
تبدأ بعض التحولات الكبرى بصمت، قبل أن تعلن عن نفسها عبر قرارات أو تحالفات أو اتفاقيات. وما يبدو في ظاهره خطوة أمنية قد يحمل في جوهره ملامح مرحلة جديدة تتغير فيها خرائط النفوذ، وتُعاد صياغة الأدوار الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، تندرج المبادرة السعودية لإنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات لحماية البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، باعتبارها محطة استراتيجية تتجاوز حدود الاستجابة لتهديدات طارئة، لتفتح الباب أمام إعادة تشكيل أحد أكثر الأقاليم حساسية في العالم.
وخلال العقد الأخير، اكتسب البحر الأحمر مكانة مختلفة في الحسابات الاستراتيجية الدولية. فقد تحول إلى فضاء تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى، وتتشابك فوق مياهه اعتبارات الأمن والطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والتنافس الجيوسياسي. وأصبح أي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس سريعاً على حركة الأسواق، وأسعار الطاقة، واستقرار الاقتصاد العالمي، وهو ما منح أمنه بعداً دولياً يتجاوز حدود الدول المطلة عليه.
وجاءت الهجمات على السفن التجارية وناقلات الطاقة، وتصاعد المخاطر في باب المندب، واتساع نطاق التوتر في محيط البحر الأحمر، لتؤكد أن البيئة الأمنية في الإقليم دخلت مرحلة مختلفة، تتطلب أدوات أكثر استدامة وقدرة على التعامل مع التهديدات المركبة. فالتجارب السابقة أثبتت أن المعالجات المؤقتة تحقق قدراً من الاحتواء، لكنها لا توفر أساساً مستقراً للأمن طويل الأمد.
ومن هنا تتضح أهمية المشروع السعودي، فالسعودية تطرح تصوراً لبناء منظومة أمنية بحرية مؤسسية، تستند إلى ميثاق منظم، وهيكل للقيادة والسيطرة، وآليات للتنسيق والتشغيل المشترك، وتبادل المعلومات، والتخطيط العملياتي، بما يرسخ بيئة أمنية قادرة على الوقاية والردع، ويمنح التعاون البحري طابعاً مؤسسياً يتجاوز الاستجابة الظرفية.
وتاريخ العلاقات الدولية يؤكد أن قيادة الأقاليم ترتبط بامتلاك المبادرة وصياغة الرؤى وبناء المؤسسات القادرة على جمع المصالح المشتركة داخل إطار مستدام، إلى جانب ما تملكه الدول من قدرات عسكرية. ومن هذا المنطلق، يعكس المسار السعودي توجهاً استراتيجياً نحو هندسة البيئة الأمنية في البحر الأحمر، بحيث يصبح الأمن البحري نتاج عمل جماعي منظم، يقوم على الشراكة وتقاسم المسؤولية.
ويحمل اختيار المملكة العربية السعودية دولةً مؤسسة وقائدة لهذا التحالف دلالات تتجاوز الجانب التنظيمي. فالمملكة ترتبط مصالحها الوطنية ارتباطاً مباشراً باستقرار البحر الأحمر، سواء عبر صادراتها النفطية، أو موانئها على الساحل الغربي، أو مشروعاتها الاقتصادية الكبرى، أو دورها المحوري في منظومة الأمن العربي والإقليمي. ولهذا جاءت المبادرة امتداداً طبيعياً لرؤية تعتبر أمن الممرات البحرية جزءاً من أمن الدولة واستقرار الاقتصاد الإقليمي.
وتكشف الخطوات التأسيسية التي أُعلن عنها، وما شملته من مناقشة مشروع الميثاق، والوثائق المرجعية، وهيكل القيادة والسيطرة، وآليات التشغيل، أن المشروع يتجه نحو بناء مؤسسة أمنية إقليمية ذات طابع دائم، تستند إلى قواعد تنظيمية وآليات تشغيل مشتركة، وهو ما يمنحه قابلية أكبر للاستمرار والتطور. كما تعزز هذه المقاربة فاعليته على المدى البعيد وتوفر له مقومات الرسوخ والاستدامة، لأنها تؤسس للتعاون قبل أن تؤسس للتحرك العسكري، وتبني القواعد المنظمة قبل الانتقال إلى مراحل التنفيذ.
