
في السياسة لا تتغير المواقف لأن القناعات تبدلت، بل لأن الواقع يفرض نفسه. هذا ما يفسر التحول الغربي اللافت تجاه الإسلاميين السودانيين بعد سنوات من الإقصاء.
أولا: الواقع الجديد بعد الحرب
منذ سقوط الإنقاذ ساد اعتقاد أن إخراج الإسلاميين شرط لنجاح الانتقال. لكن حرب أبريل 2023 كشفت العكس. الإسلاميون انحازوا للجيش، وأسهموا في التعبئة والإسناد، فأصبحوا جزءاً من معادلة النفوذ. في السياسة لا يمكن تجاوز قوة أثبتت حضورها على الأرض.
ثانيا: درس إيران غيّر القواعد
المواجهة بين إيران وأمريكا وإسرائيل أعادت رسم الخريطة. رغم العقوبات، لم تُخضَع طهران، بل فرضت كلفة استراتيجية على خصومها. الرسالة وصلت: الاستقرار لا يُصنع بالإقصاء، بل بإدارة التوازنات. لذلك بدأ الغرب يفكر بمنطق الاحتواء بدل العزل.
ثالثا: السودان والبحر الأحمر
القضية أكبر من الخرطوم.. السودان هو مركز الجاذبية الجديد بعد الحرب الداخلية والإقليمية التي جعلت منه ليس مجرد دولة وإنما بوابة للبحر الأحمر ومفتاح للقرن الإفريقي ونقطة عبور وهو بذلك أصبح ساحة صراع دولي. الغرب يدرك أن دفع الإسلاميين للعزلة قد يدفعهم لمحاور أخرى تهدد الممرات البحرية. الاحتواء هنا خيار أمني، لا أيديولوجي.
رابعا: ماذا يعني الاحتواء؟
لا يعني إعادة الإسلاميين للسلطة. موقفهم المعلن: لا مشاركة في أي حكم انتقالي، والعودة فقط عبر الانتخابات. جوهر التحول هو الاعتراف باستحالة بناء عملية سياسية دونهم، لا منحهم سلطة.
تجارب المنطقة أثبتت أن الإقصاء ينتج أزمات أعقد. بعد حرب إيران، العالم ينتقل من كسر الخصوم إلى إدارة التوازنات معهم. السياسة لا تتعامل مع الأمنيات، بل مع موازين القوة والجغرافيا. وبين العزل والاحتواء، تنتصر الواقعية مجدداً.
{وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} – المطلوب اليوم سكينة في القرار، لا استدراج لمعارك خاسرة. إنتصار الواقعية
الغرب لم “يقنع” بإعادة وكلائه للسلطة، بل أيقن أن حلم التنصيب عبر المنابر مات في الخرطوم.
1. ماذا حدث للمنابر من الرباعية إلى الخماسية؟
المنابر كانت أدوات هندسة، لا شرعية. الرهان كان على “قوى مدنية” مدعومة إماراتياً وغربياً تستلم السلطة بغطاء دولي:
- الرباعية: أمريكا، بريطانيا، السعودية، الإمارات. هدفها إدارة الانتقال وتفكيك الجيش.
- الخماسية: أضيفت مصر بعدما فشلت الرباعية. هدفها احتواء الانفجار بعد 15 أبريل.
كلها انتهت إلى شيء واحد: الوكلاء بلا أرض. الحرب كشفت أن تلميع الوجوه في فنادق أديس وأبوظبي لا يصنع شرعية في أم درمان. من لا يملك بندقية ولا حاضنة، لا تحكمه المنابر.
2. ماذا أدرك الغرب الآن؟
أدرك 3 حقائق قاسية:
الأولى: المال الإماراتي لا يشتري دولة.
الإمارات صرفت مليارات على التسويق والدعم والإعلام. النتيجة؟ تعمّق الكراهية الشعبية للتدخل الخارجي، وتحوّل “حلفاء الإمارات” إلى عبء سياسي. الغرب فهم أن الرهان على وكيل مكشوف يحرق كل أوراقك. المال يشتري سلاح لقتل الأبرياء وبيانات كذوبة، لا ولاء.
الثانية: الجيش والإسلاميون باقون بقوة السلاح والجغرافيا.
الغرب لا يحب الإسلاميين، لكنه اكتشف أن عزلهم يدفعهم لإيران وروسيا. والبحر الأحمر أخطر من أن يُترك. لذلك منطق “الاحتواء” الذي شرحه الصحفي ابراهيم شقلاوي ليس حباً، بل تطويق للضرر. إبقاؤهم داخل اللعبة أرخص من تحويلهم لعدو مكتمل.
الثالثة: “الوكلاء” فشلوا في الامتحان الوحيد: السيطرة.
من 2019 إلى 2023، أُعطوا الفرصة كاملة. النتيجة كانت فراغاً دستورياً، وتفكيكاً للمؤسسات، وانفجاراً في أبريل. الغرب براغماتي: لا يستثمر في حصان ميت. والشارع السوداني أسقط شرعيتهم قبل الجيش.
3. هل انتهى دور المال الإماراتي؟
لم ينته، لكنه تغيّر. المال الإماراتي الآن يبحث عن “خطة ب”:
- إطالة الحرب: طالما لم يتم القضاء التام على المليشيا المتمردة، يبقى التفاوض لدى الداعمين مفتوحاً ليبقي للمليشيا المتهاوية وزن.
- شراء نخب جديدة: إذا احترقت الوجوه القديمة، يتم تلميع وجوه بديلة بنفس الأجندة.
- فرض الأمر الواقع: تحويل مناطق سيطرة الدعم السريع إلى كانتون اقتصادي مرتبط بأبوظبي.
إنتصار الواقعية .. الغرب بدأ يميّز بين مصالحه ومصالح الإمارات. أمريكا تريد بحر أحمر آمن، لا إمارة تابعة لمحمد بن زايد. والخماسية نفسها تفككت عملياً بعد دخول مصر ورفض السعودية لانفراد الإمارات.
الخلاصة بمنطق {قالوا سلاما}
الغرب لا يتراجع عن أيديولوجيته، لكنه يتراجع عن أدواته الفاشلة. “إعادة الوكلاء” لم تعد هدفاً، لأن الوكلاء سقطوا في الشارع قبل السلاح.
المعادلة الجديدة التي فرضتها الحرب وإيران:
من يملك الأرض + السلاح + الحاضنة = لا يمكن تجاوزه.
من يملك التمويل الخارجي فقط = ورقة تفاوض، لا حاكم.
لذلك انتقل الغرب من “التنصيب” إلى “الاحتواء”. احتواء الإسلاميين، واحتواء الجيش، واحتواء حتى طموح الإمارات. لأن البديل هو ترك السودان يذهب كله لمحور روسيا-إيران-الصين.
والمال الإماراتي سيظل يحاول، لكن الزمن لم يعد في صالحه. الشعوب التي ذاقت الحرب ترفض أن يحكمها من موّلها.
السؤال الأخطر الآن: هل أدرك “الوكلاء” أنفسهم أنهم انتهوا، أم أنهم ما زالوا ينتظرون طائرة أممية تعيدهم للقصر؟ السفير/ د. محمد يوسف حسن .. ١٧ يونيو ٢٠٢٦م






