

تقع مدينة الجنينة في أقصى غرب السودان، وتتربع على مفترق طرق حضاري وتجاري فريد. فهي ليست مجرد عاصمة إدارية لولاية غرب دارفور فحسب، بل هي أيضاً حاضرة سلطنة دار مساليت التاريخية، وشريان يربط السودان بعمقه الإفريقي.
اكتسبت المدينة عبر تاريخها الطويل طابعاً مميزاً جمع بين الإرث السلطاني، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والتنوع الإثني والثقافي الذي جعل منها لوحة إنسانية نابضة، بفضل موقعها على تخوم غرب إفريقيا.
وتحولت الجنينة من بستان خاص إلى عاصمة، ومن ثم إلى بوابة اقتصادية يمر عبرها نبض التجارة بين السودان ودول الجوار.
تأسست سلطنة دار مساليت في نهاية القرن التاسع عشر، وتحديداً في العام 1874م، على يد السلطان الأول هجام حسب الله كنجي فرتاك. وجاء التأسيس في ظروف إقليمية مضطربة تزامنت مع دخول الإدارة التركية إلى دارفور بقيادة الزبير باشا، والتي أدت إلى مقتل السلطان إبراهيم حسين سلطان دارفور انذاك الملقب بإبراهيم قرض في معركة “منواشي” عام 1874م. ومنذ نشأتها استقطبت السلطنة طلائع بشرية من بلاد السودان المختلفة، ومن شمال وغرب إفريقيا، ومن بقاع شتى من العالم، مما رسخ طابعها كمجتمع منفتح ومتعدد.
وشهد المسار الإداري للسلطنة تحولاً جوهرياً في عهد السلطان بحر الدين أندوكا، فقد كانت العاصمة التاريخية “درجيل” تعاني من ندرة المياه الجوفية رغم مكانتها كسوق وميناء تجاري يضاهي أسواق “الفاشر” و”نيرة” بدارفور ودار تاما. وبعد مشورة من التاجر السنوسي النفار القادم من واحة جالو الليبية، والذي كانت تربطه بالسلطان أواصر صداقة، اتخذ السلطان قراراً بنقل مركز الحكم إلى منطقة الجنينة الحالية غرب وادي كجا، نظراً لوفرة المياه وخصوبة أراضيها.
واكتسبت المدينة اسمها الحالي من “الجنينة” الخاصة التي أنشأها السلطان بحر الدين في منطقة “كلنقي” قرب جبل الأمير من الناحية الشرقية. وتروي الرواية التاريخية أن السلطان في ذات يوم غادر درجيل متفقداً الأراضي الغربية، فاستقر به المقام على الضفة الغربية لوادي كجا. أعجب بخصوبة المنطقة فقام بتنظيف المكان وأحاطه بالشوك ليكون بستاناً خاصاً له، وزرع فيه “البصل والليمون”. ثم عاد إلى درجيل، وصار يتردد على مكانه الجديد باستمرار. فإذا سأل أهالي درجيل عن وجهته “سلطان سار لوين؟” أجابهم المنتظرون “سار لجنينتو” أي ذهب إلى بستانه.
ومن هذا البستان تحول المكان تدريجياً إلى مركز استقرار، وأعلنت الجنينة عاصمة جديدة للسلطنة في العام 1914م. ومع مرور الزمن تطورت من مجرد حديقة إلى حاضرة إدارية وتجارية.
وتمثل الجنينة نقطة التقاء رئيسة لحركة القوافل والتجارة الحدودية مع دول الجوار الإفريقي. وقد عز من مكانتها وجود مطارين: المطار القديم الذي أنشئ في مطلع أربعينيات القرن الماضي، وكان أحد مطارات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، والمطار الجديد الواقع شرق المدينة، بالإضافة إلى أكبر سوق للماشية بمنطقة “فوربرنقا”.
كما كان هناك مكان مقترح لقيام السوق الحر لربط المنطقة والسودان بأسواق إفريقيا، في إطار محاولات تنشيط تجارة الصادر من المنتجات المحلية والوارد من السلع المتنوعة. وبفضل هذا الإرث التجاري أصبحت الجنينة شرياناً للتبادل الإفريقي، ونافذة السودان الاقتصادية نحو تشاد وإفريقيا الوسطى ونيجيريا ودول الساحل.
ولم تقتصر مهمة سلطنة دار مساليت على الحكم والإدارة فقط، بل لعبت دوراً محورياً في رتق النسيج الاجتماعي وحفظ التعايش بين المكونات المختلفة. فبفضل سياسة الأبواب المفتوحة التي انتهجها السلاطين، تحولت دار مساليت إلى ملاذ آمن للقادمين من مختلف جهات السودان وإفريقيا. وأسهم نظام الإدارة الأهلية والمحاكم التقليدية في فض النزاعات وتأكيد قيم التسامح والتجوال. كما شكلت الأسواق الأسبوعية والمناسبات الدينية والثقافية مساحات للتلاقي والتنوع، مما جعل من الجنينة نموذجاً مبكراً للمدينة متعددة الأعراق التي تحكمها أعراف مشتركة قبل أن تكون قوانين مكتوبة.
ورغم هذا التاريخ العريق والموقع المتميز، تأثرت الجنينة سلباً بالأحداث الأخيرة. فقد أدى وقوع المدينة تحت سيطرة المليشيات إلى خروج أغلب السكان، وانقطاع التواصل القومي، وتعطيل حركة التجارة الخارجية، وتراجع دورها كمركز للتبادل بين السودان وغرب إفريقيا. وقد انعكس ذلك على ما تبقى من الناس تحت وطأة المليشيات، وعلى الاقتصاد الوطني بشكل عام.
إن الجنينة ليست مجرد مدينة حدودية، بل هي ذاكرة تاريخية وهوية ثقافية وبوابة اقتصادية. واستعادة دورها يتطلب بالضرورة بسط الأمن والاستقرار وتحريرها من قبضة المليشيات، حتى تعود لتؤدي رسالتها التاريخية كحلقة وصل بين السودان وغرب إفريقيا. فنهضة الجنينة جزء أصيل من نهضة السودان، وعودة تجارتها هي عودة لشريان حيوي يغذي البلاد ويربطها بعمقها القاري.
د. محمد أحمد آدم
باحث إعلامي
القاهرة – 5 أغسطس 2026





