الرواية الأولى

نروي لتعرف

ليمانيات / د. إدريس ليمان

بالغ القاش ..!!


السؤال الذى ظَلّ يتردد دوماً على ألسنة البسطاء من أهل السودان منذ الخامس عشر من أبريل 2023م : ( إلى أين تسير بلادنا ..!!؟) لم يكن سؤالاً عابراً ولا لغواً أو إستشرافاً للمستقبل بل هو إستشعارٌ عميق لما يجرى دول الإقليم من تحولات بدأت تتبدل معها قواعد النظام الدولى وتُعاد فيه وتتشكل المحاور والسياسات الدولية فى ظل الصراعات المحتدمة حول مصادر الثروات ..!! والإجابة على هذا السؤال الصعب تقتضى منّا تحريره من النظرة العاطفية والنظر إليه بقدرٍ من الموضوعية والحياد ، فشاكلة هذه الأسئلة المرتبطة بمستقبل السودان تزداد عمقاً وتعقيداً كلما تقاطعت المصالح الخارجية مع مطامع الطامحين ومع الأزمات السياسية والإقتصادية والإجتماعية المتراكمة وفقدان البوصلة الوطنية وجو الإحباط العام وظهور تردٍ أخلاقى وسلوكى حاد فى الفضاء العام والفضاء الإفتراضي على السواء .. فالإستمرار فى إدارة الشأن العام بهذه الإرتجالية والترقيع العشوائى وسياسة رزق اليوم باليوم سيقود البلاد قسراً وأعينها مفتوحة إلى المجهول .. والحل ليس صعباً ولامستحيلاً ولايحتاج إلاً لإرادة صلبة وإدارة ناجزة وحكيم وإبرة لا لنحفر بها بل لنحقن بها أوردة الدولة وشرايينها بجرعاتٍ وأمصال تقيها الفوضى وتضبط لها البوصلة نحو التنمية والإصلاح البنيوى الحقيقى وتحتوى الضغوط الإقتصادية القاسية التى طحنت الغالبية العظمى من البسطاء وأحالت حياتهم إلى جحيم بعد أن تآكلت أصول أموالهم ومدخراتهم بسبب الفشل السياسى الذى أفضى إلى الحرب وظلّوا يُصارعون الغلاء يومياً لتأمين لقمة العيش بسبب العجز التام عن إبتكار حلول تكسر طوق الأزمة وفى إدمان المقاربات الإسعافية التى تشبه الأعمال الخيرية الموسمية وليس الخطط التنموية المستدامة ..!!
وفى ظل هذه الأزمات التى أمسكت بتلابيبنا أطلَّت علينا من خيمة تأسيس المصنوعة من وبرِ الخيانة والممتدة كأطماع الخونة وجوهاً تُباعُ وتُشترى بإبتساماتٍ خبيثة فى عناقٍ حار رغم أنها كانت تبصق على بعضها فى زمانٍ سابق بعد أن نجح مقاولوا الدويلة فى تحويل مواقفها إلى جسدٍ واحد إذا إشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالكذب والنفاق ..!! فإن كان زعيم التمرد قد هلك الإَّ أن الخيانة قد بَقِيَت حَيَّة تَلدِغُ ولا تُرزق ..!! تُعيشُ ببزة تعايشية أنيقة وتُديُر الأزمة بمددٍ جديد ..!! ولن أسأل هذا النائب الجديد للشرطة الفيدرالية المزعومة الذى سبقت رغبته إرادته وإن كان مرجوَّاً فينا قبل أن يخون.. لن أسأله عن دوافعه وعن فعلته التى فعل فهذا أمرٌ مُتشعبٌ كتشعب نهر القاش عندما يتكاثف سيله فيُغرق ويُدمِّر دونما سابق إنذار وهو النهر المحبوب عند أهل الوريفة فيقولون قولتهم المأثورة ( بالغ القاش ..!!).. ولكن سأسأله بحق الزمالة الطويلة والعُشرة النبيلة بيننا عن صراعه الداخلى والنار التى أعلم يقيناً أنها تشتعل فى وجدانه هل الثمن المكتسب كنائب لشرطتهم الفيدرالية المزعومة يستحق هذا الفعل الشائن وهذه السُبَّة أمد الدهر ..!!؟ لا شك أنه فى قلقٍ مُستدام فهو يُدرك حق اليقين أنه إرتكب فعلاً شنيعاً فى حق نفسه وأهله ودفعته وشرطته ووطنه ..!! وسيصعب عليه تجاهل ذلك الشعور بالذنب العظيم كلما تذكر خيانته وإن إدَّعى تجاهله ..!! ثُمَّ هنالك ما هو الأشدُّ والأنكى الذى ينتظره وهو إحساسه العميق بعدم ضمانة الركون إلى من دمَّر وطنه وإغتصب حرائره وليس يوسف عزت وعلاء نقد عنه ببعيد ..!! فقد يتخلصون منه فى أى لحظة حينما يَعتَصِرون الغرض الخبيث الذى تم تعيينه من أجله ، أو يُرمى به فى سجن دقريس لا كشريفٍ من شُرفاء الشُرطة المعتقلين بل كخائنٍ للخونة ويا لبؤس الخاتمة ، أو فى أقرب حاوية من نفاياتهم البائسة كجثةٍ نافقة لم يَعُد لها نفع أو قيمة وهذا مالم نكن نتمناه له لما نعرفه عنه من مواقف ومبادئ أو هكذا كُنَّا نظن ..!!
ورغم كل ذلك الوجع المقيم بداخلنا إلاّ أننى على يقين وأملٍ فى الله كبير بأن مستقبل هذا البلد الطيب بأهله سيكون أفضل من ماضيه وحاضره فلنبعث هذا الأمل فى قلوبنا ولتقو عزيمتنا ولتصدق نيّاتنا لنتطلع إلى غدٍ واعد للأجيال القادمة ، وإن ذلك مرهونٌ بمدى فهمنا لما تتطلبه هذه المرحلة من يقظة ووعىٍ ومسؤولية وحينها فقط سنتمكن من مواجهة التحديات أيًّا كان نوعها أو مصدرها دون أن تتضعضعنا التقلبات الدولية أو الإقليمية من حولنا .
وحفظ الله بلادنا وأهلها من كل سوء .

اترك رد