضرا ومستقبلاً.

الدروس بالنسبة للدول المتوسطة

1. الاستثمار في الموقع الجغرافي.

2. تنويع الشراكات الدولية.

3. بناء قدرات بحرية واستخباراتية مرنة.

4. تجنب التحول إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى.

الدروس الاستراتيجية للدول المتوسطة في بيئة الصراع الجديدة

1. تحويل الموقع الجغرافي من تحدٍ إلى رصيد استراتيجي

أثبتت التحولات الجارية أن الموقع الجغرافي لم يعد مجرد معطى طبيعي، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر نفوذ وقوة إذا أحسنت الدول استثماره عبر سياسات وطنية متوازنة. فالدول الواقعة على الممرات البحرية والمناطق الحيوية مطالبة بتحويل أهميتها الجغرافية إلى قيمة استراتيجية من خلال تطوير البنية التحتية، وتعزيز دورها في التجارة والطاقة والربط الإقليمي، بما يجعل موقعها عنصر استقرار وشراكة لا مصدرًا للضغوط والصراعات.

2. تنويع الشراكات الدولية وبناء استقلالية استراتيجية

كشفت الأزمات أن الاعتماد على شريك دولي واحد قد يحد من هامش الحركة السياسية والاستراتيجية للدول المتوسطة. لذلك تبرز أهمية بناء شبكة جماعية متوازنة من العلاقات مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، تقوم على المصالح المتبادلة، وتمنح الدولة قدرة أكبر على المناورة وحماية خياراتها الوطنية بعيدًا عن الاصطفافات الحادة أو الارتهان لمحاور متنافسة.

3. بناء قدرات وطنية مرنة تتجاوز القوة العسكرية التقليدية

لم تعد حماية المصالح الوطنية مرتبطة بحجم القوات المسلحة فقط، بل بامتلاك منظومة متكاملة تشمل القدرات البحرية، والاستخبارات الاستراتيجية، والأمن السيبراني، والجاهزية التكنولوجية، والقدرة على إدارة الأزمات. فالدول المتوسطة تحتاج إلى بناء قوة مرنة وذكية تمكنها من حماية مصالحها والتعامل مع التهديدات غير التقليدية بكفاءة وفاعلية.

4. تجنب التحول إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى

أحد أهم دروس الصراعات الراهنة أن الموقع الاستراتيجي قد يكون مصدر قوة أو يتحول إلى عبء إذا أصبح مجالًا لتنافس القوى الكبرى. ومن ثم، فإن التحدي أمام الدول المتوسطة يتمثل في الحفاظ على سيادتها واستقلال قرارها، وإدارة علاقاتها الدولية بقدر من التوازن يمنع استخدامها كأدوات في صراعات الآخرين، ويحولها من ساحات نفوذ إلى أطراف فاعلة في صياغة ترتيبات الأمن الإقليمي والدولي.

السودان وأمن البحر الأحمر في إطار جيواستراتيجي أوسع:

وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى استقرار السودان باعتباره قضية داخلية أو شأنًا وطنيًا معزولًا، بل باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لمنظومة أمن البحر الأحمر برمتها. فالسودان يمتلك أطول ساحل على الضفة الغربية للبحر الأحمر يتجاوز ال ٨٠٠ كلم مربع، ويشرف على أحد أهم المقاطع الاستراتيجية للملاحة الدولية، الأمر الذي يجعل أمنه واستقراره جزءًا لا يتجزأ من أمن هذا الممر الحيوي. ومن ثم، فإن أي فراغ أمني أو اضطراب سياسي في السودان ينعكس بالضرورة على البيئة الأمنية للبحر الأحمر، ويفتح المجال أمام تمدد الفاعلين من غير الدول، وتصاعد التنافس الإقليمي والدولي، بما يهدد سلامة سلاسل الإمداد العالمية. وفي المقابل، فإن دعم استقرار السودان وتعزيز مؤسسات الدولة الوطنية ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه استثمارًا في أمن التجارة الدولية، وليس مجرد استجابة لأزمة محلية. فكما كشفت أزمة مضيق هرمز هشاشة النظام التجاري العالمي أمام اضطرابات الممرات البحرية، فإن الحفاظ على استقرار السودان يمثل أحد الضمانات الاستراتيجية لاستدامة أمن البحر الأحمر، ويجعل من السودان شريكًا محوريًا في أي معادلة إقليمية أو دولية تستهدف حماية هذا الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي.