ويحمل هذا التحالف الأمني الجديد بعداً آخر يتجاوز حدود البحر الأحمر نفسه، إذ يعكس تطوراً لافتاً في الفكر الأمني العربي. فعلى امتداد عقود طويلة، ارتبطت معظم ترتيبات الأمن الإقليمي بمبادرات تقودها قوى دولية، بينما يأتي هذا المشروع من داخل الإقليم، مستنداً إلى إدراك عربي بأن أمن المنطقة مسؤولية مشتركة تبدأ بدولها قبل أن تتسع لشركائها الدوليين. وهذا التوجه يمنح المشروع قيمة استراتيجية إضافية، لأنه لا يؤسس لتحالف بحري فحسب، وإنما يطرح نموذجاً عربياً لإنتاج الأمن الإقليمي الجماعي، يقوم على أساس الشراكة، والمصالح المتبادلة، وتقاسم المسؤولية، وبناء المؤسسات الدائمة، بدلاً من انتظار المبادرات القادمة من خارج الإقليم.
ويبرز هنا تحول بالغ الأهمية في طريقة النظر إلى البحر الأحمر. فقد انتقلت المقاربة من التركيز على حماية السفن أثناء عبورها إلى بناء منظومة إقليمية تجعل أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية تتوزع بين الدول المشاركة وفق رؤية مشتركة وآليات مؤسسية. وهذه النقلة تمثل جوهر المشروع، لأنها تنقل الاهتمام من إدارة الحوادث إلى إدارة البيئة الأمنية التي تنتجها.
كما تعكس المبادرة إدراكاً متزايداً بأن قيمة البحر الأحمر تنبع من دوره في معادلات الأمن والطاقة والاقتصاد العالمي، إلى جانب ما يتمتع به من موقع جغرافي استثنائي. ومن ثم أصبحت المكانة داخل هذا الإقليم تُبنى بقدر ما تمتلكه الدول من رؤية وقدرة على المبادرة وصناعة التوافقات، أكثر مما تُبنى بعوامل الجغرافيا المجردة.
ويحتل السودان موقعاً محورياً في هذه المعادلة، بحكم امتداده على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وإشرافه على قطاع بالغ الأهمية من الممر البحري، وارتباطه بعمقين عربي وأفريقي يمنحانه قدرة استثنائية على الربط بين دوائر جيوسياسية متعددة. ولهذا فإن حضوره في أي ترتيبات أمنية تخص البحر الأحمر يعبّر عن حقيقة فرضتها الجغرافيا، قبل أن تفرضها السياسة.
ولا تتعلق أهمية السودان بطول ساحله أو موقعه الجغرافي فحسب، وإنما بما يوفره من عمق استراتيجي للساحل الغربي للبحر الأحمر. فاستقرار هذا الساحل يمثل أحد الشروط الأساسية لفاعلية أي منظومة أمنية في الإقليم، لأن أمن الممرات البحرية لا يقتصر على حماية المياه، بل يبدأ من استقرار اليابسة المطلة عليها، وتأمين الموانئ، وحماية البنية الساحلية. ومن هذه الزاوية، يغدو السودان أحد عناصر إنتاج الأمن في البحر الأحمر، لا مجرد دولة تستفيد من ترتيباته.
وانطلاقاً من هذا الفهم، تكتسب مشاركة السودان في مشروع التحالف البحري أهمية خاصة. فهي تعكس عودة الدولة السودانية إلى موقعها الطبيعي داخل معادلات الأمن الإقليمي، بعد سنوات انشغلت فيها بتداعيات الحرب الداخلية وما فرضته من تحديات سياسية وعسكرية واقتصادية. كما تؤكد أن استقرار السودان يمثل ركناً أساسياً في استقرار البحر الأحمر، وأن أي تصور جاد لأمن هذا الإقليم يحتاج إلى دولة سودانية مستقرة، تمتلك مؤسسات قادرة على أداء دورها في حماية الساحل والممرات البحرية.
