الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

حرب الإرادات: الإكراه الأمريكي للتفاوض والصمود الإيراني للشرعية على حافة الحرب المفتوحة

السفير د. معاوية التوم


من الهدنة الهشة إلى اللاحرب الشاملة
لم تعد منطقة الشرق الأوسط تعيش حالة سلم مستقرة، كما أنها لم تدخل بعد في حرب شاملة بمفهومها التقليدي. فالتصعيد العسكري المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران، وما سبقه من ضربات إسرائيلية متواصلة، أوجد واقعاً جديداً يمكن وصفه بحالة “اللاحرب الشاملة”، حيث تستمر العمليات العسكرية والردود المضادة دون إعلان رسمي للحرب أو انخراط مباشر في مواجهة برية واسعة.
لقد انهارت عملياً التفاهمات الضمنية التي كانت تضبط حدود الاشتباك بين الطرفين، وحلت محلها معادلة جديدة تقوم على الضغط العسكري المتدرج واختبار حدود الصبر السياسي والاستراتيجي لدى كل طرف.

الإكراه للتفاوض.. العقيدة الأمريكية الجديدة
تقوم المقاربة الأمريكية الحالية على توظيف القوة العسكرية كأداة سياسية لإجبار الخصم على العودة إلى طاولة التفاوض بشروط مختلفة.
فالهدف الأمريكي لا يبدو متجهاً نحو احتلال إيران أو إسقاط نظامها عبر تدخل بري واسع، بقدر ما يركز على إضعاف قدراتها العسكرية والاستراتيجية وإجبارها على تقديم تنازلات جوهرية في الملفات الخلافية، وعلى رأسها البرنامج النووي وشبكات النفوذ الإقليمي.
وتعتقد واشنطن أن مزيج الضربات العسكرية والعقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية يمكن أن يحقق ما عجزت عنه سنوات طويلة من التفاوض التقليدي.
وبهذا المعنى، فإن العمليات العسكرية ليست هدفاً في حد ذاتها، وإنما وسيلة لإعادة تشكيل البيئة التفاوضية وفرض شروط جديدة على الطرف المقابل.

لماذا لا تستطيع إيران التراجع بسهولة؟
على الجانب الآخر، لا تنظر إيران إلى الصراع الراهن من زاوية أمنية أو عسكرية فحسب، وإنما من زاوية وجودية تتعلق بشرعية النظام ومكانته الداخلية والإقليمية.
فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 تشكلت شرعية الدولة الإيرانية على أساس رفض الهيمنة الخارجية ومقاومة الضغوط الأمريكية. ولذلك فإن الاستجابة للمطالب الأمريكية تحت تأثير الضربات العسكرية قد تُفسر داخلياً باعتبارها هزيمة سياسية ومعنوية تتجاوز حدود الخسائر العسكرية.
ومن هنا يصبح الصمود بالنسبة لطهران جزءاً من معركة الشرعية ذاتها، وليس مجرد خيار عسكري أو تكتيكي.
ولهذا السبب تبدو القيادة الإيرانية مستعدة لتحمل كلفة مرتفعة من الخسائر الاقتصادية والعسكرية، طالما أن البديل قد يهدد الصورة التي بنتها الدولة الإيرانية عن نفسها طوال العقود الماضية، وتجارب السلم والحرب مع أمريكا وحليفتها.

معضلة ترامب بين القوة والحرب
الرئيس دونالد ترامب يقدم المواجهة الحالية باعتبارها دفاعاً عن المصالح الأمريكية ورداً على ما يصفه بالتهديدات الإيرانية المستمرة.
لكن الإدارة الأمريكية تواجه في الوقت نفسه معضلة معقدة.
فهي تريد ممارسة أقصى درجات الضغط على إيران، دون الانزلاق إلى حرب برية شاملة قد تستنزف الولايات المتحدة مالياً وعسكرياً وسياسياً.
ولا تزال التجربتان العراقية والأفغانية حاضرتين بقوة في الذاكرة الأمريكية، وهو ما يجعل صناع القرار أكثر حذراً تجاه أي مغامرة عسكرية مفتوحة قد تمتد لسنوات طويلة.
لذلك تحاول واشنطن تحقيق أهداف الحرب دون تحمل أعباء الحرب نفسها، عبر الاعتماد على الضربات الجوية الدقيقة والعقوبات الاقتصادية والتحالفات الإقليمية.

هل انتصر تيار الحرب؟
يرى كثير من المراقبين أن التصعيد الحالي يعكس تنامي نفوذ التيارات الداعية إلى المواجهة داخل الولايات المتحدة، مدعومة بمطالب إسرائيلية تدعو إلى استثمار اللحظة الراهنة لإضعاف إيران بصورة استراتيجية.
ولا شك أن اللوبيات المؤيدة لإسرائيل وجدت في التطورات الأخيرة فرصة للدفع نحو سياسات أكثر تشدداً تجاه طهران، خاصة في ظل الاعتقاد بأن أي تراجع في القدرات الإيرانية يمثل مكسباً أمنياً مباشراً لإسرائيل.
ومع ذلك، فإن الحديث عن انتصار كامل لتيار الحرب قد يكون مبالغاً فيه.
فداخل المؤسسات الأمريكية ما تزال هناك تيارات مؤثرة تدعو إلى تجنب الانزلاق نحو حرب إقليمية واسعة قد تهدد المصالح الأمريكية وحركة التجارة الدولية وأسواق الطاقة العالمية.

الصمود أم الاستنزاف؟
السؤال المركزي اليوم لا يتعلق بقدرة أي طرف على توجيه الضربات، وإنما بقدرته على تحمل نتائجها.
فالولايات المتحدة تراهن على أن الضغوط المتراكمة ستجعل كلفة الصمود الإيراني أعلى من كلفة التفاوض.
في المقابل تراهن إيران على أن كلفة إخضاعها ستكون أعلى من كلفة التعايش معها كقوة إقليمية مؤثرة.
وهنا تكمن جوهر “حرب الإرادات” التي تدور حالياً.
فالمواجهة لم تعد معركة أسلحة فقط، بل أصبحت اختباراً سياسياً ونفسياً واستراتيجياً لمدى قدرة كل طرف على الاستمرار وتحمل الضغوط.

إلى أين يتجه المشهد؟
السيناريو الأول يتمثل في نجاح الضغوط العسكرية في دفع إيران نحو تسوية تفاوضية جديدة تحفظ الحد الأدنى من مصالحها الاستراتيجية.
أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في دخول الطرفين في حرب استنزاف طويلة تتوسع تدريجياً عبر ساحات متعددة في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط، دون الوصول إلى حسم نهائي.
وفي هذه الحالة قد تجد المنطقة نفسها أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار تتجاوز آثارها الحدود الإقليمية لتنعكس على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتوازنات الدولية.

الخلاصة
لقد دخلت الولايات المتحدة وإيران مرحلة غير مسبوقة من اختبار الإرادات.
واشنطن تسعى إلى استخدام القوة لإجبار طهران على التفاوض من موقع أضعف.
وطهران تسعى إلى الصمود للحفاظ على شرعيتها ومكانتها الإقليمية. وإسرائيل توالي غاراتها على لبنان في خط موازي للحرب .
وبين الإكراه والصمود، وبين التفاوض والمواجهة، تقف المنطقة على حافة حرب مفتوحة قد لا يحدد مسارها حجم القوة العسكرية بقدر ما تحدده قدرة كل طرف على تحمل كلفة الصراع والاستمرار فيه.
——————
١٢ يونيو ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!