دعوة استراتيجية مهمة:

لقد أثبتت الأزمة الجارية في مضيق هرمز أن أمن الممرات البحرية لا يمكن أن يبقى رهينةً لتوازنات القوى الدولية أو رهانًا لتدخلات القوى الخارجية، وإنما ينبغي أن يتحول إلى مسؤولية إقليمية مشتركة تقودها الدول المشاطئة نفسها. ومن ثم، فإن اللحظة الراهنة تفرض على دول البحر الأحمر الانتقال من مرحلة التنسيق الظرفي إلى مرحلة بناء منظومة أمن جماعي مستدام، تقوم على رؤية استراتيجية موحدة، وآليات مؤسسية للتشاور وتبادل المعلومات والإنذار المبكر، وتنسيق حماية الملاحة وسلاسل الإمداد، والاستجابة المشتركة للأزمات. ولعل الوقت قد حان الأوان لوضع اللبنات الأولى لكيان إقليمي فاعل لأمن البحر الأحمر، لا يكون موجهاً ضد أحد، وإنما يهدف إلى حماية المصالح الجماعية للدول المشاطئة، وصون سيادتها، وتأمين أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية، بما يجعل البحر الأحمر فضاءً للتعاون والتنمية والاستقرار، لا ساحةً للتنافس والصراعات بالوكالة. فمن لا يصنع معادلة أمنه بنفسه، سيظل أمنه يُصاغ وفق أولويات الآخرين، لا وفق مصالحه الوطنية والإقليمية.

خاتمة

في ختام هذه الدراسة يمكن القول بأن العالم يشهد انتقالًا من “عصر الهيمنة” إلى “عصر إدارة المخاطر”. فلم تعد أي قوة قادرة على فرض الاستقرار منفردة، كما لم تعد أي دولة صغيرة عاجزة عن التأثير في الاقتصاد العالمي إذا امتلكت موقعًا جغرافيًا حاسمًا أو أدوات ضغط غير تقليدية. لذلك، فإن الدرس الأكبر من الصراع الجاري هو أن الأمن لم يعد يُبنى بالسلاح وحده، بل بمنظومة متكاملة تجمع الاستقرار السياسي، والتنمية الاقتصادية، والتعاون الإقليمي، واحترام القانون الدولي وحقوق الآخرين.

بل إن أهم ما أفرزته الحرب ليس إعادة توزيع موازين القوة فحسب، وإنما التأكيد على أن الأمن الإقليمي لم يعد قابلاً للإدارة بمنطق ردود الأفعال أو الترتيبات المؤقتة، بل يتطلب منظومة متكاملة تستند إلى قواعد القانون الدولي، وأحكام قانون البحار، وميثاق الأمم المتحدة وغيرها من الأطر الحاكمة ، وتفعيل الأطر الإقليمية للتعاون الأمني والجماعي. فاستدامة أمن الممرات البحرية لن تتحقق بتعاظم الوجود العسكري وحده، وإنما ببناء الثقة بين الدول المشاطئة وفق ميثاق يرتكز الي هذه الأسس، واحترام سيادة البلدان ذات الصلة، وتطوير آليات مشتركة للإنذار المبكر، وإدارة الأزمات، وحماية حرية الملاحة والتجارة الدولية. ومن هنا، فإن المستقبل يفرض الانتقال من إدارة الأزمات إلى هندسة الأمن الاقليمي، من منطق التنافس إلى منطق الشراكة، بما يؤسس لمنظومة أمنية إقليمية متوازنة، قادرة على صون المصالح الوطنية للدول المشاطئة، وفي الوقت ذاته حماية أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي. فالحروب قد تعيد رسم الخرائط، لكن السلام المستدام لا تصنعه إلا المؤسسات، والمواثيق، والإرادة السياسية المشتركة والعمل الجماعي المشترك.

اترك رد

error: Content is protected !!