وقد دافعنا في هذه الزاوية، وعلى امتداد سلسلة من المقالات، عن فكرة جوهرية مفادها أن السودان مطالب بالانتقال من موقع المتأثر بتحولات البحر الأحمر إلى موقع الشريك في صناعتها. فالجغرافيا تمنح الفرصة، أما تحويلها إلى نفوذ فيتطلب رؤية، ومؤسسات، وإرادة سياسية تدرك قيمة الموقع، وتوظفه في خدمة الأمن القومي والتنمية الوطنية.
ومن هنا، فإن المشاركة في هذا التحالف ينبغي أن تُستثمر ضمن مشروع وطني أشمل لإعادة بناء الاستراتيجية البحرية السودانية. فالمسألة لا تتعلق بتعزيز القدرات العسكرية البحرية وحدها، وإنما تشمل تطوير الموانئ، وتأمين السواحل، وتحديث البنية التحتية البحرية، وتنمية الاقتصاد الأزرق، وتوسيع مجالات التعاون الإقليمي، وربط كل ذلك بسياسة خارجية تنظر إلى البحر الأحمر بوصفه أحد أهم مرتكزات القوة السودانية.
وتحمل هذه اللحظة كذلك فرصة لإعادة تعريف الدور السوداني في الإقليم. فالسودان يمتلك من المقومات ما يؤهله ليكون مركزاً للتعاون البحري، ومنصة للتنسيق بين الدول المطلة على البحر الأحمر، وشريكاً فاعلاً في حماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ويتطلب بلوغ هذا الهدف استثمار الموقع الجغرافي ضمن مشروع دولة، لا الاكتفاء باعتباره ميزة طبيعية قائمة بذاتها.
وفي المقابل، يرتبط نجاح هذا التحالف بقدرته على ترجمة الإرادة السياسية إلى مؤسسات فاعلة، وآليات تشغيل واضحة، وهياكل قيادة وسيطرة قادرة على إدارة العمل المشترك بكفاءة واستمرارية. فالتحالفات التي تؤسس على قواعد مؤسسية تمتلك فرصاً أكبر للبقاء والتأثير، لأنها تبني الثقة، وتوحد الإجراءات، وتعزز القدرة الجماعية على مواجهة التهديدات.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن البحر الأحمر يدخل مرحلة جديدة في تطوره الاستراتيجي، تتشكل فيها منظومة أمنية أكثر تنظيماً، وتتوزع فيها المسؤوليات بصورة تعكس المصالح المشتركة للدول المطلة عليه والشركاء الدوليين. وهذا التحول يفتح الباب أمام بناء نموذج إقليمي يقوم على التعاون المستدام، ويمنح أمن الممرات البحرية إطاراً أكثر استقراراً وفاعلية.
إن ما يجري اليوم يتجاوز حدود الإعلان عن تحالف بحري جديد؛ فهو يمثل بداية مسار يعيد رسم البيئة الأمنية للبحر الأحمر، ويؤسس لتوازنات مختلفة في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية وحساسية. وستكون الدول الأقدر على قراءة هذه اللحظة، والأسرع في تحويلها إلى سياسات ومشروعات وشراكات، صاحبة الحضور الأبرز في مستقبل الإقليم. وفي السياسة الدولية، لا يتحول الموقع الجغرافي إلى نفوذ تلقائياً؛ فالرؤية، والمؤسسات، وحسن إدارة الموقع هي التي تصنع القوة والمصلحة والتأثير.
فالجغرافيا تمنح الدول السواحل، أما المكانة فتصنعها الدول التي تحسن إدارة جغرافيتها. وتلك هي الرسالة الأعمق التي يحملها البحر الأحمر اليوم، كما أنها التحدي الأكبر أمام السودان، وهو يعيد بناء دولته، ويستعيد دوره، ويرسخ حضوراً يليق بموقعه في معادلة إقليم تتشكل من جديد.



